الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره السادسه عشر )

تلخيص الدرس السادس عشر
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من استمع القول واتبع أحسنه.
 الأسباب التي توقع الإنسان في الشِّرك.... الأسباب التي تفضي به إلى الوقوع في الشِّرك...
نتحدث عن هذه الأسباب لأمرين مهمين، وهدفين ساميين:
1ـ لأجل الحذر والتحذير، الحذر أي أن الإنسان في نفسه يحذر من الوقوع في الشِّرك، كما تقدم عن أئمة التَّوحيد أنهم خافوا من الوقوع في الشِّرك، ولهذا إبراهيم -عليه السلام- وهو خليل الرحمن يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]، فواجب على كل موحد أن يحذر وأن يخاف من الشِّرك، وأن يحذر كذلك من الأسباب التي تفضي به إلى الوقوع في الشِّرك، هذا من جهة.
2ـ أنه واجب على الدعاة إلى التَّوحيد وهم الدعاة إلى الله -عز وجل-، أن يحذروا الناس من الوسائل المفضية إلى الشِّرك، ولا يمكن للإنسان أن يحذر غيره من هذه الوسائل إلا أن يعرفها، وهذه من البصيرة في الدعوة إلى الله -عز وجل.
      إذن أنت أيها المسلم أنت أيها الموحد، أنت يا طالب العلم، عندما تتعرف على المظاهر المفضية إلى الشِّرك فلأجل الحذر والتحذير، لأجل أن تحذرها في خاصة نفسك، ولأجل أن تحذر المسلمين من الوقوع فيها.
الأسباب المفضية إلى الوقوع في الشِّرك  كثيرة جدًّا، أهمها وأخطرها.
السبب الأول:من أهم الأسباب التي تفضي بالعبد إلى الشِّرك، من أسباب كفر بني آدم، وتركهم دينهم: هو الغلو في الصالحين أحياءً كانوا أم أمواتًا، والغلو له أشكال وصور متعددة، يأتي من جهة الاعتقاد، ويأتي من جهة الغلو في الأقوال، ويأتي من جهة الغلو في المعاملات والتصرفات.
فالغلو عمومًا في أي باب من أبواب الدين، ولاسيما في الصالحين، هو أصل كل بلية، هو أصل الشِّرك في القديم والحديث،فالغلو عمومًا هو سبب الشرك والغلو في الصالحين خصوصًا هو السبب الأعظم في وقوع الشِّرك في البشرية في القديم والحديث...ولهذا المتأمل في كتاب الله -عز وجل- يجد النهي الأكيد والشديد عن الغلو في الصالحين، وهكذا المتأمل في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة، يجد التأكيد على النهي عن الغلو في الصالحين سواءً ما تعلق بهذه الأمة، أو ما تعلق بالأمم قبلنا لأجل أخذ العظة والعبرة.
الغلو من حيث الاصطلاح: هو مجاوزة الحد الذي حده الشرع، سواءً في جانب المدح، أو في جانب القدح والذم، فضابطه هو تعدي ما أمر الله -عز وجل- به في حق العبد، سواءً مدحًا أو قدحًا وذمًّا، فيسمى غلو، إما غلا في مدحه، فرفعه عن المقام اللائق به، أو غلا في ذمه، فأسقطه عن المكانة اللائقه به.
ولما نقول هنا الغلو في الصالحين فإننا نعني جانب الغلو في المدح ، يتجاوز الإنسان الحد الذي حده الشرع له في حق الصالحين، فيرفعهم عن مقام الصلاح، ومقام البشرية، إلى مقام الألوهية، وربما إلى مقام الربوبية. وربما أيضًا رفعهم عن مقام الصلاح إلى مقام النبوة، فأعطاهم شيئًا من حقوق الأنبياء، تتنزل عليهم الملائكة، ويعلمون الغيب، ويفرجون الكروب إلى غير ذلك من صور الغلو في الصالحين.
ـ الصالحون جمع صالح، والصالح هو الذي قام بحق الله -عز وجل- وحقوق عباده، هذا هو الصالح في نفسه، قام بحق الله -عز وجل- عليه، وقام بحقوق العباد وحقوق العباد عليك هو من حق الله عليك؛ لأنك عندما تقوم بحقوق العباد عليك، تقوم بحق الوالدين، بحق الرحم، بحق القريب، بحق الجار، بحق الضيف، بحق المسلم، فأنت إنما تؤدي حق الله عليك...وعلى هذا التعريف، فالصالحون يشمل الأنبياء والرسل، وهم أخص من الأنبياء، ويشمل الأولياء، وهم دون الرسل، ممن حققوا الإيمان والتقوى، فكل من اتصف بالصلاح فإنه يدخل في هذا المفهوم. فحينئذ الصالحون هم أهل الطاعة والإخلاص لله -عز وجل- في أمور الدين، فامتثلوا ما أمر الله به، واجتنبوا ما نهى الله عنه....والغلو فيهم: هو مجاوزة الحد الذي حده الله -عز وجل- في حق الصالحين، أيًّا كانوا، سواءً كانوا من الأنبياء، أو كانوا من الرسل، أو كانوا من الأولياء، أو كانوا من العلماء، فكل من جاوز الحد الذي أذن الله -عز وجل- به في حق هؤلاء فقد غلا فيهم.
ما الحد الذي أذن الله -عز وجل- به في حق الصالحين؟ حتى لا يتجاوز الإنسان ذلك.
الجواب: أن يحبوا في الله -عز وجل-،  وان يوالوا في الله ، فتحب الصالحين لله،والحب في الله هو من أوثق عرى الإيمان، وكذا البغض في الله، فتحبهم لله، وتواليهم لله، وتوقرهم في الله، وتقتدي بهم في صلاحهم، وفي علمهم، وإذا كانوا من الرسل والأنبياء فيؤخذ بشرائعهم، وخاصة من أرسل إلينا منهم، لكن نحن نتكلم عمومًا، فهذا من حقهم أن يصدقوا، وتمتثل أوامرهم، وتجتنب زواجرهم، ويقتدى بهديهم، ويدخل في ذلك الدفاع عنهم، ونصرتهم، ونحو ذلك من المعاني اللائقة بالأنبياء والمرسلين.
فالواجب تجاه الصالحين: هو.تنزيلهم منزلتهم اللائقة بهم، بحسب مكانتهم ومنزلتهم، إن كانوا من الرسل، فلهم مكانة تليق بهم، وهي خصائص النبوة، وخصائص الرسالة، فلا تنزلهم عن هذه المرتبة، فتجعل كلامهم كسائر كلام الناس، كما يحصل أحيانًا من المتساهلين ومن المتهاونين، والعقلانيين، والليبرانيين، والعلمانيين، يظن أن كلام الرسل كسائر كلام الناس ولا يعلم ان هؤلاء يتنزل عليهم الوحي  ولا يرفعون عن مقام الرسالة والنبوة الى مقام الالوهية  والربوبية ، فتصرف لهم خصائص الألوهية من العبادة، أو تصرف لهم خصائص الربوبية من التصرف في الكون، فينزلون المنزلة اللائقة بهم، وإن كانوا من الصالحين أيضًا لهم منزلتهم اللائقة بهم، فلا يقلل من شأنهم، ولا يرفعون عن مقام الصلاح إلى مقام مثلاً النبوة والرسالة، كما يحصل أحيانًا في من يغلو في الصالحين، فيدعي أنه يتنزل عليهم الوحي، ويعلمون الغيب وربما رفعهم أيضًا عن مقام الرساله الى مقام الألوهيه، وربما غلا بذلك فرفعهم الى مقام الربوبية فجعلهم يتصرفون في الكون،ويفرجون الكروب، ويهدون القلوب ويغفرون الذنوب، كما يحصل عند الخرافيين من عباد القبور، ومن غلاة الصوفية، والرافضة ونحوهم.
فالغلو في الصالحين هو تجاوز الحد الذي حده الشرع فيهم، سواءً كانوا من الأنبياء والمرسلين، أو كانوا من الصالحين.
يقابل الغلو في الصالحين الجفاء في حقهم، وهو عكس الغلو، ينزلوا عن المنزلة اللائقة بهم، فإن كانوا من الأنبياء والمرسلين فيعاملهم كما يعامل سائر البشر، ولا يعاملهم على أن الله قد عصمهم في امورالتبليغ وان الله عز وجل   - قد مَنَّ عليهم بالرسالة والنبوة ،وانهم لا يأتون بالوحى من قبل انفسهم فينتقصهم عن هذا المقام إلى مقام سائر البشر....وإن كانوا من الصالحين والأتقياء والعلماء الربانيين، فأيضًا ينزلهم عن المرتبة اللائقة بهم، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: «أنزلوا الناس منازلهم»، وهذا عام، فإذا رفعهم عن المنزلة قد غلا، وإذا حطهم عن المنزلة فقد جفا، فيقابل الغلو في الصالحين الجفاء إما بعدم موالاتهم واحترامهم، وتقديرهم، أو بعدم إعطائهم حقوقهم التي أوجبها الله -عز وجل- ونحو ذلك.
     قاعدة مهمة .... كل تقصير في الأمر أيًّا كان هذا الأمر، هذا يعد جفاءًا، وكل زيادة فيه  يعد غلوا ودين الله وسط بين بين الغالي والجافي، ولهذا قال -عز وجل-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] بين الغلاة والجفاة، وكما أن هذه الأمة هي وسط بين الأمم قبلها، فأهل الحق وسط بين الغلاة والجفاة، وما أمر الله بأمر، إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما غلو او جفاء.... ففي كل باب من أبواب الدين، تجد الغالي والجافي، في باب الأسماء والصفات تجد المعطل وضده الممثل والمشبه، في باب القدر، تجد الجبري والقدري، في باب الإيمان، تجد الوعيدية الخوارج، ومقابلهم المرجئة،. وهكذا هنا يقال في حق الصالحين والأنبياء، تجد الغلاة وتجد الجفاة.
      تنبيه آخر .... ليُعلم أن الغلو في الصالحين ليس هو السبب الوحيد في حدوث الشِّرك في البشرية، بل هو من أسباب وقوع الشِّرك، بل هو أصلها وأعظمها، وإنما يخص أهل العلم الصالحين في ذلك لقرب الشِّرك بهم من النفوس؛ لأن النفوس تتعلق بهم أكثر من غيرهم، ولهذا خصوا الصالحين، وإلا حتى لو غلا في طالحين، كما يحصل أحيانًا عند بعض عباد القبور والخرافيين، يتعلقون بأشخاص يزعمون فيهم الولاية، وهم أشخاص لا حقيقة لهم، يعني مثلا لما تسأل بعضهم عن السيد البدوى لا يُعرف أصلاً، لا بصلاح، ولا تعرف له ترجمة، ما ذكر في سيرته أنه جاء مرة يوم الجمعة، فدخل المسجد فبال في زاوية المسجد وخرج، فتجد الغلو في أناس طالحين. بل ربما تجد أحيانًا عند بعض الخرافيين من الصوفية يغلون في أشخاص لا يصلي، ولا يصوم، ولم يحج، ويفعل المنكرات، يشرب الخمور في رمضان، ويقول: هذا ولي، كيف يكون وليًّا وهو يفعل هذه الكبائر؟!
ـ الغلو هنا ليس خاص بالصالحين، بل حتى لو كان طالحًا فإنه يدخل في الغلو، وإنما أهل العلم يذكرون الصالحين؛ لأن النفوس تتعلق بهم. ولأن الشيطان يظهر الغلو في الصالحين في قالب المحبة والتعظيم للصالحين، ولهذا إذا أنكرت على من غلا في الصالحين وغلا في الأنبياء، وغلا في النبي -صلى الله عليه وسلم-، احتج و
قال: أنت لا تحب النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا من تلبيس إبليس، تزيين الشيطان، إذا أنكرت عليه، لماذا تحلف بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؟ لماذا تحتفل بمولده وتفعل المنكرات؟ ولما تنظر في حال هذا الذي غلا في النبي -صلى الله عليه وسلم- تجده من أبعد النبي عن هديه وسنته، بل أكثر الناس تقصيرًا في الأوامر وارتكابًا للنواهي. فإذا ما أنكرت على من غلا في الأنبياء والصالحين اتهمك بأنك لا تحب الصالحين لأنه يدعى ان هذا الغلو من باب المحبة والتعظيم والتقدير والإجلال للأنبياء، وهذا كله من تزيين الشيطان، وتلبيسه وشرَكه، فأوقع هؤلاء المساكين في الشِّرك بدعوى حب الصالحين، وهذا كله من كيد الشيطان لهؤلاء، والشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا، إنما سلطانه على الذين يتولونه، فيظهر لهم هذا الشِّرك والغلو في الصالحين أنه من باب المحبة والتعظيم والتقدير والإجلال، وكل ذلك من شَرَكِ الشيطان الذي يوقع فيه من يوقع من أهل الشِّرك.
ـ الغلو في الصالحين له مفاسد عظيمه ، ولهذا إبرازها يجعل الناس يقفون عند الحد الشرعي، فلا يتجاوزون ذلك في الغلو في الصالحين.
 مفاسد الغلو في الصالحين:
1ـ تنزيل للمغلو فيه فوق المنزلة التي أنزله الله إياها، هذا إن كان في باب المدح، وتحته إن كان قدحًا، فنقول: أن من غلا فيهم فقد رفعه فوق المنزلة، وإن كان في جانب القدح، فإنه قد أنزله عن المنزلة اللائقة به.
2ـ أن الغلو في الصالحين يؤدي إلى عبادة هذا المغلو في المغلو فيه ولابد، قد يبدأ الآن من باب التعظيم والتمسح، ثم من باب البركة في ذاته، ثم من باب طلب الدعاء، ثم من باب طلب الشفاعة، ثم من باب أن له مكانة عند الله، وهكذا يتدرج به الشيطان درجة درجة حتى يوقعه في الهاوية، فنقول الغلو فيهم سواءً في باب الاعتقاد، أو في باب الأقوال والألفاظ، حتى لو من باب الألفاظ ، تمدحه، حتى لو كان من باب الشعر، ولهذا تجد من علماءنا الربانيين، إذا أتى الشعراء لمدحهم، مجرد ما يسمع الأبيات الأولى يوقفه تمامًا؛ لأن هذا غلو، حتى لو كان في الشعر. ولهذا تلاحظ أحيانًا من الشعراء من يبالغ في الغلو في مدح العلماء، بل ربما أحيانًا الرؤساء والأمراء حتى يتعدى الحد أنهم يقولون للأموات ، يبعثون الأموات، ويعلمون الغيب إلى غير ذلك، وإذا أرادوا الشيء فإنما يقول له كن فيكون، وقد قال بعضهم، فهذا يعد غلو... فالمدح والتزلف أدى به إلى أن يصف هذا المخلوق بصفات الخالق، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، والآخر يقول: وأنت تبعث من في القبور، إلى غير ذلك، ثم انظروا في البردة للبوصيري، فيها غلو "ومن جودك الدنيا وضرتها، ومن علمك علم اللوح والقلم" إذن ماذا بقي لرب العالمين؟
ـ والصوفية في الاحتفالات ينشدون: "عبد القادر يا جيلاني، يا مصرِّف الأكوان" نعوذ بالله، إذا كان عبد القادر هو الذي يصرِّف الكون فماذا بقي لرب العالمين؟ فانظروا الغلو في الصالحين كيف يؤدي بهؤلاء المغرورين إلى هذا الشِّرك، الغلو فيهم يؤدي إلى عبادتهم كما هو الواقع.
3ـ  أنه يصد عن تعظيم الله -تبارك وتعالى-؛ لأن النفوس إما أن تشتغل بالباطل، أو تشتغل بالحق، فإذا اشتغلت بالباطل صدها عن الحق، كما أن الإنسان إذا اشتغل بالبدعة صده ذلك عن السنة، وإذا عُني بالسنن كان أبعد الناس عن البدع، فلابد من ذلك.
4ـ أن المغلو فيه إن كان موجودًا ربما يزهو بنفسه ويتعاظم ويُعجب بنفسه، وهذه مفسدة تفسد المغلو فيه، إن كان مدحًا، وإن كان ذمًّا أيضًا قد توقر الصدور، وتؤدي إلى البغضاء والشحناء كمن يسقط مكانة العلماء، ومكانة الصالحين إلى غير ذلك، يتهم النيات، يتهم المقاصد، يطعن في مقاصد أهل الخير والصلاح، ويلمز المتطوعين من المؤمنين، هذا تنقص  يؤدي إلى البغضاء والشحناء، ويؤدي ربما إلى تفرق الأمة، فهذا غلو في الذم، واتهام للنيات، واتهام للمقاصد، فهو في جانب آخر هذا هو الجفاء، فلا هذا ولا ذاك، ودين الله وسط بين الغالي والجافي.
الشواهد الدالة على النهى عن الغلو في الصالحين
(1)ــ يقول الله -تبارك وتعالى- في النهي عن الغلو في الصالحين:في سورة النساء ﴿ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الخطاب هنا لأهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهذا وإن كان الخطاب موجه لأهل الكتاب إلا أنه عام ﴿ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ وهل غلا أهل الكتاب في دينهم؟ نعم، غلا اليهود في أنبيائهم، فجعلوا عزيرًا ابن الله، وغلا النصارى في أنبيائهم، فجعلوا المسيح هو الله...﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾  هذه هي المنزلة اللائقة به، إذن هو رسول﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾، وهذه من عقائد النصارى أنهم يزعمون أن عيسى ثالث ثلاثة، ومنهم من يزعم أنه ابن الله، ومنهم من يزعم أنه هو الله، وعلى هذا افترقت فرق النصارى، حتى في حقيقة عيسى وفي الرب -تبارك وتعالى- ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 171].
ـ وفي سورة المائدة: ﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، هذا النهي وإن كان موجه لأهل الكتاب إلا أنه للأمة عمومًا.﴿قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77] ففي هاتين الآيتين وإن كان الخطاب موجه لأهل الكتاب إلا أنه عام يتناول جميع الأمم، ففيهما التحذير من أن يفعل المسلمون كما فعل أهل الكتاب قبلهم من الغلو في أنبيائهم، وهكذا نقول لمن غلا في النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تغلوا في النبي -صلى الله عليه وسلم- كما غلا اليهود في أنبيائهم، وكما غلا النصارى في أنبيائهم، وقد حذر النبي-عليه الصلاة والسلام- من ذلك في أحاديث كثيرة.ففي هذه الآية أن الله حذر من التشبه بهم، وهذا كثير، كما قال -تبارك وتعالى- في سورة الحديد: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ولَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ هنا نهي عن التشبه بهم، في قساوة القلوب، وكذا التشبه بهم في الغلو في الأنبياء.﴿ولَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].
ـ فبناءً على ذلك : كل من دعا نبيًّا، كل من غلا في الأنبياء والأولياء والصالحين، فإنه قد شابه اليهود والنصارى في غلوهم بأنبيائهم وصالحيهم. ولهذا بنوا على قبور أنبيائهم المساجد، وغلوا في صالحيهم، فهذا فيه تحذير، فكل من غلا في الأنبياء وغلا في الصالحين فقد شابه اليهود والنصارى وتجاوز الحد الذي حده الله، وارتكب النهي الذي نهى الله -عز وجل- عنه، والشاهد قوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾.
 وجه الاستدلال في الآية ... النهي عن جميع الغلو في الدين، بجميع صوره وأشكاله، سواءً في باب العقائد أو في باب العبادات، أو في باب المعاملات، فيدخل في ذلك الغلو في الصالحين، وقد غلا أهل الكتاب في أنبيائهم وصالحيهم، من ذلك أنهم أعطوا الأنبياء والصالحين شيئًا من خصائص الألوهية، فصرفوا لهم العبادة، بل منهم من غلا فتجاوز خصائص الألوهية إلى خصائص الربوبية، وأنهم يخلقون ويعلمون الغيب. فكل هذا تحذير للأمة، وللأسف وقعت الأمة في من ينتسبون للإسلام، كما وقع في الأمم قبلنا، فنجد من غلاة الصوفية، نجد من الرافضة من يغلوا في أوليائهم، ويغلون في أئمتهم، ويصرفون لهم شيئًا من خصائص العبودية، ويصرفون لهم شيئًا من خصائص الربوبية، ففعلوا كما فعل أهل الكتاب قبلهم.
(2)ـ جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قول الله -تعالى- في سورة نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولَا تَذَرُنَّ وَدًّا ولَا سُوَاعًا ولَا يَغُوثَ وَيعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: 23، 24]، قال ابن عباس وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن "هذه أسماء رجال صالحين" يعني ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح -عليه السلام-، "فلما هلكوا" أي: ماتوا، قال: "أوحى الشيطان إلى قومهم" وهذا من وحي الشيطان، أي من وسوسته، ووسوسة الشيطان تسمى وحي ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112] "أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا" يعني ضعوا تماثيل "وأصنامًا، وسموها بأسمائهم" فهذا ود، وهذا سواع، وهذا يغوث، وهذا يعوق، وهذا نسرا، لا يعتقدون أن هذا الحجر هو ود، بل هو رمز ، "ففعلوا"، الذين فعلوا في أول الأمر يريدون الخير، وهكذا البدع تبدأ شبر، وتنتهي بميل، فهي تبدأ من هذا الجانب، "ففعلوا ولم تعبد"، الجيل الأول ما عبدوه، إنما هذا من باب إحياء الذكرى، ومن باب رد الجميل..قال: "حتى إذا هلك أولئك" فالشيطان له خطط بعيدة المدى، لا ينظر إلى هذا الجيل، بل ينظر إلى الأجيال، وهكذا تجد شياطين الإنس ممن يخططون لإفساد المسلمين، هم لا يخططون لهذا الجيل، وإنما يخططون للأجيال القادمة، ولهذا يحاولون إفساد التعليم، إفساد الإعلام، إفساد المرأة، لا لأجل هذا الجيل؛ لأن هذا الجيل ناضج مدرك، وإنما للأجيال القادمة...قال: "حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبِدت".
يقول ابن القيم معلقًا على هذا الأثر: "وقال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم" إذن عكوف، ثم صور، "ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم"، فهذا من أسباب حدوث الشِّرك في البشرية.
ـ فهذا الأثر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- له حكم الرفع لأنه حكم غيبي، لا يمكن أن يقوله ابن عباس اجتهادًا منه، ولهذا أهل العلم يقولون: مثل هذه الأمور لها حكم الرفع، أي مرفوعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم.فالأثر ظاهر الدلالة في أن الغلو في الصالحين سبب حدوث الشِّرك في البشرية.
    كانت البشرية بين آدم ونوح على التَّوحيد، عشرة قرون، حتى حدث الشِّرك في البشرية بسبب الغلو في الصالحين، والعكوف على القبور...فالشيطان كاد للبشرية في أول أمرهم، أظهر لهم هذا الشِّرك في صور حب الصالحين، وهنا يزين لكل جيل الشِّرك والغلو في الصالحين في قالب المحبة، والتعظيم للصالحين، فانطوت عليهم هذه الحيلة، وقصده الأجيال القادمة، فأوحى الشيطان  يعني وسوس، فهذا من وحيه، ومجالسهم يعني التي كانت يجلسون فيها، مكان التعليم، ومكان الذكر، فقال: انصبوا في هذه الأماكن، ولهذا المبالغة أحيانًا في ما يتعلق بالآثار يؤدي إلى الشِّرك وخاصة في ما يتعلق بآثار الأنبياء، وقبور الأنبياء، ولهذا لو تأملت في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرة الصحابة، يجد أن الصحابة سدوا كل هذه الذرائع، عمر -رضي الله عنه- لما رأى الناس يذهبون إلى الشجرة التي تمت تحتها بيعة الرضوان، ويصلون عندها، ويمكثون عندها طلبًا للبركة، قطعها في الليل، فلا يُعرف أين مكان هذه الشجرة....فالصحابة كان لديهم هذا البُعد، وكذلك لديهم أخذ العبرة من أول الشِّرك، عمر -رضي الله عنه- الذي ما سلك فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غيره، وهذا ليس خاص بشياطين الجن، بل حتى شياطين الإنس، شياطين الإنس إذا سمعوا اسم عمر أصابتهم رعدة، وخاصة عند الرافضة، فإذا سمعوا عمر تقشعر جلودهم؛ لأن الله -عز وجل- جعل له هيبة، تهابه شياطين الإنس، وتهابه شياطين الجن، فيصابون بالذعر، إذا سمعوا اسم عمر.
ـ فالشيطان كاد لهم بالتماثيل، ثم كاد لهم بالصور، ثم الكعوف، ثم تدرج بهم الأمر إلى أن عبدوهم من دون الله.هذا التدرج من حيل الشيطان، أولاً جاء بحيلة التعظيم، والتقدير، والإجلال لهؤلاء الصالحين، وعليه فنقول: تعظيم الأموات تعظيمًا مبتدعًا يؤدي إلى الشِّرك ولو بعد حين، وإن كان قصد الذكرى ونحو ذلك.
ـ أيضًا تبركوا بهم، فآل الأمر من التَّبرُّك إلى العبادة، أوحى إليهم أن البناء على القبور والوقوف عندها من محبة الصالحين وتعظيمهم، يعني الصور قال الصور تتلف، تماثيل ربما تعتريها مع مرور الزمن تلف، ضعوا القباب، ثم ضعوا المساجد لأجل حصول البركة، لأن الصلاة هنا فيها خير، فيها بركة، والصدقة، ولذا تجد أحيانًا من الناس من يتقصد المقابر للصدقات، وهذا بدعة، تجده يتقصد الصدقة في المقبرة بزعمه أنها أدعى للقبول، ولهذا كل ذلك من وسائل الشِّرك؛ لأنه لم يدل دليل على خصوصية المقبرة في قبول العمل الصالح.
ـ ثم أوحى إليهم أن الدعاء عند قبورهم مستجاب والصلاة، هذا كله من حيل الشيطان، وحبائل الشيطان، وتلبيسه لهؤلاء الجهال. بل أرجى من الدعاء حتى في المسجد الحرام، وتجد أحيانًا من بعض الخرافيين يترك الصلاة في المسجد النبوي، ويذهب يتباكى ويتمسح عند القبور، يترك الصلاة في المسجد الحرام، ويذهب يصعد الجبال، ويتمسح بالأحجار، فهذا كله من الجهل، وتلبيس الشيطان لمثل هؤلاء الجهال، فصرفهم عن السنة إلى البدع وذرائع الشِّرك...فلما تقرر عندهم ذلك وهو التعلق بالقبور، البناء على القبور، الصور، التماثيل، طلب البركة، الدعاء فقط عند القبور، ذبح القرابين لله عند القبور، الآن كلها وسائل، لما تقرر ذلك نقلهم إلى المرحلة الأخرى، وهي من الدعاء إلى الحلف والإقسام على الله بهم، يحلف بالله، يقسم بالله بمكانة الصالحين، بجاه الصالحين، يسأل الله بجاه الصالحين إلى غير ذلك.ثم لما تقرر ذلك عندهم نقلهم من مجرد الدعاء والعبادة وسؤال الشفاعة، إلى السفر إلى قبورهم لهذا الغرض، ثم الطواف، ثم الاستلام والتقبيل، ثم الحج، ثم ذبح القرابين لهم، إلى غير ذلك من صور الشِّرك.فلما قرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعوة الناس إلى عبادتهم، يعنوا ما اكتفى هو أن يقع في الشِّرك، تجد من هؤلاء الشياطين من يدعو غيره، ويشجع غيره، ويرد على دعاة التَّوحيد، ويهيئ الوصول لأجل ذبح القرابين إليها، ثم جعلها منسكًا وعيدًا، بل عند الرافضة أن الحج إلى بعض المشاهد عندهم أفضل من سبعين حجة إلى بيت الله الحرام، يعني فعلوا من الشِّرك ما لم يفعله أهل الجاهلية...هذا كله من استدراج الشيطان وكيد الشيطان لهؤلاء الجهال عياذًا بالله، وهذا للأسف واقع عند عباد القبور، وعند الرافضة، ولا حول ولا قوة إلا بالله من وقوع الشِّرك في أمة الإسلام.
يؤخذ من هذا الأثر
1ـ أن من أراد تقوية دينه ببدعة فضرر ذلك عليه أكثر من نفعه، من أراد أن يقوي إيمانه بالبدع، بدع أذكار، بدع موالد، إلى غير ذلك، فضرره على دينه وإيمانه وتوحيده أكثر من نفعه، لو أراد أن يحتفل بالمولد النبوي لأجل تحبيب الناس في النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولأجل تقوية اهتداء الناس بهديه، فضرر ذلك أكثر من نفعه، وهكذا لو ابتدع البدع والأوراد البدعية والاستغاثات البدعية لأجل تقوية الإيمان كما يحصل أحيانًا عند بعض دعاة الصوفية، يعظهم بالخرافات والمنامات، والأساطير والحكايات؛ لأجل أن يقوي إيمانهم، فضرر ذلك أكثر من نفعه، والإنسان يقوي إيمانه بالكتاب وصحيح السنة، لا بالمنامات والكذب على الله، لاشك أن الإنسان إذا افترى منامًا فهو كذب على الله، فيكون قد افترى على الله -عز وجل-، فالضرر هذه الوسيلة التي ظنها أنها تقوي إيمان الناس وأنها ترد الناس إلى دين الله، ضررها أكثر من نفعها.
2ـ الحذر الشديد من البدع، وأنها من مصائد الشيطان، ومكائد الشيطان للأخيار والصالحين؛ لأن الشيطان قد يدخل عليهم ذلك من باب حب الخير والصلاح، كما كاد لقوم نوح الأوائل، وضع لهم هذه المكيدة فانطوت عليهم، انطوت عليهم من باب إجلال الصالحين، وتعظيم الصالحين، فأدى بهم الأمر إلى التدرج حتى عُبدت من دون الله.
في هذا الأثر من الفوائد
1ـ أن من مكائد الشيطان مزج الحق بالباطل وهو أن يصوروا لهؤلاء الصالحين تماثيل بزعمه أنها تؤدي إلى محبتهم،  فأوقعهم في الشِّرك، فجاء لهم بالحق، وهو محبة الصالحين، إجلال الصالحين، ثم مزج هذا الحق بالباطل لأجل التلبيس، كما لاحظوا من الكهنة والسحرة، لما يسترق المسترق السمع الكلمة حق أو لا؟ فيكذب عليها مائة كذبة، فيمزج الحق بالباطل لأجل التلبيس، فنقول: من مكائد الشيطان، ومن تلبيسه: مزج الحق بالباطل بطريقين: أولاً: محبة الصالحين، ولهذا صور لهم هذه التماثيل من أجل محبة الصالحين، ثم فعل أناس من أهل العلم، ولهذا تجد من الناس أحيانًا من يحتج ببعض عبَّاد الصوفية الأوائل، يحتج بأن هذا فعل لبعض الصالحين، ويكون هذا الفعل من الصالحين اجتهاد خاطئ، يكون هذا الفعل غير صحيح، فيلبث عليه بهذا، كما قال: فعله صالحوكم الأوائل، وإنما قصدوا كذا وكذا، وهم لم يقصدوا الشِّرك في أول الأمر، فيلبث عليهم الشيطان بمثل هذه المكائد.
2ـ معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل، ولو كان قصد الفاعل حسن، فإن المقاصد وحدها لا تكفي، لابد أن تكون الوسيلة مشروعة، فإذا كانت غير مشروعة، فإن النية وحدها لا تكفي...ثم إن الشيطان لم ينظر إلى حسن المقصد وحده، بل نظر إلى النتائج، وما تؤول إليه البدعة وهو الكفر، ولو حسن قصد الفاعل، ولو كان جاهلاً، فإنه حينئذ لا يُعذر بهذا.
3ـ في قول ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ونسي العلم" فيه التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ولهذا إذا اندثر العلم في الأمة، فرط العلماء، فرطوا طلاب العلم، فإنما ذلك سبب في اندثار العلم، وفشو الجهل، ففيه بيان معرفة قدر العلم وأهمية وجود العلم، وضرر فقد العلم، وإنما يُفقد العلم بموت العلماء، وفقد العلماء فيفتقد العلماء رؤساءً جهالاً فيفتون بغير علم. ففيه أهمية العلم وخاصة في ما يتعلق بالتَّوحيد، وبفقده يحصل الشِّرك والجهل.
وجه الاستدلال بهذا الأثر: فيه دليل على أن الغلو في الصالحين سبب حدوث الشِّرك في البشرية، وسبب عبادتهم لغير الله -تبارك وتعالى.
(3)ـ الحديث الثاني: عن عمر -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله» أخرجاه، أي في الصحيحين، وهذا من كمال نصحه -عليه الصلاة والسلام-، ومحبته لأمته، ورأفته، ورحمته، فنهاهم عن الغلو فيه -عليه الصلاة والسلام.
الإطراء.... هو مجاوزة الحد في مدحه -عليه الصلاة والسلام-، والكذب عليه، ولو زعم أنه يكذب لمصلحة الدعوة، من الناس من يكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقول: أنا ما أكذب عليك، أنا أكذب لصاحب الدعوة، هو كذب على الله، وكذب على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فالمعنى أنه لا تمدحوني كما مدحت النصارى المسيح ابن مريم فرفعته عن مقام النبوة إلى مقام الألوهية والربوبية، والنهي الأصل فيه التحريم، فالإطراء في النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الغلو في مدح، يؤدي إلى عبادته من دون الله -عز وجل-، ويدخل في هذا بمن يستغيثون به -عليه الصلاة والسلام-، في من يحلفون به، في من يطوفون بحجرته، ويزعمون أنه يعلم الغيب، ويسألونه المغفرة، ويفرج الكروب، ويهدي القلوب، وقد قال الله في شأنه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]، وقال الله فيه: ﴿لَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188] ويوم القيامة يُقال له: «إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك»، فكيف يُرفع عن مقام النبوة إلى مقام الألوهية والربوبية؟
ـ في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «كما أطرت النصارى ابن مريم» أي هذا من باب التشبيه، يعني لا تطروني وتغلون في مدحي، كما غلت النصارى في ابن مريم، وهو عيسى -عليه السلام-، هذا فيه تحذير، ثم قال: «إنما أنا عبد الله ورسوله»، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذَّب، وقد وصفه الله بالعبودية في أعلى مقامات التشريف، في الإسراء والمعراج، قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1] وفي باب التنزيل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: 1]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: 10]، إلى غير ذلك من الأدلة، فيصفه الله بالعبودية في أعلى مقامات التشريف، إذن هو عبد لا يُعبد من دون الله، لا يُرفع عن مقام العبودية إلى مقام الربوبية والألوهية، وهو رسول لا يُعامل كما يُعامل سائر البشر، بل يُعامل على أنه يوحى إليه، ويُهتدى بهديه، ولا ينطق عن الهوى، فلا غلو ولا جفاء، فعبد رد على الغلاة، ورسوله رد على الجفاة، فهو عبد الله ورسوله.
وجه الاستدلال بالحديث ... أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الغلو في حقه، بإعطائه شيئًا من خصائص الربوبية، أو شيئًا من خصائص الألوهية، وهذا يدل على تحريم الغلو فيه -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه يفضي إلى الشِّرك كما أفضى بالنصارى في حق عيسى -عليه السلام.
ـ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إياكم والغلو» هذا فيه تحذير، ولاحظوا هذا عام، «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي، وأخرجه النسائي وابن ماجة بسند صحيح....الحديث له سبب، وهو ورد في الحج، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال، قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداة العقبة، أي يوم العيد الذي تُرمى فيه جمرة العقبة الكبرى، وهو على راحلته. «القط لي» قال: فلقطت حصيات من حصى الخذف، يعني مثل الحصى التي يُخذف بها، بحجم حبة الحمص، قال: فلما وضعهن في يده، قال: «بمثل هؤلاء أي فارموا، وإياكم والغلو في الدين»، يعني كونك تتجاوز هذا الحجم بحجم أعلى يكون هذا غلو في الدين، فإذا كان هذا في رمي الجمار، ترمي بحجر أكبر من حصى الخزف، فما ظنك بالغلو في الاعتقاد، الغلو في الأقوال، الغلو في العبادات والمعاملات؟ فقال: «فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو في الدين»، والحديث وإن كان له سبب، لكن إلا أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
فيستفاد منه: تحريم الغلو من وجهين:ـ
الأول: تحذيره -عليه الصلاة والسلام-، التحذير فيه زيادة نهي، وتأكيد نهي.
الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم قبلنا، فتأمل هذا الحديث، وإن كان جاء في مناسبة في رمي الجمار، إلا أن العبرة بما هو أعظم من مجرد رمي الجمار بحصى أكبر من حصى الخزف، ففيه التحذير الشديد من الغلو، ومن الغلو الغلو في الصالحين، فهو أخطر أنواع الغلو، وإن كان الغلو يكون في العبادات، يكون في المعاملات، كذلك يكون في الاعتقادات.
ـ الغلو يدخل في باب العبادات، ويدخل في باب المعاملات، ويدخل في باب العقائد، وهو أخطرها، في مجال التَّوحيد، فوجه الاستدلال: النهي عن الغلو مطلقًا؛ لأن الحديث عام، ويدخل فيه بل هو أولى الغلو في الصالحين.
(4)ـ لمسلم عن ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا، والمتنطعون: المتشددون في غير موضع المتشدد، فكل من شدد على نفسه، أو على غيره في أمر قد وسع الله فيه، فإنه يدخل فيه هذا الوعيد الشديد، ومن ذلك التشديد في الأذكار بالزيادة فيها، التشدد في الغلو في الصالحين، فإنه يدخل في هذا الوعيد الشديد، في وصفه بالهلاك، كما جاء في الحديث الذي قبله.
حاصل هذه الأحاديث الثلاثة ... حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث ابن مسعود، كلها تدل على تحريم الغلو، وأنه سبب الهلاك، فالتنطع والإطراء والغلو كلها ألفاظ متقاربة، تدل على تجاوز الحد الذي حده الشرع للمسلم...وقد حذر -عليه الصلاة والسلام- من كل الوسائل المفضية للشرك، وسد جميع الذرائع الموصلة للشرك، فمن ذلك نهيه عن التشبه بالمشركين، بل إنه -عليه الصلاة والسلام- أكد وأعاد وكرر حتى وهو في لحظات وداع هذه الأمة، وهو على فراش الموت، كان يحذر من الغلو فيه، والغلو في قبره، والغلو في الصالحين، بل إنه -عليه الصلاة والسلام- نهى عن عبادة الله -عز وجل- عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبد صاحب القبر واستغاث به، ونهى أن يُذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله، فكيف إذا ذبح لغير الله؟
بيَّن -عليه الصلاة والسلام- أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تُعبد من دون الله، والشواهد كثيرة، فأذكرها على سبيل الاستعراض السريع:
(1)ـ روى مالك في الموطأ، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «اللَّهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»، يُعبد بالغلو فيه، بالطواف، إلى غير ذلك...قال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، إما بالصلاة عليها، أو بناء القباب عليها، فهذا فيه وعيد شديد في الغلو في الصالحين.
(2)ـ لأحمد بسند جيد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» وللأسف هذا واقع في الأمة، إما أن يُدفن الأموات داخل المسجد، أو في ساحات المسجد، أو تُبنى المساجد على القبور، فكل هذا واقع في النهي الشديد، فمن فعل ذلك، فإنه من شرار الناس.
(3)ـ في الصحيحين عن عائشة أن أم سلمة ذكرت للنبي -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتها بأرض الحبشة -لأنها كانت من مهاجرة الحبشة- وما فيها من الصور، فقال: «أولئكِ إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله» فمن فعل ذلك فإنه من شرار الخلق.
(4)ـ عن عائشة قالت: لما نُزل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يعني نزل به الموت، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشِيَ أن يتخذ مسجدًا، أخرجاه في الصحيحين، وهو في النزع الأخير، يحذر من الغلو في القبور، والغلو في قبره -عليه الصلاة والسلام.
(5)ـ لمسلم عن جندب، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس، أي بخمس ليالي، فيدل على التأكيد الشديد، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله» وهكذا نقول لكل من غلا في النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكل من حلف به، لكل من احتفل بمولده، إن النبي -صلى الله عليه وسلم- بريء من أفعالك، ها هو يقول، كما جاء في صحيح مسلم: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل إن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً»، وقال: «لو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم، كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك»، فهكذا نقول لكل مسلم على وجه الأرض، هذا نبيك -عليه الصلاة والسلام- ينهى هذا النهي الشديد عن اتخاذ القبور مساجد، إما بدفن الأموات فيها في المساجد، أو بناء المساجد على القبور.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق