الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره التاسعه عشر )

تلخيص الدرس التاسع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الحمد أولاً وآخرًا، وظاهرًا، وباطنًا، لك الحمد في الأولى والآخرة، الحمد لله، خلق الخلق لعبادته، وإليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى ترك أمته على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك..فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
    قواعد في الرد على الملحدين في أسماء الله وصفاته  وذلك من باب تنزيه الرب -تبارك وتعالى- عما لا يليق به من التمثيل، والتكييف، والتحريف، والتعطيل، والإلحاد في أسمائه وصفاته.
    قواعد في الرد على الملحدين في أسماء الله وصفاته
ـ الأصل في هذا الباب قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].
ـ  ما من اسم إلا ويتضمن صفة، فإذا ألحد في الأسماء، فيلزم منه أنه يلحد في صفات الرب -تبارك وتعالى-، وهنا ربنا -تبارك وتعالى- يقول: ﴿وَذَرُوا﴾، ولا يمكن أن تعرف حقيقة الإلحاد، إلا بدراسة الإلحاد في أسماء الله وصفاته، لأجل الحذر منه، والحذر من الملحدين في أسماء الله وصفاته.
ـ وأيضًا الأصل في هذا الباب قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] جمع الله في هذه الآية بين النفي والإثبات، وهذا يلزم منه أن النفي لا يلزم منه التعطيل، وأن الإثبات لا يلزم منه التمثيل؛ لأن الله جمع بينهما في آية واحدة، ولا يمكن أن يتعارض أو يتناقض كلام الله -عز وجل-، كيف والنفي والإثبات في آية واحدة؟ ولهذا دعوى المعطِّلة والمحرفة أن الإثبات يستلزم منه التشبيه يردها كلام الله في هذه الآية، ودعوى الممثلة والمشبهة، أن التنزيه يستلزم منه التعطيل، يرد عليهم بهذه الآية.
من صورالإلحاد في أسماء الله
ـ الميل بها عما أراد الله -عز وجل- وأراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- كمثل مجيء أو ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22] إلى مجيء الملائكة، يعني تحريف الصفات، فيصرفها عن المعنى الظاهر المراد إلى معنى آخر بلا دليل، لا من اللغة ولا من الشرع، أو النفي، أو التعطيل والنفي الذي هو التعطيل، ولا يثبت شيئًا، أو عكس ذلك، بيان كيفيتها، أو تمثيلها بصفات المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ـ هذه من صور الإلحاد، إما تحريف الذي يسميه أهل التعطيل تأويلًا، أو تعطيل، ويسمونه تفويضًا، أو تكييف، أو التمثيل الذي يسمونه التشبيه، ولهذا القواعد ستكون في الرد على الملحدين بهذه الأساليب، بطريق التحريف للصفات، وآيات الصفات، وأحاديث الصفات، أو التعطيل لها، أو التكييف، أو التمثيل.
القاعدة الأولى.
ما الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته؟ أو ما الواجب نحو آيات الصفات وأحاديث الصفات؟ والأسماء التي جاءت في الصفات؟ والأحاديث التي جاءت في الصفات؟ ما هو الواجب حيال هذه الآيات؟ وهي كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
الجواب: أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة عمومًا، وفي آيات الصفات خصوصًا، إبقاء دلالاتها على ظاهرها، من غير تغيير، ولا تحريف لهذا الضابط، الله -عز وجل- يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، نقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ نقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ الله -عز وجل- يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، نقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، نبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ينزل ربنا» نؤمن بأن الله -عز وجل- ينزل في الثلث الأخير من الليل، وهكذا، فتبقى على ظاهرها، لا تحرف، ولا تمثل بصفات المخلوقين، ولا تعطل عن معانيها، ولا تكيف؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ونعتقد فيها هذا الاعتقاد لأسباب:
لأن الله -عز وجل- أنزل القرآن بلسان عربي مبين... ولهذا العرب الذين نزل عليهم هذا القرآن ما اعترضوا على آيات الصفات؛ لأنهم يعرفون المعاني، فلم يعترضوا على ذلك، والنبي -عليه الصلاة والسلام- تكلم بلسان عربي مبين فصيح، فوجب إبقاء دلالات كلام الله، وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- على ما هو عليه في ذلكم اللسان العربي المبين، ولهذا قال -عز وجل-: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 193] وهو جبريل ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 194، 195] إذن هو لا يحتاج ألغازًا، وليس بطلاسم، وليس بلغة لا يفهم معناها، حتى يأتي من يحرفها عن المعنى العربي الواضح الذي يفهم العربي من لغته.
ـ يقول -تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: 3] إذن العقل يستدل به في إثبات هذه الصفات من جهة عظمة الرب -سبحانه وتعالى-، ومن جهة دلالات اللغة، وهذا يدل على وجوب فهم الكتاب، وفهم السنة، على ما يقتضيه ظاهر اللسان العربي، إلا أن يأتي قرائن تدل على خلاف المعنى، إذا جاءت قرائن، فهذه من أساليب اللغة، إذا جاءت القرائن تدل على معنى آخر، كما مر معنا: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار»، فالقرائن في النص جاءت تبين المعنى المراد، فإذا جاءت القرائن بالدليل الشرعي تبين معنى غير الذي يتبادر للذهن، فإن هذا المعنى يكون هو الصحيح؛ لوجود الدليل الشرعي، أما أن يحرف النص من غير دليل شرعي، وإنما يزعمونها بقرائن شرعية، فإن هذا تحكم في القرآن، وتحكم في اللغة التي نزل بها القرآن.
لأن تغير هذه النصوص أعني آيات الصفات، وأحاديث الصفات، تغييرها عن ظاهرها قول على الله بلا علم ما الذي حملك على أن تفسر قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ إلى مجيء الملائكة، هل يستقيم في اللغة؟ ولهذا مما يؤسف له أن هذه تقدير المضاف المحذوف مما يمثل به أحيانًا في بعض كتب اللغة، نتيجة أن هذا اللغوي متأثر بعقيدة سابقة، فيحرف الآيات، ويحرف النصوص نتيجة اعتقاد سابق لديه، الله -عز وجل- يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ربك هنا فاعل، ما الذي حملك على أن تجعله مضاف إليه، فتحمله على وجاء أمر ربك، لا يستقيم في اللسان العربي، وهذا خلاف اللغة، وخلاف ظاهر القرآن، وقول على الله بلا علم، والله -تبارك وتعالى- قد حرم التقول عليه بلا علم، يقول -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]، إذن هذا المحرف الذي يحرف آيات الصفات، وأحاديث الصفات، هو يقول على الله ما لا يعلم.
أن الله -عز وجل- قد ذم هذا المسلك، وهو مسلك التحريف، وبين أنه من طرائق اليهود، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهم أبعد الناس عن الإيمان ... يقول -عز وجل- في وصفهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]...وأيضًا قال -عز وجل- في ذم اليهود: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء: 46]، وهذا المسلك للأسف وقع فيه أرباب التعطيل، وأرباب التحريف، فحرفوا كلام الله عن معناه الظاهر المتبادر للذهن إلى معاني باطلة، فوقعوا في ما وقع فيه اليهود، وشابهوا اليهود....ولهذا مقولة التعطيل أصلها جاءت من اليهود، جاءت إلى الأمة من اليهود والنصارى، جاء بها الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46].
من جهة العقل، والأدلة العقلية يستدل بها، بل أدلة الشرع هي أدلة عقلية ... يقول -تبارك وتعالى- في كثير من الأدلة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35] هذا دليل شرعي، وهو دليل عقلي، وكذلك أدلة الوحي هي أدلة عقلية، ولهذا لا تعارض بين العقل السليم، والنقل الصحيح الصريح، لا تعارض أبدًا، من زعم التعارض بينهم فقد تقولوا على الله ما لا يعلمون....من جهة العقل، المتكلم بهذه النصوص الرب -تبارك وتعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو أعلم بمراده من غيره، فهو سبحانه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثًا، فوصف نفسه بهذه الصفات، فكيف يأتي متقول ويزعم أنه ينزه الرب عما وصف به نفسه، وهكذا رسله المبلغون عنه، خاتمهم -صلى الله عليه وسلم- أعلم بربه، بخلاف الذين يقولون على الله ما لا يعلمون من أرباب الانحراف وأرباب الكلام المذموم، فالله سبحانه يثبت لنفسه هذه الصفات، والمحرف يعطلها، ويحرفها.
ـ النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «ينزل ربنا» يأتي المحرف يقول: ما ينزل.
ـ الرب يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ يأتي المحرف يقول: ما يجيء، وقل مثل هذا في بقية الصفات.
مثال ذلك ... الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] ماذا تفهم من هذه الآية؟ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ظاهر الآية إثبات يدين حقيقتين للرب -تبارك وتعالى- على الوجه اللائق به، فيجب على المؤمن أن يثبت ذلك للرب -تبارك وتعالى-، ولو سألت بسطاء المؤمنين وعوامهم، وهو يقرأ القرآن ويعرف اللغة، لا يتبادر إلى ذهنه غير هذا المعنى ، ولا عنده إشكال، ما لم يأت شياطين الإنس فيلوثون عقيدته، ويلوثون فهمه، بل ربما صرفوه عن قراءة القرآن، كما يوجد عند أربابهم من الخرافيين الصوفية، والخرافيون عند الرافضة، يقطعونه عن القرآن والسنة، وعن الفهم الصحيح، فيوعزون له أنك لا تفهم، وأنك لا تعرف، ولا ينبغي أن ترجع للنصوص، بل ترجع إليه، وهو عن طريق وحي الشيطان والخرافات والخزعبلات يملي عليه ما تملي عليه شياطينه من شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زُخرُف القول غرورًا...أما لو قرأ المسلم البسيط الذي يعرف اللغة هذه الآيات والأحاديث، ليس عنده إشكال، لو تسأل مسلم يقرأ مثلاً: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23]، ليس عنده إشكال، فهو يؤمن بها على فطرته، يقرأ الأحاديث: «ينزل ربنا»، ليس عنده إشكال، فهكذا هنا في هذه الآية، الرب -تبارك وتعالى- يثبت لنفسه صفة اليدين، فنثبتها لله كما أثبتها لنفسه، لأنه أعلم بنفسه، وأحسن حديثًا، وأصدق قيلاً.
فإذا قال قائل: المراد باليدين القوة،هذا لا يستقيم ، ولا يتبادرلذهن الإنسان العربي الفصيح، بل هذا تحكم...ثم أيضًا هل القوة واحدة أو اثنتان؟ أي نعم جمع، هل يصح؟ بل قوتاه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، لا يستقيم، فدل على أن هذا التحريف باطل، يخالف ظاهر القرآن وتقول على الله بغير علم، ولا يستقيم من جهة اللغة، فدل على أن هذا المسلك الذي سلكه أهل التعطيل والتحريف ترد عليه نصوص الكتاب والسنة، ولغة العرب، والعقل السليم، والفطرة السليمة...لما يأتي هؤلاء وينكرون العلو مثلاً، صاحب الفطرة السليمة لا يقبل هذا، تجده على فطرته إذا وقع في مأزق، يرفع يديه إلى السماء، بل حتى عند البهائم، بل حتى عند اليهود والنصارى، فيأتي من يصادم الشرع، ويصادم العقل، ويصادم اللغة، ويصادم الفطرة. فدل على أن هذا المسلك الذي سلكه هؤلاء باطل، وهو إلحاد في آيات الله، وإلحاد في أسمائه وصفاته.
القاعدة الثانية.... كل صفة من صفات الله -تبارك وتعالى-، جاءت في الكتاب والسنة الصحيحة فإنه يتوجه عليها ثلاثة أسئلة، وانتبه لهذه الأسئلة.
السؤال الأول: هل هي صفة حقيقية للرب أم لا؟ يعني مثال لما ذكرنا في الآية السابقة: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ هل     هي صفة حقيقية أم لا؟ ولماذا؟
السؤال الثاني: هل يجوز تكييفها أم لا؟ ولماذا؟
السؤال الثالث: هل تماثل صفات المخلوقين أم لا؟ ولماذا؟
الجواب عن هذه الأسئلة التي يمكن أن توجه لكل صفة.
الجواب عن السؤال الأول: نعم، صفة حقيقية تليق بالرب -تبارك وتعالى-؛ لأن الله أثبت لنفسه هذه الصفات؛ ولأن هذا هو الأصل في الكلام العربي المبين الحقيقي، فلا يُعدل عنه إلا بدليل صحيح يمنع من ذلك، ولا دليل ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
الجواب عن السؤال الثاني: لا يجوزتكييفها، لأن الإنسان لم يطلع عليها، ولم ير ربه -تبارك وتعالى-، موسى -عليه السلام- وهو كليم الرحمن ما رأى ربه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- حتى في ليلة الإسراء والمعراج لم ير ربه، والإنسان لا يمكن أن بين لك كيفية الشيء إلا بالمشاهدة، فيؤمن بها، والكيف مجهول، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ويقول: ﴿ولَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]، ولأن العقل لا يمكن أن يدرك كيفية صفات الرب -تبارك وتعالى-، ولهذا العلم اليقين الذي هو أعلى درجات الإدراك لدى الإنسان، علم يقين، وعين يقين، وحق يقين، وأنت تلاحظه من نفسك، فإدراكك عن طريق علم اليقين  يختلف عن إدراكك عن طريق حق اليقين، فكيف تكيف الشيء وأنت لم تشاهده؟ إذن العقل قاصر عن إدراك كنه هذه الصفات، يؤمن بها على الوجه اللائق به -تبارك وتعالى-، كما وصف نفسه بها.
الجواب عن السؤال الثالث: لا، لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولأنه -عز وجل- مستحق للكمال المطلق الذي لا غاية فوقه، فلا يمكن أن تماثل صفاته صفات المخلوقين الناقصة، بل صفاته تليق به -تبارك وتعالى.
القاعدة الثالثة: الفرق بين التمثيل والتكييف.
الجواب: أن التمثيل هو ذكر كيفية الصفة مقيدة بمماثل، كأن يقول -تعالى الله عن ذلك-: أن لله يد كيد المخلوق، أو ينزل كنزول المخلوق، والتكييف: ذكر كيفية الصفة من غير تقييد بمماثل.مثال ...التكييف: يتخيل يدًا لله معينة، ولهذا نقول: التمثيل والتكييف حرام، ولو بخيالات العقول، والشيطان قد يدخل على الإنسان مثل هذه الوساوس، ولهذا إذا الشيطان أدخل عليه هذه الوساوس، فليعالجها بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان قد يدخل عليه مثل هذه الخيالات، فيحاول أن يتخلص منها بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم...وعليه: فإن التمثيل أعم، التمثيل هو تكييف وزيادة، ولهذا يقال: التمثيل أعم، والتكييف أخص؛ لأن الممثل كيَّف...شبهه بصفات المخلوقين فقد كيَّف هذه الصفات بصفات المخلوقين.
القاعدة الرابعة:  الفرق بين التحريف والتعطيل.
التعطيل: هو نفي دلالات الأسماء والصفات، ويسميه المعطِّلة: تفويضًا، يسمونه تفويضًا، ويزعمون أنه مذهب السلف، وكذبوا على السلف، السلف يثبتون الألفاظ والمعاني وإنما يفوضون الكيفيات، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" فإذن هم يثبتون الألفاظ، ويثبتون المعاني، يعرفون معنى الاستواء، ومعنى النزول، ومعنى المجيء، وهكذا سائر الصفات، وإنما يفوضون الكيفية، فزعم المتكلمون بأن مذهب السلف هو التفويض، هذا تلبيس على الناس، وكذب على السلف، بل السلف يعرفون هذه المعاني، فيثبتونها، وإنما يفوضون الكيفيات، لكن هم يفوضون المعاني، ويفوضون الكيفيات، ويزعمون أن هذا مذهب السلف، وكذبوا على السلف.
التعطيل نوعان: تعطيل كلي، لكل الصفات، و تعطيل جزئي.
 مثال... الجهمية الأوائل نفوا الأسماء والصفات، جاء المعتزلة فأثبتوا الأسماء، وجعلوها جامدة، ونفوا الصفات، فجاء بعدهم الأشاعرة والماتريدية، فأثبتوا بعضًا، ونفوا بعضًا، وستأتي القاعد في الرد على هذا التناقض؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها.
التحريف: هو صرف اللفظ عن المعنى الظاهر المتبادل للذهن إلى معنى آخر لا دليل عليه، فيصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء، والمجيء إلى مجيء الأمر، أو الملك، والنزول نزول ملك أو نزول رحمة، هذا هم يسمونه تأويل، وواقع الأمر أنه تحريف لكلام الله، وكلام النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومثلها تحريف معنى اليد بالقوة، وتحريف الضحك بالثواب، أو إرادة الثواب، وتحريف الغضب بالعقاب، أو إرادة العقاب والانتقام، وكل هذا تحريف لصفات الرب -تبارك وتعالى.
وبناءً عليه: فكل محرِّف معطِّل، لأن المحرِّف لما نفى صفة الاستواء اللائق به، عطَّله عن هذه الصفة، وأثبت معنى آخر، فكل محرِّف معطِّل، وليس كل معطِّلٍ محرِّف؛ لأن المعطِّل يفوض، لا يثبت شيئًا، وكأننا نُخاطب بطلاسم، كأننا نُخاطب بلغة لا نفهمها، ولهذا أيهما أخبث؟ مذهب التعطيل؟ أو مذهب التحريف؟ يعني مثلاً الذي يقول لا أفهم شيئًا من الاستواء، أو الذي يقول الاستواء معناه الاستيلاء...
الجواب.. التعطيل. نعم؛ لأنه يلزم من التعطيل أننا نخاطب بلغة لا نفهمها، بينما المحرف يقول: لا، هذه اللغة لكن معناها جاء بمعنى آخر لا يستقيم مع اللسان العربي، ولا يقبله، العربي الفصيح المعنى الذي جاء به، ولهذا قالوا: أن مذهب التعطيل أخبث من مذهب التحريف. كلاهما خبيث، لكن الخبائث بعضها أخبث من بعض.
القاعدة الخامسة: كل معطِّل ممثل، وكل ممثل معطِّل.
ـ الممثل الذي شبَّه صفات الخالق بصفات المخلوقين، والمعطِّل نفى، كيف كل معطِّل ممثل؟
ـ تعطيل المعطِّل ظاهر، لما نفى الصفات عن الرب، نفى الاستواء، ونفى المجيء، ونفى النزول، لكن يكون المعطِّل ممثلًا لأنه نفى النصوص عن ظاهرها ، ظنَّ أن إثبات النصوص على ظاهرها يلزم منها التمثيل، فهو مثَّل في عقله أولاً، ثم أراد الفرار من هذا المعنى، ففر إلى ما هو أسوأ منه، فهو تخيل أن ظاهر النصوص التمثيل، يعني هو فهم من المجيء، فهم من الاستواء، فهم من النزول، فهم من إثبات اليدين، فهم من إثبات العينين أنها تشابه المخلوق، فأراد الفرار من هذا، فنفى المعاني، فهو مثَّل أولاً، ثم عطَّل ثانيًا، ولهذا قالوا: كل معطِّل ممثل.
العكس.... كيف يكون الممثل معطِّل؟
أما التمثيل فظاهر، لكن يكون الممثل معطِّل من أوجه.
الوجه الأول: أنه لما مثَّل صفات الرب -سبحانه وتعالى- بصفات المخلوقين، عن معانيها وصفاتها الظاهرة، فقد عطَّل هذه الصفة التي أثبتها الله لنفسه.أنه لما شبَّه صفات الرب بصفات المخلوقين، معناه أنه عطَّل الرب عن الصفات اللائقة به.
الوجه الثاني: أنه فهم من نصوص التنزيه التعطيل، فأراد الفرار، من ذلك، فوقع في التمثيل، فهو عكس الأول، فهم من نصوص التنزيه التعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3]، ففهم منها التعطيل فأراد الفرار من هذا المعنى فوقع في التمثيل، فهو عطَّل أولاً، ثم شبَّه ثانيًا، ثم عطَّل ثانيًا، يعني هو عطَّل، ثم مثَّل، ثم عطَّل. ..فهم من نصوص التنزيه التعطيل، فأراد الفرار، فشبهه بصفات المخلوقين، فوقع في تعطيل الرب عن صفاته اللائقة به -تبارك وتعالى.
القاعدة السادسة: كيف نرد على المعطلة والمحرفة، الذين يسمون مذهبهم المفوضة، والمؤولة؟
الجواب.... يقال لهم:
قولكم هذا خلاف ظاهر النصوص، تأويلكم للآيات والأحاديث خلاف ظاهر النص، الله يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فتأويلك هذا الذي جئت به هو خلاف ظاهر النص.
هو خلاف لطريق السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، ولهذا مما يحتج به على المتأخرين من المعطلة والمحرفة، ما كان عليه السلف من الصحابة، والأئمة، وأصحاب الكتب الستة، بل أئمة الدين الذين كتب الله لهم الإمامة، كالإمام مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، والإمام أحمد، فنقول لأتباعهم: لماذا تقلدونهم في الفقه؟ فإذا جاء المعتقد تركتموهم، وقلدتم غيرهم؟ تجده في الفقه يقول مالكي، ثم إذا جاء العقيدة، قال: لا، كلام مالك غير مقبول، أذهب إلى كلام الأشعري كلام  الأشعري في القرن الرابع، ثم إن الأشعري كان معتزليًّا، ثم كلابيًّا، ثم تاب الرجل، فكيف تحملونه هذا المذهب، وهو قد تاب منه، انظر في كتابه "مقالات الإسلاميين" في كتابه "اللمع" في كتابه "الإبانة" في كتابه "رسالة إلى أهل الثغر" يتبرأ من طريقة المتكلمين، فنقول: قولكم هذا خلاف ما عليه أئمتكم المتقدمين، وخلاف ما كان عليه الصحابة، وخلاف ما كان عليه أئمة الحديث كالبخاري ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم من أئمة الحديث الذين في كتبهم المصنفة والمنتشرة بين الأمة تقرير العقيدة الصحيحة، خلافًا لمذهب المعطِّلة والممثلة.
3ـ هذا التحريف لا دليل عليه، لا من اللغة، ولا من الشرع، بل حتى يناقض الفطرة والعقل، وربما يكون في بعض الصفات وجوه أخرى كاللوازم الباطلة...قد تكون كل صفة يلزم على تأويلها إلى معنى آخر لوازم باطلة لا تصح عقلاً، ولا فطرة...ويمكن أن نفصل هذه الوجوه، فيقال: هذا التأويل الذي هم يسمونه تأويلًا، هو تحريف جناية على النصوص، حيث جعلوها دالة على معنى باطل، غير لائق بالله، ولا مراد لله، فنفوا المجيء، ونفوا صفة اليدين، ونفوا صفة العينين، ونفوا صفة العلو، ونفوا صفة الاستواء، إلى غير ذلك، ثم هذا التأويل صرف لكلام الله، وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- عن ظاهره، والله -عز وجل- قد خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا هذا الكلام ويفهموه، ولهذا أمر بالتدبر، فكيف يتدبر الإنسان كلامًا غير مفهوم ومعاني غامضة، وخفية، يحتاج إلى معرفة المجازات، ويحتاج إلى معرفة القواعد الفلسفية، والمنطقية، حتى يفهم هذا الكلام الذي هو عبارة عن ألغاز، وعبارة عن أحاجي في ظنه، بل هو لسان عربي مبين، يفهمه صاحب اللغة، لا يحتاج إلى مثل هذه الفلسفات، وهذه التأويلات الباطلة.
هذا التأويل صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، وهو قول على الله بلا علم، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
مثال: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] "بيدي" فيها إثبات وهذا هو المتبادر، لا يمكن أن يؤول إلى معنى ذلك، ولهذا في الأحاديث أن الناس في حديث الشافعة يأتون آدم فيقولون: "يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده" فالآية ظاهرة في إثبات صفة اليدين للرب -تبارك وتعالى-، فإذا صُرفت الآية عن ظاهرها، وقال هذا المعطِّل لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا، قلنا له: ما دليلك على ذلك؟ ما الذي حملك على أن تحرِّف المعنى إلى معنى آخر؟ وإلا كان كلامه تقولاً. قد يأتيك بغرائب، قد يأتيك بمجازات، لكن اللغة لا تقبل هذا التأويل.
صرف لنصوص الصفات عن ظاهرها، فيه مخالفة ظاهرة صريحة لما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان عليه الصحابة، وأئمة الدين فيكون هذا التأويل الذي هو التحريف باطل بلا ريب، ومخالف لظاهر القرآن، والسنة، وما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما كان عليه الصحابة، وما كان عليه أئمة الدين.
يُقال لهذا المعطل والمحرف: هل أنت، يعني هذا ممكن أن تستفيد به في مناظرته ومجادلته، تورد عليه هذه الأسئلة، فانظر بماذا سيجيبك، تقول له: هل أنت أعلم بالله من نفسه، ومن رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ فسيجيبك؟ طبعًا بقولك لا، لو قال: نعم، انتهى النقاش، هذه مكابرة، ثم قل له: هل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به عن النبي -صلى الله عليه وسلم- صدق وحق أم لا؟ سيقول لك صدق وحق، لا يمكن أن يكابر، وإلا لا يكون مسلمًا، ثم قل له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله -عز وجل-، وكلام الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ماذا سيجيبك؟ سيقول لك: كلام الله أفصح كلام، وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد أوتي جوامع الكلم، ثم قل له: هل تظن أن الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوها بعقولهم؟ ينزل عليهم طلاسم لا يفهمون المعاني، وغامضة، وهو القائل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، سيقول لك: لا، ثم قل له: هل تعلم أن أحدًا أعلم من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ بماذا سيجيبك؟ لا جزمًا، فيقال له: إذا كنت تقر بذلك، فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته لنفسه، لماذا هذه المكابرة؟ لماذا هذه المعاندة؟ والمصادرة للقرآن، والسنة، ولغة العرب، وما كان عليه الصحابة، وما كان عليه أئمة الدين، لماذا لا تثبت لله ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم- على حقيقته، وظاهره اللائق به -تبارك وتعالى-، ويكون عندك الإقدام والشجاعة في إثباتها، كما كان عندك الإقدام والشجاعة في نفيها، وإلا يكون لديه المكابرة، ولهذا تجد من بعض هؤلاء إذا تقدم به السن، أو أشرف على الموت تاب، ولهذا أرباب الفلسفة، وأرباب الكلام كثير منهم في آخر حياته تاب، الإمام الرازي الذي ألف الكتب، ومنها كتاب "تأسيس التقديس" ينفي الصفات، في آخر حياته يوصي بوصية في براءته من هذه الكتب، وهو القائل:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا          سواءً جمعنا فيه قيل وقال
يقول: هذه النتيجة، فتاب، الإمام أبو حامد الغزالي: يموت وصحيح البخاري على صدره، الجويني يتوب، الإمام أبو الحسن الأشعري يتوب في آخر حياته، ويؤلف مقالات الإسلاميين، والإبانة، واللمع، ورسالة لأهل الثغر، أيضًا نقول لهؤلاء الذين يكابرون، ويفسدون على المسلمين عقيدتهم، لماذا لا يكون عندكم الشجاعة في التوبة والإنابة إلى الله -تبارك وتعالى-، وترك المعاندة والمكابرة، لكلام الله وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما كان عليه سلف الأمة، ثم ماذا يضيرك إذا أثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته له النبي -عليه الصلاة والسلام-، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتًا ونفيًا، أليس هذا أسلم لك؟ وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة ماذا أجبتم المرسلين؟ بماذا سيكون جواب هؤلاء؟ وقد قرءوا القرآن، وقرءوا السنة، فضلوا، وأضلوا أتباعهم، فيحملون أوزارهم، هؤلاء المساكين الذين يغوونهم، يلقنونهم للأسف في بعض المعاهد والجامعات عقيدة التأويل والتحريف، فنقول لهؤلاء: ألا تخافون الله؟ ألا تعلمون أنكم ستوقفون بين يدي الله؟ فيسألكم هذا السؤال: ماذا أجبتم المرسلين؟ وهؤلاء ليسوا جُهَّالاً، هؤلاء الذين يقررون مثل هذا التأويل والتحريف، ويشوشون على عقائد المسلمين وعوامهم ليسوا جُهَّالاً، ولهذا لا يعذرون بهذا الجهل، أوليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعين معنى آخر مخاطرة منك، فلعل المراد يكون على تقدير جواز صرفها على ما صرفتها إليه.  هذا لو افترضنا أن لديه شبهة، فعليه أن يحكِّم الكتاب والسنة، ولغة العرب، وما كان عليه الأئمة.
القاعدة السابعة: يلزم على التحريف الذي هو التأويل لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فمن هذه اللوازم:
أولاً: أن أهل التعطيل لما صرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها اعتقدوا أن الظاهر يستلزم التشبيه، ففروا من هذا، فهم اعتقدوا اعتقادًا باطلاً، وهو تشبيه الله بخلقه، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهم فروا أصلاً، فلذلك لما تسأل المعطلة، لماذا تعطل، لماذا تحرف، يقول لك: فرارًا من التشبيه، فنقول: أنت اعتقدت بكلام الله اعتقادًا باطلاً، وكذَّبت الله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ثانيًا: أن يلزم من تحريفه وتأويله أن كتاب الله الذي أنزله تبيانًا لكل شيء، وهدى وشفاءً لما في الصدور، ونورًا مبينًا، وفرقانًا بين الحق والباطل، لم يبين الله فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكولاً إلى عقولهم، فيحرفها، وينفي، ويقول: هذا حديث لا أقبله، وهذه دلالاتها ظنية، والدلالة العقلية قطعية، فهذا من لوازم التأويل والتحريف أن القرآن الذي هو شفاء، وهو بيان للناس لم يوضح الله -عز وجل- فيه ما يتعلق في الصفات، ولهذا لما أراد المتكلمون نفات الصفات الرد على الفلاسفة نفات المعاد ما استطاعوا، بل أفحموا الفلاسفة؛ لأن الفلاسفة تجرؤوا على نصوص المعاد، ونصوص أشراط الساعة، فأولوها أيضًا، وأنكروا دلالات هذه النصوص، فجاء المتكلمون للرد عليهم، فقالوا: المنهج الذي سلكتموه في الصفات، هو المنهج الذي سلكناه في أشراط الساعة، وأحوال الآخرة والمعاد، ولهذا قال فيهم شيخ الإسلام: "لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا" لو سلكوا طريقة القرآن والسنة، وما كان عليه السلف، لسلموا من هذا التناقض.
ثالثًا: أن يلزم من التحريف والتعطيل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخلفاءه الراشدين، والصحابة، وأئمة الدين كانوا مقصرين، ولم يبينوا ما يجب اعتقاده في الرب -تبارك وتعالى-، بل أوهموهم بهذه الأحاديث، وهذه الأقوال، وهذا لا شك من أبطل الباطل.
رابعًا: يلزم على قولهم هذا: أن كلام الله، وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس مرجعًا لآيات الصفات، وأحاديث الصفات، وإنما المرجع إلى عقول هؤلاء، وإلى أقوالهم المتناقضة، وتقريراتهم الباطلة، والأصل في المسلم أن يكون المرجع إليه الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة.
خامسًا: كل تحريف أو تعطيل له لوازم يدل على البطلان، فيلزم من التأويل والتحريف التناقض في كلام الله؛ لأن الله أثبت لنفسه هذه الأسماء والصفات، ونفى عن نفسه التمثيل والتشبيه، فإذا نفى هذه الصفات وقع في التناقض، وإذا شبهه بالخلق، وقع في التناقض، الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإذا نفى معناه كذَّب الرب في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وإذا شبهه معناه كذَّب الرب في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فنقول: التحريف والتعطيل يلزم منه أن كلام الله متناقض، والتمثيل والتشبيه يلزم منه أيضًا التناقض في كلام الله، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. كما يقال في بباب القدر والجبر، فيلزم منه التناقض، وهكذا يقال في باب الوعد والوعيد.
ـ كل صفة لها أيضًا دلالات خاصة... مثال: تحريف الاستواء بالاستيلاء، يلزم منه اللوازم، إذا جاء المعطل وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ معناها استولى، هذا المعنى مخالف لظاهر القرآن ، ومخالف للغة العرب، يلزم منه لوازم باطلة، ومخالف كذلك لمذهب السلف، فالسلف يثبتون الاستواء، بمعنى علا وارتفع وصعد، واستقر.
ـ يلزم من هذا التحريف من لوازم باطلة وهي:
أن هناك غالب لله -عز وجل- فغلبهم..إذا قال استوى بمعنى استولى، معنى أن الله -تعالى- كان مغلوبًا فغلب، اللوازم الباطل باطلة، والباطل لجلج، والحق أبلج،  فإذا قال: استوى بمعنى استولى، يلزم أنه كان مغلوبًا فغلب، تعالى الله عن ذلك، فدل على بطلان هذا المعنى.
هل يكون للعرش خصوصية؟ إذا كان معنى الاستواء الاستيلاء، لا خصوصية للعرش؛ لأن الله مستولٍ على جميع خلقه، ثم أيضًا يلزم منه لوازم باطلة، إذا كان معنى استوى بمعنى استولى، قد يقول قائل: الرحمن على الأرض استوى، تعالى الله عن ذلك؛ لأن الله مستولٍ على العرش.
     يذكرون من الطرائف: أن أحد علماء الكلام المعطِّلة كان في المسجد، ويفسر آيات الاستواء، ويقرر أن استوى بمعنى استولى، وكان فيه أطفال يلعبون في الشارع، فاستغربوا بفطرتهم، وأحيانًا يكون عند الأطفال من الذكاء والفطنة ما يحرجون الكبار، بل من عوام المسلمين من يفحم كبار المتكلمين، والخرافيين..فاستغرب أحد الأطفال هذا التأويل، ففتح نافذة المسجد، وقال: يا أستاذ عندي سؤال، أنت تقول: استوى بمعنى استولى، من الذي كان مستولٍ على العرش قبل الله؟ فانبهر من السؤال، فقال الطلاب وتنبهوا، نعم إنه سؤال مليح صريح، أجبه، فما استطاع أن يجيبه.
   وهذا أيضًا مثل أحد علماء الكلام، كان يقرر نفي صفة العلو، فقال له أحد تلاميذه: أخبرني عما يجده الإنسان في نفسه اضطرارًا، إذا أراد أن يدعو يرفع يديه للسماء، وأنت تقرر نفي العلو، والإنسان في نفسه فطرة واضطرارًا، ما استطاع يجيبه، بل وضع يديه على رأسه، وقال: لقد حيرني الفتى الهمداني.
ماذا يلزم من نفي العلو من لوازم؟ كمثال، وقل مثل هذا في سائر الصفات، ماذا يلزم من نفي العلو؟ إذا قال قائل بأن الله ليس في السماء، لم يستو على العرش، ماذا يلزم منه من لوازم.
ـ من اللوازم الباطلة التي تلزم من ذلك:
1ـ أن الله -عز وجل- في كل مكان، وأن المخلوقات تحيط به، وأنه في أماكن الحش، وأماكن القاذورات، نعوذ بالله، وهذا ما يقع فيه أرباب الحلول، والاتحاد، الذين ينفون العلو، ويزعمون الرب -تبارك وتعالى- في كل مكان، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. كيف؟ والأرض قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، فيلزم من نفي العلو هذا اللازم الباطل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا... وكيف وأدلة العلو أكثر من ألف دليل، من الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، تأملوا في كتاب الله. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10] الصعود يكون من أين؟
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: 1] النزول من أين؟ ..بل فرعون وهو فرعون أثبت العلو أم لا؟ ﴿أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص: 38]. ..كما أن إبليس وهو إبليس يثبت العزة لله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ [ص: 82]، فيأتي هؤلاء فيتنكرون بهذه الصفات التي تثبتها نصوص الكتاب، والسنة، والفطرة، والعقل، فيكون هذا التأويل مكابرة، ومصادمة للعقل السليم، والنص الصحيح الصريح. ويلزم من هذا التأويل اللوازم الباطلة.
ـ ماذا يقصدون بنفي العلو؟يعني ما هي الشبهة؟
الجواب... شبهتهم لأنهم لا يريدون إثبات أن يكون الله في مكان، فأرادوا نفي الجهة التي يزعمون، وأن يكون الله في مكان؛ لأنه إذا قالوا في مكان، معناه أنه في حيز، معناه أن نثبت له صفات، فأرادوا الفرار من هذا، فنفوا العلو، لما نفوا العلو وقعوا في مأزق أشد، فمنهم من قال بالحلول، ومنهم من قال بالاتحاد، وهذه عقيدة الفارابي وابن عربي، وبعض هؤلاء الملاحدة، الذين صادموا العقل، والفطرة، والحس، والشرع.
القاعدة الثامنة: الرد على الممثلة والمشبهة، التمثيل هو اعتقاد المثبت أن صفات الرب تماثل وتشابه صفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بالشرع والعقل.
أما الشرع ... فالأدلة كثيرة، كقوله -عز وجل-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، إلى غير ذلك .
2ـ وأما العقل ... فمن وجوه أنه قد علم بالضرورة المباينة بين الخالق والمخلوق، تباينًا في الذات، وتباينًا في الصفات، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق؟ تعالى الله عن ذلك، وصفات الخالق تليق به، وصفات المخلوق تليق به.
3ـ أيضًا أننا نشاهد في المخلوقات التباين في ما بينها، وهي مخلوقات، وإن اشتركت في الأسماء، إلا أنها تتباين في الصفات، يعني هل قوة البصر عند الناس سواء، قوة السمع سواء، بل بين مخلوق ومخلوق، الفيل له يد، والنملة لها يد، هل إذا أثبتنا يدًا للنملة، يلزم شبهناها بيد الفيل، فإذا كان هذا التباين بين مخلوق ومخلوق، فكيف بين المخلوق والخالق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا...فنقول: إثبات الصفات للرب، لا يلزم منها التمثيل، فصفاته تليق به، وصفات المخلوقين تليق بهم، كما أن ذات الرب تليق به، وذات المخلوق تليق، كما أن وجود الرب يليق به، ووجود المخلوق به، فنقول لهؤلاء الممثلة: إثبات الصفات لا يستلزم منه التشبيه، وتشبيهكم الخالق بالمخلوق هو تنقص للرب، ومصادمة لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
ـ فالتشبيه والتمثيل بينهما عموم وخصوص، منهم من قال: التمثيل والمساواة من كل وجه، والتشبيه قد يكون في بعض الوجوه.
 كيف نرد على المكيفة؟
الجواب... نرد عليهم كما نرد على الممثلة سواءً بسواء، فما يُرد به على الممثلة، يُرد به على المكيفة، نقول لهم: أن الله ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علمًا... يقول ابن القيم في تقريب الفهم للإنسان حتى لا يقع في التشبيه، ولا بالتمثيل: "إدراك عظمة الرب"، وهو يتكلم عن صفة الاستواء، يقول: "والذي يُسَهِّلُ عليك فهم هذا، معرفة عظمة الرب، وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة بيد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء، وهو على العرش -تبارك وتعالى-".
ـ فاستشعار الإنسان لعظمة الرب، يُسَهِّلُ عليه فهم هذه النصوص، ولا إشكال فيها، والحمد لله.
ـ هل يلزم من الإثبات التمثيل؟ وهل يلزم من التنزيه التعطيل؟
الجواب...لا يلزم؛ لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فلما نفى عن نفسه التمثيل، وأثبت له السمع والبصر دل على أن إثبات السمع والبصر لا يلزم التمثيل، ودل على أن التنزيه لا يلزم منه التعطيل، كما الله جمع بينهما، وكما تقرر في القواعد السابقة.
ـ ظواهر النصوص معلومة لنا من حيث المعاني، ومجهولة لنا من حيث الكيفيات، وهذا هو مذهب السلف، يثبتون اللفظ، ويثبتون المعنى، ويفوضون الكيفية، فيقال: معلومة من حيث المعنى، مجهولة من حيث الكيفيات، فإن الله ليس كمثله شيء.
ـ القول في الصفات كالقول في البعض، وهذا يُرد به على من يثبتون بعض الصفات، كالأشاعرة والماتريدية، وينكرون البعض، فنقول: القول في هذه الصفات السبع كالقول في باقي الصفات، لا فرق بينهما، فلماذا أثبتم هذه الصفات، ولم تثبتوا غيرها، إثباتكم لهذه السبع يلزمكم أن تثبتوا البقية، قولكم أن البقية فيها احترازات، نقول: وهذه الاحترازات التي تدعونها، وهي الخوف من مشابهة المخلوقين، هي كذلك في الصفات السبع، ولهذا يُرد عليهم بهذه القاعدة المتناقضة عندهم، تناقضهم يُرد عليه بهذه القاعدة: القول في بعض الصفات، كالقول في البعض.
ـ مثلها: القول في الصفات كالقول في الذات، وهذه يُرد بها على الجمهية، نقول لهم: أنتم تثبتون لله ذات تليق به، وجودًا يليق به، يلزمكم أن تثبتوا له صفات تليق به، فالقول في الصفات، كالقول في الذات سواءً بسواء.
قواعد ذكرها شيخ الإسلام في كتابه "التدمرية" وهي مهمة لطالب العلم.
شكر وتقديرمن الشيخ د/ سهل العتيبي إلى إدارة الأكاديمية  والطلاب/
نشكر الله -عز وجل- على توفيقه، وامتنانه، حيث أعان على إتمام هذه الدروس، وهذه الحلقات المباركة في هذه الأكاديمية، ثم من لا يشكر الناس لا يشكر الله، نشكر للمشرف العام على هذه الأكاديمية، معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وزير الشئون الإسلامية، والأوقاف، والدعوة، والإرشاد، ثم أشكر أيضًا للشيخ راشد بن عثمان الزهراني، المدير العام لهذه الأكاديمية المباركة، ثم الشيخ الكثيري، وهو المشرف على هذه البرامج، والمنسق لها، والشكر لكم أنتم أيها الأبناء على حضوركم، ومتابعتكم، وكذلك الشكر لجميع الأبناء والبنات، الطلاب والطالبات، المتابعون عبر مواقع الأكاديمية، وكذلك في الفصول الافتراضية، والشكر كذلك موصول للإخوة والأخوات المشاهدين والمشاهدات، وأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعل هذه الدروس حجة لنا لا حجة علينا، وأن ينفعنا جميعًا بما نقول ونسمع، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، وأسأله -تبارك وتعالى- أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ونختم بقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: «سبحانك الله وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك».


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق