الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره السادسه )

العقيدة
تلخيص الدرس السادس
د. سهل العتيبي
إن من حقق التَّوحيد تحقيقًا تامًا كاملاً، كان ثوابه دخول الجنة بلا حساب، ولا عذاب. فلا يُحاسب، ولا يُعذب لا في القبر، ولا في المحشر، ولا في النار، ولهذا لا يُسأل في القبر، ولا يُحاسب في المحشر، ولا يُعذب في القبر، ولا يُعذب في المحشر، ولا يُعذب في النار، ولاشك أن هذا  فضل عظيم، ويدفع الموحد إلى أن يسعى إلى تحقيق التَّوحيد؛ لينال هذا الفضل العظيم.
الوحدة الثانية في المقرر
حقيقة الدعوة إلى التَّوحيد، وعناية الأنبياء والمرسلين، وعناية نبينا -صلى الله عليه وسلم- والتابعين له، وصحابته، ومن تبعهم بإحسان بالدعوة إلى التَّوحيد
الهدف العام من هذه الوحدة
أولاً: معرفة أهمية الدعوة إلى الله، ومعرفة فضل الدعوة إلى الله، ومكانة الدعوة إلى الله -عز وجل.
ثانيًا: التعرف على طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله، التي هي دعوة إلى التَّوحيد، ودعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، لأجل الاقتداء والتأسي به -صلى الله عليه وسلم- في هذا الأمر العظيم.
ثالثًا: استنباط الأساليب، والأخلاق، والطرائق، والوسائل التي كان يستخدمها -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة، والتي ينبغي على الدعاة إلى الله أن يتحلوا بها، تأسيًا بنبيهم وحبيبهم -صلى الله عليه وسلم-. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم شفاعته يوم القيامة.
ما صلة هذه الوحدة المتعلقة بالدعوة إلى التَّوحيد، والعناية به، بالوحدة الأولى التي تتحدث  عن مفهوم التَّوحيد، وحقيقة التَّوحيد، وأنواع التَّوحيد، وفضل التَّوحيد؟
الجواب: لما كان التَّوحيد من الأهمية بمكان  وكان من الفضل بمكان كان من المهم لمن وفقه الله -عز وجل- ومنَّ عليه، وهداه إلى التَّوحيد الخالص، وتحقيقه، كان من المهم أن يسعى للدعوة إليه، اقتداءً بخير الدعاة إلى الله، وسيد الدعاة إلى الله محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، ومن بعدهم، بل اقتداءً بالأنبياء والمرسلين، بعنايتهم بالدعوة إلى التَّوحيد. ويدل أيضًا على أهمية ذلك أن الله -عز وجل- وصف في كتابه، في سورة العصر، التي كان الرجلان من الصحابة إذا التقيا لا يفترقان، حتى يقرأ أحدهما على صاحبه هذه السورة، والتي قال فيها الإمام الشافعي: "لو ما أنزل الله على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" في هذه السورة يقسم الرب -تبارك وتعالى- بالعصر، الذي هو آخر الزمان، أو الذي هو عمر الإنسان والحياة، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1، 2] أي جنس الإنسان في خسارة، إما خسارة مطلقة من جميع الوجوه، فيخسر الدنيا والآخرة عياذًا بالله، أو خسارة من وجه، فقد يخسر المؤمن من الدنيا بقدر تفريطه في طاعة الله، هل ممكن المسلم أن تناله الخسارة؟
أعاذنا الله وإياكم من الخسارة. في آخر سورة المنافقون، يقول -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ النداء  للمؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والذكر هنا عام، يشمل أذكار الصباح والمساء، وأذكار الصلوات، ويشمل الصلوات ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يعني من ألهته أمواله وأولاده عن ذكر فالنتيجة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9] خسر من هذا الوجه، فهذه خسارة من وجه دون وجه، ولهذا الله -عز وجل- يقول هنا في سورة العصر ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا﴾ [العصر: 1- 3] هؤلاء الرابحون من حققوا هذه الصفات الأربع: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، حققوا الإيمان، ثم أضافوا إلى ذلك ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
ولا يكون العمل صالحًا إلا بشرطين: الإخلاص، والاتباع.
ثم ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، هذه الصفات الأربع، في الوصفين الأولين يكمل العبد نفسه، فيكون صالحًا، يعني أنه حقق التَّوحيد في نفسه، حقق الإيمان، ثم ينبغي عليه أن يسعى إلى إصلاح غيره، ولهذا فرق بين الصالح والمصلح.
الفرق بين الصالح والمصلح :أن الصالح صلاحه ينفعه في نفسه خاصة، أما المصلح فقد نفع نفسه ونفع غيره.
فهي مرتبة أعلى، يعني أنه دعا إلى الله، أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، دعا إلى التَّوحيد، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]، ولم يقل: وأهلها صالحون، فلو كانوا صالحين في أنفسهم، ولكنهم لا يأمرون، ولا ينهون، ولا ينكرون المنكر، تنالهم العقوبة ،تنالهم حتى يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، وهنا تأتي فائدة الدعوة إلى التَّوحيد، فينبغي للموحد الذي عرف التَّوحيد، وحقق التَّوحيد، وفضل التَّوحيد ألا يقتصر على نفسه، بل يدعو غيره إلى التَّوحيد، ينبغي لمن عرف التَّوحيد وحققه، لئلا يقتصر على نفسه، بل لابد من المعرفة والعمل أن يدعو إليه، وهذا الحقيقة من تمام تعظيم الله، ولهذا تجد المؤمن قوي الإيمان، إذا شاهد حدود الله تنتهك يغادر، فيجد في قلبه حرقة، لكن ضعيف الإيمان، هل يغار إذا انتهكت حرمات الله... لا يبالي.
ولهذا في حديث حذيفة الطويل، في عرض الفتن على القلوب، قال -عليه الصلاة والسلام-: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصبح القلوب على قلبين: أبيض كالصفاء لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًّا» يعني كالكأس تقلبه يتعفن، هكذا القلب المفتون.
علامات هذا القلب  المفتون أعاذنا الله وإياكم منه... قال -عليه الصلاة والسلام-: «كالكوز مجخيًّا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب فيه من هواه»، يعني لا يبالي، يرى المنكرات ولا يبالي، بل أحيانًا قد يحب أن تشيع الفواحش، يرى الأخطاء وهو يعرفها، لكن لا يبالي، فهذا يكون مريض القلب، ولهذا تأملوا في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] ما قال لأنفسكم، خير الناس للناس،ولكن  كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، قدم وصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن وصف الإيمان, لأنه دليل على الإيمان وصحة الإيمان، وفي الواقع المشاهد، الإنسان قوي الإيمان الذي يغار على حدود الله يحترق قلبه إذا رأى حرمات الله تنتهك، وهذا من كمال التَّوحيد، فتجد أن من تمام التَّوحيد أنه ينبغي للموحد أن يدعو إلى التَّوحيد الذي عرف فضله ومكانته، وهذا أيضًا من تعظيم الله، ومن إجلال الله أنك تدعو إلى التَّوحيد، وتنهى عن ضده.
بعض الناس يقول: اعمل بالحق واترك الخلق، وهذا غير صحيح يعني بمعنى أنك لا تبالي، هذا ليس صحيحًا، هذا تقصير، كيف والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» إن كان له الصلاحية «فإن لم يستطع فبلسانه» ما استطاع؟ أقل الأحوال بقلبه، ويترك المنكر، بل جاء في حديث أبي هريرة، قال: «وذلك أضعف الإيمان»، دل على أن الإيمان أم لا؟ يضعف، «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، وهذا كله يدل على أهمية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما ذكر الله -عز وجل- في صفات الرابحين، الذين سلموا من الخسارة من جميع الوجوه، آمنوا وعملوا الصالحات، هذا حققوا الصلاح في أنفسهم، ثم تواصوا بالحق، أي دعوا إلى الحق، دعوا إلى الخير، دعوا إلى الهدى، دعوا إلى الكتاب والسنة، والعمل الصالح، وتواصوا بالصبر بجميع أنواعه. فهذا دعوة إلى التَّوحيد، وأعظم أمر يدخل في الحق: الذي يتواصى به التَّوحيد ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في أول كتاب "الأصول الثلاثة": "اعلم رحمك الله" وهذا من شفقة أهل العلم للمسلمين، ولطلاب العلم، يدعون لهم بالرحمة، نسأل الله أن يرحمنا وإياكم، وعموم المسلمين.
"اعلم رحمك الله أنه يجب علينا -أي عموم المسلمين، عموم المكلفين- تعلم أربع مسائل: الأولى: العلم، ثم عرفه بقوله: وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة" وهذا هو تحقيق التَّوحيد.
ثانيًا: عرفت التَّوحيد تعمل به، تحققه في نفسك، ثم المرتبة الثالثة: تدعو إليه بالأساليب والطرائق التي سنذكرها، تتبع سبيل الأنبياء، بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم في أثناء الدعوة ستواجه مصاعب ..ما كتب الله القبول لكل أحد، حتى الأنبياء، -كما في الحديث السابق، فهي تحتاج أن تصبر على ذلك كما ذكر الله -عز وجل- في سورة العصر.
هنا تنبيه مهم: لما نقول: الدعوة إلى التَّوحيد،هل نعني بذلك الدعوة العامة؟ أو نعني بذلك الدعوة التفصيلية في معرفة مفهوم التَّوحيد وخاصة في أوساط المسلمين؟ لما نقول الدعوة إلى التَّوحيد، هل نعني الدعوة العامة الإجمالية؟ قد يقول قائل: المسلمون يعرفون التَّوحيد، يعرفون معنى لا إله إلا الله.
 الجواب أننا لا نعني بذلك الدعوة الإجمالية، وإنما نعني الدعوة التفصيلية، يعرف ماذا تعني لا إله إلا الله، يعرف شروط لا إله إلا الله، يعرف أركان لا إله إلا الله، يعرف لوازم لا إله إلا الله، يحقق لا إله إلا الله في قلبه، يحققها في نفسه، فالمقصود هنا: الدعوة التفصيلية، وليس المقصود الدعوة الإجمالية التي يعرفها عموم المسلمين، بل نعني الدعوة على جهة التفصيل، فيعرف أفراد التَّوحيد، وكذلك التحذير من أفراد الشرك، وصور الشرك التي قد يقع فيها كثير من المسلمين.
أما الإجمال فالكثير يدعو إليه، تجد في كثير من العالم الإسلامي من يدعوا إلى التَّوحيد، لكن عندما تسأله عن التَّوحيد تجد الخلل الكبير، إما يفسره بتوحيد الربوبية فقط، ربما تسأل كثير من المسلمين في هذه العصور المتأخرة عن معنى لا إله إلا الله، فتجد الخلل والقصور في المفهوم، وقد يفسرها بالربوبية، يقول: لا إله إلا الله، لا موجود، لا خالق إلا الله، لو كان هذا هو معناها، لقالها أبو جهل، وأبو لهب، فتجد الخلل والقصور.
إذن الناس يحتاجون إلى تصحيح مفهوم، إلى أن يعرفوا ماذا تعني لا إله إلا الله، ما شروط لا إله إلا الله، كذلك في ما يتعلق ببقية أفراد التَّوحيد، والنهي عن أضداده من أفراد وصور الشرك، التي قد يقع فيها كثير من المسلمين نتيجة الجهل، وعدم التعليم، فلما نقول الدعوة هنا خاصة بين أوساط المسلمين نعني الدعوة التفصيلية في بيان معنى لا إله إلا الله، شروط لا إله إلا الله، لوازمها، في بيان أفراد التَّوحيد، في بيان التحذير من صور الشرك الأكبر والأصغر ووسائله.
الأدلة التي تدل على أهمية الدعوة إلى التَّوحيد:
1ــ يقول الله -تبارك وتعالى- في سورة يوسف لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108] هذه الآية ظاهرة الدلالة في الدعوة إلى التَّوحيد، التَّوحيد فيها ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾..... وفي آخر الآية قال ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وهذا فيه تأكيد تصريح بأن الدعوة إلى الله، وبأن الدعوة إلى التَّوحيد ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لاحظ أن الشرك هنا عام.
﴿قُلْ﴾ الخطاب هنا للنبي -عليه الصلاة والسلام-، والخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- هو خطاب لأمته ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي طريقتي، ومنهجي الذي أسير عليه، فطريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسبيله وسنته أنه يدعو إلى الله على بصيرة...﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أي طريقتي ومنهجي في الدعوة إلى الله، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ كلمة: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ فيها الإشارة إلى شرط الإخلاص في الدعوة، حيث أن الدعاة إلى الله منهم من يدعو إلى الله، ومنهم في الواقع يدعو إلى نفسه، كيف يدعو إلى نفسه، كيف يكون الداعي إلى الله يدعو إلى نفسه؟ يدعو إلى الله لأجل أن يعظَّم بين الناس، فيدعو رياءً، فهو في الواقع لم يدع إلى الله خالصًا، بل هو في واقع الأمر يدعو إلى الله وقد أشرك نفسه مع الله، لأجل أن يعظَّم، لأن يجَّل.
كيف تفرق بينهما؟ كيف تفرق بين من يدعو إلى الله خالصًا؟ وبين من يدعو إلى الله وهو في الواقع يدعو لنفسه؟ من أجل أن يعظَّم ويجَّل بين الناس؟
يفرق بينهما: أن الداعي إلى الله يحب أن يهتدي الناس لدين الله، حتى ولو كان على غير يده، يفرح إذا أسلم الناس واهتدى الناس، وأقبلوا إلى الله، ولو لم يكن عن طريقه، بل أحيانًا قد لا يبرز نفسه، ولا يذكر أنه هو الذي هو فعل هذا، وتأملوا في سير العلماء الربانيين، تجدونهم أنهم لا يبرزون ذلك، بل إذا حدث من الخير أسندوه إلى الله، بفضل الله وتوفيقه.
والذي يدعو إلى نفسه تجد أنه يحب أن يظهر، وأن يبرز، وأن يجل، وأن تذكر محاسنه، بل ربما نسب ذلك لنفسه.
أيضًا من علامة أن يدعو إلى نفسه: تجد أن هذا الذي يدعو إلى نفسه، إذا اهتدى الناس على غير يده، وعن غير طريقه، يحاول أن يقلل من شأن ذلك، وللأسف تجد هذه الآفة عند بعض طلاب العلم والدعاة، إذا اهتدى عن طريق شخص آخر تجد التهوين، والتقليل، وربما البحث عن الأخطاء، فهذا يدل على آفة من آفات الإخلاص.
بل ربما إذا أقبل طلاب العلم على عالم، ولم يقبلوا على الآخر، تجد الذي يحب الخير من العلماء يحمد الله، ويثني عليه، بل رأينا من علمائنا من يكتب خطابات شكر لبعض طلاب العلم، وبعض العلماء إذا فعلوا خيرًا، يثني، ويشجعه، الذي في دعوته نوع من حظوظ النفس، التقليل من الجهود، ولهذا ينبغي للداعي إلى الله أن يحرص على الإخلاص؛ لأن الله -عز وجل- قال في كتابه عن نبيه: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، ويجاهد نفسه، لا يدعو رياءً، لا يدعو لأجل أن يعظم، أو أن يجل، بل يحب أن يهتدي الناس، وأن يسلم الناس، وأن يؤمن الناس، وأن يقبل الناس على الخير، وأن يقبل الطلاب على الخير، وعلى العلم، ولو لم يكن ذلك على يديه، بل لا يبرز نفسه، وإذا قرأتم تراجم العلماء الربانيين، تجدون هذه الصور ظاهرة في إخلاصهم لله.
حديث سعيد بن جبير السابق، فيه إشارة للإخلاص، لما أخبره عن النجم الذي سقط البارحة، حتى لا يتهم بأنه كان يصلي، قال: "أما إني لم أكن ..." هذا يدل على الصدق والإخلاص.
قال: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، والبصيرة: العلم، وكذلك البصيرة بحال المدعو، وهي الحكمة، كما قال -عز وجل-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]، فالبصيرة هنا عامة، تشمل العلم الذي يحتاجه الداعية إلى الله، وكذلك معرفة حال المدعو، فمن شرط الدعوة إلى الله أن تكون على بصيرة، يعني عن علم، بما تدعو إليه، وعن معرفة بحال المدعو، أما الذي يدعو بغير علم، فلاشك أنه ربما أفسد أكثر مما يصلح، وكيف يدعو وهو لا يعلم أصلاً، وفاقد الشيء لا يعطيه، وعليه فمقولة بعض الناس: اذهب وادعو، وافتح فمك، ويرزقك رب العالمين، ليس صحيحًا، فالإنسان لابد أن يدعو على بصيرة، على بينة، وعلى علم، ومعرفة بحال المدعو، كما سيأتي -إن شاء الله- في الحديثين التاليين، في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب» هذه البصيرة فتعرف حال من يدعو إليه.
فهذه من شروط الدعوة إلى الله، وهومنهج الأنبياء وأسلوب من أساليب الأنبياء، الإخلاص والعلم، والبصيرة...قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عود الضمير هنا، قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، هل المعنى أدعو إلى الله على بصيرة ومن اتبعني على بصيرة؟ أو المعنى أدعو إلى الله على بصيرة ومن اتبعني يدعون إلى الله على بصيرة؟ أي المعنيين مراد؟ الجواب: المعنى الثاني.
وبينهما فرق كبير، على المعنى الأول، أن الأتباع لا يدعون، وليس هذا المراد، بل أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- على الحق والحقيقة هم الدعاة إلى الله، أتباع النبي -عليه الصلاة والسلام- على الحق والحقيقة، والكمال والتمام، هم الدعاة إلى الله، ولذلك العلماء هم الأنبياء، ومن لم يهتم بالدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا من قريب، ولا من بعيد، فليس من أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- على الحق والحقيقة، بمعنى: أن اتباعه قاصر وناقص، لأن الله قال عن نبيه: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، يعني كذلك من اتبعني يدعون إلى الله على بصيرة، فإذا كان لا يدعو إلى الله أصلاً، فاتباعه قاصر وناقص، إذا كان يدعو على غير بصيرة، يدعو على جهل، فلا يكون من أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- على الحق والحقيقة لأنه لم يحقق الشرط، وهو الدعوة إلى الله على بصيرة.
من أراد الاقتداء والتأسي بالنبى - صلى الله عليه وسلم-، اتباعه على الحق والحقيقة، وأولئك هم الدعاة إلى الله على بصيرة، في قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، أي: ومن اتبعني يدعون إلى الله على بصيرة.
ثم قال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ المعنى: تنزيه الله، هذا فيه توحيد ...وأنت إذا قلت سبحان الله، فالمعنى أنك تنزه الله عن كل شريك، تنزهه عن كل شريك في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، وعبوديته، تنزهه -عز وجل- عن مماثلة المخلوقين، تنزهه عن كل صفة نقص وعيب، تنزهه عن النقص في صفات الكمال، وهكذا أنت أيها المسلم، إذا قلت في ركوعك وسجودك: "سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم" فتستحضر هذا المعنى العظيم، إذن وأنت في صلاتك، تقول:  "سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم" تستحضر هذا المعنى العظيم، أي: أنزهك يا الله عن كل صفة نقص وعيب، أنزهك عن مشابهة ومماثلة المخلوقين، أنزهك عن النقص في صفات الكمال، أنزهك عن أن يكون لك شريك في ربوبيتك، وألوهيتك، وأسمائك، وصفاتك، وهذا هو التَّوحيد.
إذن: هذه الآية دلت على أن هذه الدعوة إلى الله دعوة إلى التَّوحيد، فتنزه الله عن مشابهة المخلوقين، ولاشك أن الشرك أقبح القبائح، وأظلم الظلم، وأعظم الذنوب، ولهذا نزه الله -عز وجل- نفسه عنه، قال: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- وكذلك أتباعه ليسوا من المشركين في جميع صور الشرك، لا من المشركين في الربوبية، ولا في الألوهية، ولا في الأسماء والصفات، لا من المشركين الشرك الأكبر، ولا الأصغر، فهذا تنزيه للخالق -عز وجل-، عن الشرك بجميع صوره، وأشكاله دقيقه وجليله.
الآية ظاهرة الدلالة في الدعوة إلى التَّوحيد، وفي بيان شروط الدعوة التي ينبغي للداعي إلى الله أن يتحلى بها.
وجه الاستدلال فيها ظاهر، في بيان طريقة النبي -عليه الصلاة والسلام.
يستفاد من الآية:
1ــ أن الدعوة إلى التَّوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، هي طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي طريقة أتباعه، في قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾...وعليه: فأي داعية، وأي طالب علم، لا يهتم بالتَّوحيد،.ولا يعطي التَّوحيد الأولوية والأهمية في دعوته، بل يجعله من آخر الأولويات، فدعوته قاصرة ومصيرها الفشل، أو الخلل، وتأملوا في التاريخ، الدعوات الإصلاحية التي أهملت التَّوحيد، كانت مصيرها الخلل، أو الفشل، أو القصور، أو النقص، والدعوات التي عنيت بالتَّوحيد، كتب الله لها القبول، والنجاح، ونصر الله بها الإسلام والمسلمين.
وهكذا ينبغي لكل طالب علم لكل داعية، لكل دعوة إصلاحية أن تعنى بالتَّوحيد أولاً وقبل كل شيء، كما هو منهج نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وكما هو منهج الأنبياء قبله، وكما قررنا سابقًا: هذا لا يُفهم منه الغفلة عن بقية المنكرات، بل هي تأتي بعد تقرير التَّوحيد، ولا يُقهم منه أيضًا إهمال جميع الفضائل والمحاسن الأخرى، لكنها تأتي بعد العناية بالتَّوحيد، فيُعطى التَّوحيد الأهمية والأولوية.
2ــ أنه يجب على الداعي إلى الله أن يكون عالمًا بما يدعو إليه، وعالمًا بما ينهى عنه؛ لأن هذا هو شرط البصيرة، ولهذا البخاري بوَّب في الصحيح: "باب العلم قبل القول والعمل" أما أن يدعو وهو لا يعرف ما يدعو إليه، فإنه قد يُفسد أكثر مما يُصلح.
3ــ التنبيه على شرط الإخلاص في الدعوة إلى الله، والعمل لا يُقبل، ولا يُثاب صاحبه عليه، إلا إذا كان خالصًا لوجه الله، ولهذا قال -عز وجل-: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، فلا يكون للنفس حظوظ في بذل العلم، وفي الدعوة إلى الله، إذا دخلت حظوظ النفس أفسدت العمل، ودخل فيه الشرك، والرياء، والسمعة، والمراءات.
4ــ أن البصيرة فريضة، أي واجبة، لأن اتباعه -صلى الله عليه وسلم- واجب، ولا يتحقق اتباعه إلا بالبصيرة التي هي العلم واليقين، والحكمة، بصيرة في ما يدعو إليه، وبصيرة بحال من يدعوه.
هذا ما يستفاد من الآية من بيان أهمية الدعوة إلى التَّوحيد، وحكم الدعوة إلى التَّوحيد، وفيها أيضًا الإشارة إلى شرائط الدعوة إلى الله، ووسائل الدعوة إلى الله التي هي دعوة إلى التَّوحيد.
نتائج نستخلصها مما سبق... الدعوة إلى الله -عز وجل- وتوحيده، هي مهمة الرسل، وهي كذلك مهمة أتباع الرسل، كما دلت عليه الآية، فأتباع الرسل على الحق والحقيقة، هم ممن يدعون إلى الله، أي يدعون إلى التَّوحيد.
أيضًا أحسن الناس قولاً: قول من دعا إلى الله، وأحسن الناس عملاً عمل من دعا إلا الله، و الدليل على أن من أحسن الناس قولاً سواءً في المجالس، في المحاضرات، في الكتابات، في المؤلفات، من دعا إلى الله، يقول ربنا -تبارك وتعالى-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
فإذا أردت أن تكون من أحسن الناس قولاً، ومن أحسن الناس عملاً وفعلاً، فعليك بهذا المسلك، مسلك الأنبياء. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾.
الدعوة إلى الله لا يستصعبها الإنسان، بل كل مسلم يدعو إلى الله، وكل مسلمة تدعو إلى الله، أنت أيها الأب في بيتك داعي إلى الله، وأنتِ أيتها الأم في بيتكِ داعية إلى الله، تربين الأبناء على التَّوحيد، والآداب، والأخلاق، والأب يربي الأبناء، وهكذا تدعو إلى الله بفعلك، تدعو إلى الله بلسان الحال، أو بلسان المقال، تبذل الخير للمسلمين، وغير المسلمين، في بلاد الإسلام، وفي غير بلاد الإسلام، إظهارك للصلاة في بلاد الكفر، اعتزازك بدينك دعوة ..كم من الكفار اهتدى بسبب مسلم كان يصلي في أماكن عامة، في المطارات، يعتز بدينه، بل إنك أيها المسلم وأنت تصلي في هذه الأماكن تستحضر أنك تدعو إلى الله، يراك الآلاف من الكفار، فتدعو إلى الله، كم من الكفار اهتدى بسبب مسلم قد يكون هذا المسلم لم يقصد ذلك، صلى في حديقة، صلى في مطار، صلى في الطائرة، فرآه من رآه استغرب وسأل،  فيكون دعا إلى الله
فلا أحد يستصعب الدعوة إلى الله، ويظن أنها خاصة بفئة من الناس، بل أنت في بيتك، في مسجدك، في محلك، في عملك، أرأيت المدير والمسئول لما يُعنى بالصلاة، ويهيئ مكان للصلاة، ويراقب الموظفين على الصلاة، فهو داعي، بل لو أهمل هذا يعاقب، عليه الوزر، ووزر جميع الموظفين الذين معه؛ لأن هذا أولى الأولويات، ليس الأولويات أنك تتابع هذا حضر، وهذا غاب، وهذا موجود، وهذا غير موجود، والصلاة لا اهتمام لها، بل أنت تدعو إلى الله باهتمامك من تحت يدك، يصلون أو لا يصلون، وإنكارك المنكرات، ترى منكر مخالف للشرع، يمنعه، إذا أيده وشجعه عليه الوزر، ووزر من نشر هذا المنكر.
إذن أنت أيها المسئول في مؤسستك، أنت يا أيها الأب، وأنت أيتها الأم في البيت داعية إلى الله، وهكذا المعلم في مدرسته، إذن باب واسع، كل مسلم داعي إلى الله، فلا أحد يقول بأن هذه ليست مهمتي، هذه مهمة الدعاة، بل كل مسلم يدعو إلى الله بما أنعم الله -عز وجل- عليه بوسائل الدعوة، وهكذا، إذا فتح الله عليك من فضله، وأتقن مثلاً لغة من اللغات، يعني كثير من المسلمين تجد لديه لغات، لماذا لا يوظفها في الدعوة إلى الله، هو يجيد لغة من اللغات، ويقابل الكفار، وخاصة الآن مع وسائل التقنية، أصبحت من خلال هذه الوسائل الحديثة، وسائل التواصل الاجتماعي، تستطيع أن تدعو، وأن تأمر بالخير، أما أن يكون له حساب في تويتر، في فيس بوك، وفي غيرها، ولا يهتم بهذا، بل تجد فيها من الهراء، وربما الأوزار، فلماذا لا توظف هذه الوسائل في الأمر في المعروف، والنهي عن المنكر، الكلمة الطيبة، الوصية، ينفع الله بها آلاف البشر.
نصيحة        أنا أوجه من هذا المنبر، نصيحة لكل مسلم، أنعم الله عليه بهذه الوسائل: أن يترك أثرًا، فيحصل به الأجر عند الله، وأنت في بيتك تدعو، سواءً دعوتك لغير المسلمين، أو خاصة إذا كنت تجيد لغة أجنبية، تسخرها في الدعوة إلى الله، بل هذا من زكاة العلم. فالدعوة إلى الله هي من أوجب الواجبات على كل مسلم، وأحسن الناس قولاً وعملاً من دعا إلى الله.
يقول الحسن البصري -رحمه الله-  في تفسيره لهذه الآية من سورة فصلت: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله من خلقه، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، هذا حبيب الله".
والمؤمنون أولياء الله، يحبهم ويحبونه، فإذا أردت أن يحبك الله، فعليك بهذا المسلك العظيم.
فهنيئًا، ثم هنيئًا، ثم هنيئًا، لكل من دعا إلى الله.
هنيئًا، ثم هنيئًا، ثم هنيئًا، لكل من أسلم على يده كافر.
هنيئًا، ثم هنيئًا، لكل من اهتدى على يديه ظالم.
هنيئًا، ثم هنيئًا، لكل أب ربَّى أبناءه التربية الحسنة.
هنيئًا، ثم هنيئًا، لكل أم ربَّت أبناءها التربية الحسنة.
وأين مسئولياتك، فهذا من الخير العظيم، والشرف العظيم، والعز الحقيقي، الدعاة إلى الله، وإلى توحيده، هم أحسن الناس قولاً وعملاً.
2ــ من الأدلة على أهمية الدعوة إلى الله، وإلى توحيده وإخلاصه، ما جاء في الصحيحين، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما بعث معاذًا إلى اليمن، وهذا فيه بعث الدعاة إلى الله، بعثه عالمًا، وقاضيًا، ومعلمًا، أوصاه بهذه الوصايا العظيمة، التي هي وصية لكل الدعاة إلى الله، وينبغي على الدعاة إلى الله أن يعتبروا هذه وثيقة، يعنوا بها، قال له -عليه الصلاة والسلام-: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب» أي: إما أنهم من اليهود والنصارى، أو أنهم يجيدون الكتابة، يعني ليسوا أناس جهَّال، بل ليكون عندك استعداد، ربما يطرحون عليك شُبَه، فهم ناس أهل كتاب، فأنت ربما تعرف حال من تدعو إليه، وهذا هي البصيرة التي ذُكرت في الآية.  «إنك تأتي قومًا أهل كتاب» هذه هي البصيرة «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله»، وهذا فيه فائدة أن التَّوحيد هو أول واجب، وهو آخر واجب، فليكن أول ما تدعوهم إليه، إذا التَّوحيد يُبدأ به أولاً، وقبل كل شيء. في رواية للبخاري: «إلى أن يوحدوا الله» والفائدة من هذه الرواية هي تفسير معنى الشهادة، وأن لا إله إلا الله تعني التَّوحيد، الذي هو إفراد الله بالعبادة...«فإن هم أطاعوك لذلك» أي استجابوا، ونطقوا بالتَّوحيد، وعلموا، ننتقل معهم إلى المرتبة الثانية، وهي: الصلاة. الصلاة أعظم الفرائض بعد التَّوحيد، فينبغي للداعية أن يُعنى بهذا التدرج...«فأعلمهم: أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك» لاحظوا الترتيب، البدء بالأهم فالمهم...«فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة»، والزكاة تسمى صدقة، كما قال الله -عز وجل-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بهَا﴾ [التوبة: 103]...«صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم»، أي على فقراء المسلمين، أو على فقراء البلد؟ يحتمل، ولهذا اختلف أهل العلم -رحمهم الله- في حكم نقل الزكاة من بلد إلى بلد. فمن قال أنها تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم، أي تؤخذ من أغنياء البلد، وترد على الفقراء، قال: إذن الزكاة لا تُنقل، بل هي لفقراء البلد. من رأى الجواز، قال: المراد تؤخذ من أغنياء المسلمين، وترد على فقراء المسلمين، وهذا من الاختلاف السائغ والجائز.
«فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم»، وهذا يتعلق أيضًا في ما يؤخذ من الزكاة، أنه لا يؤخذ من أنفس الأموال، بل يؤخذ من أوسطها، وهذا أدب من الآداب التي ينبغي لمن يعنون بجمع الزكاة أن يتنبهوا لها. ثم قال له: «واتق دعوة المظلوم» فيه أدب مع أنه أرسله إلى قوم أهل كتاب. ..«واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»، حتى لو كان كافرًا، فالظلم مُحَرَّم، حتى لو كان المظلوم كافرًا، والله -عز وجل- يستجيب لدعوة المظلوم، حتى لو كان كافرًا،وهذا جانب يتعلق بالتَّوحيد، والسر في أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب .. أن المظلوم  يدعو من القلب، ولذلك قال: السر -والله أعلم- في كون دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، هو الإخلاص، والصدق والإلحاح، مظلوم ليس له إلا الله، فيدعو حتى لو كان كافرًا بإخلاص، ولهذا: ﴿إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: 65]، الإنسان الذي في الفلك ويخشى الهلاك، يدعو بصدق وإلحاح ولهذا قال أهل العلم: في أن السر -والله أعلم- في أن من كان آخر كلامه من الدنيا "لا إله إلا الله" دخل الجنة، مع أن الكثير يقول "لا إله إلا الله" في الرخاء، والسر في هذا الإخلاص.
أرأيتم إنسان، وهو يودع الدنيا، يعرف أنه انتهى، فيتشهد: أشهد أن لا إله إلا الله، ما ظنكم؟ يقولها رياء؟ يقولها ساهٍ غافل؟ يقولها بإخلاص، ولهذا: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة».
نسأل الله -عز وجل- أن يختم لنا ولكم بـ"لا إله إلا الله" السر في هذا -والله أعلم- الإخلاص والصدق، وإلا كثير ممن يقولها في الرخاء، لكن يقولها وهو ساهٍ لاهٍ غافل، ولهذا قد لا تنفعه، وقد لا يكون لها من التأثير كما كان للتأثير في هذه الكلمة عندما قالها وهو يودع الدنيا.
هذا الحديث فيه دليل على أن أول واجب يجب على المكلف هو التَّوحيد، وهو كذلك آخر واجب، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله».
إذا أراد المسلم أن يدعو إلى الله، فأول ما يبدأ به الدعوة إلى التَّوحيد، الذي هو معنى لا إله إلا الله، لسببين:
السبب الأول: أن جميع الأعمال لا تصح إلا به، فهو أصلها وأساسها، وإذا لم يوجد، فلا تنفع، فما الفائدة تأمره بالصلاة، أو تأمره بالفضائل، أو تنهاه عن المنكرات، تنهاه عن ترك المخدرات، ويترك التدخين ونحوها، وهو لا يصلي، وليس موحد، ما ينفعه، ما دام أنه لم يوحد، أي لا ينفعه عند الله.
السبب الثاني: أن معرفة التَّوحيد أول واجب على العباد، فكان أول ما يبدأ به الدعاة إلى الله.
3ــ من الأدلة على أهمية الدعوة إلى الله :حديث سهل بن سعد -رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه» وهذه أعظم منقبة لعلي -رضي الله عنه-، «فبات الناس يدوكون ليلتهم» أي يخوضون، ما ناموا، لنيل هذا الشرف العظيم؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا أحرص الناس على الخير، فكل واحد منهم يريد أن يكون هو ذلكم الرجل الذي يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما أصبحوا غدوا على النبي -صلى الله عليه وسلم-، كلهم يرجوا أن يُعطاها، قال: «أين علي بن أبي طالب؟»، قيل: هو يشتكي عينيه، يعني علي -رضي الله عنه- لم يسمع أصلاً بالخبر، وهذا فائدة الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الأسباب لا تنفع وحدها، أنت تبذل السبب بل مطلوب ومشروع، بل يجب، ومع ذلك قد لا تأتي النتائج كما ترجو، وقد يأتي الأمر ولم يخطر لك على بال، ويرزقك الله -عز وجل- من حيث لا تحتسب...فقيل: يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأوتي به فبصق في عينيه، وهذا علم من أعلام النبوة، ثم دعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، هذه منقبة لعلي.
الشاهد: «انقذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم» هذا فيه الأدب في دعوة الكفار، وكذلك فيه الأدب في حال القتال، فالقتال ليس المقصود منه سفك الدماء، وإنما المقصود هداية الناس، فإذا أسلموا، فهذا هو المطلوب، فلهذا قال: «انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام»، حتى لو أنهم بلغم الإسلام قبل ذلك، لا يقال أنهم قد بلغهم الإسلام، بل يعاد دعوتهم إلى الإسلام...«وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه» أي بعد ذلك، أي من اللوازم والشروط، ثم بين فضل الدعوة إلى الله...«فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم»، حُمْر هنا بضم الحاء وسكون الميم، قالوا: أنفس الإبل عند العرب، أو المقصود به: أنه الأموال الذهب والفضة، بسكون الميم. هذا الحديث فيه دليل على فضل الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى.
نستنتج من هذه الشواهد من الآية في سورة يوسف، ومن حديث معاذ، وحديث سعد، أن الآية من سورة يوسف فيها بيان أن كل الصحابة دعاة إلى الله، أي دعاة إلى التَّوحيد، وحديث معاذ فيه: أن معاذًا -رضي الله عنه- كان من الدعاة إلى الله، وفيه: بيان نوع تلك الدعوة وهي التدرج، أول ما يُبدأ به التَّوحيد. وحديث سهل بن سعد، الذي فيه قصة علي -رضي الله عنه- فيه الدعوة إلى الإسلام، والدعوة إلى الإسلام هي دعوة إلى التَّوحيد.
فيكون هذان الحديثان بالنسبة للآية كالتفصيل، لما جاء في الآية ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الدعوة إلى الله على بصيرة، هي دعوة إلى التَّوحيد، إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- هم الدعاة إلى الله -عز وجل- سواءً كانوا من الصحابة، أو من بعدهم.

القواعد والضوابط والأساليب في الدعوة إلى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.

القاعده الأولى         الدعوة إلى الله عز وجل وتوحيده هي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي طريقة أتباعه، أخذنا هذا من قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، فأتباع النبي عليه الصلاة والسلام يدعون إلى الله على بصيرة، فالدعوة إلى الله وتوحيده هي طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام وهي طريقة أتباعه من الصحابة ومن بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بل هي طريقة الأنبياء والمرسلين.
القاعدة الثانية          الإخلاص، واستنبطنا هذا الشرط من قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 108]، ففيه الإشارة إلى اشتراط الإخلاص في الدعوة إلى الله عز وجل، لأن كثيرا من الناس لو دعا إلى الحق فإنما هو يدعو إلى نفسه، وهذا مدخل من مداخل الشيطان، ومن صور الرياء، يدعو لأجل أن يعظم، وأن يجل وأن يكرم فينبغي للمسلم أن تكون دعوته إلى الله عز وجل خالصة، لا يريد مراءاة ولا سمعة لدى الناس.
القاعدة الثالثة         العلم الذي هو البصيرة والحكمة، لقوله عز وجل: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]، أي على علم وعلى حكمة بحال المدعو.
القاعدة الرابعة         التدرج والأولوية حسب الأهمية، أخذنا هذا من حديث ابن عباس في قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه»، فالتدرج، أنه بدأ بالتوحيد، ثم بعده الصلاة، ثم الزكاة.
القاعده الخامسة             كشف العالم الشبهة للمتعلم، أخذنا هذا  من قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إنك تأتي قوما أهل كتاب»، فكشف له الشبهة، لأجل أن يستعد، ولهذا تجد أن أهل العلم يعنون بكتب الردود العلمية، والكتب التي فيها كشف للشبهات، خاصة الشبهات التي تتعلق بعباد القبور، وشبهات الصوفية، شبهات الرافضة، شبهات أهل الكتاب، بل أفردت المؤلفات التي تعين الداعي إلى الله وطالب العلم في كشف الشبهة التي قد يوردها من يوردها من أعداء التوحيد، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك تأتي قوما أهل كتاب»، فيه من الفوائد كشف الشبهة للمتعلم لأجل أخذ الحيطة والحذر.
من أنفس الكتب التي ألفت فيه هذا: كتاب لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، كشف الشبهات، ويتعلق بالرد على شبهات عباد القبور في اعتراضهم على دعوة التوحيد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق