الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره التاسعه )

تلخيص الدرس التاسع
بسم الله الرحمن الرحيم ...الحمد لله على نعمائه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيما لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
تابع الدلائل والبراهين الدالة على وجوب التوحيد ودحض شبه المشركين.
العناية بدلائل التوحيد، وبراهين التوحيد، يقوي الإيمان، ويزيد الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يزداد بطاعة الرحمن، وينقص بالعصيان، ولهذا من فقه العبد المؤمن أن يتعاهد إيمانه، أيزيد أم ينقص، ولهذا قال الله تبارك وتعالى مخاطبا عباده المؤمنين يناديهم بنداء الشرف والكرامة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 136].
فالله عز وجل ينادي المؤمنين بأشرف نداء، بنداء الشرف والكرامة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا أي ازدادوا إيمانا، فالمؤمن يحتاج بين الحين والآخر والفينة والأخرى أن يتعاهد إيمانه، وأن يعنى بالأسباب التي بها يقوى الإيمان ويزداد الإيمان، ومن ذلك التفكر والتدبر في آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، ولهذا العناية بدلائل التوحيد وبراهين التوحيد يقوي الإيمان ويزيد في الإيمان.
يقول الله تبارك وتعالى في وصف أصحاب العقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران: 190]، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: 191].
بل إن أبو الأنبياء خليل الرحمن، إبراهيم عليه السلام، يسأل ربه تبارك وتعالى زيادة الطمأنينة واليقين والإيمان، فيقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 260].
ولهذا من فقه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنهم كانوا يتعاهدون إيمانهم، جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لأصحابه هلموا بنا نزداد إيمانا، فيجلسون يذكرون الله عز وجل، وكذا صح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول لجلسائه اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسون يذكرون الله تبارك وتعالى.وهم خيار الأمة، يقول اجلس بنا نؤمن ساعة، فالإيمان يحتاج إلى معاهدة، يحتاج إلى زيادة، يحتاج إلى تقوية، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: اللهم زدنا إيمانا، ويقينا، وفقها.ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه: إن من فقه الرجل أن يتعاهد إيمانه، أيزيد أم ينقص، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص، ومن فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان آنا تأتيه.
اللهم يا حي يا قيوم اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها، وعلما، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا اللهم يا حي يا قيوم وإخواننا المشاهدين والمشاهدات من المهتدين.
تابع دلائل وبراهين التوحيد.
الدليل الخامس
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: 22، 23]}...هاتان الآيتان من سورة سبأ في وصف الملائكة المقربين، الذين عُبدوا من دون الله ومع الله، فيصف الله عز وجل هؤلاء الملائكة بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ يعني هؤلاء الذين لجأتم إليهم، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ..حال هؤلاء.                                     اولا:ـ أنهم  ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولَا فِي الْأَرْضِ، مثقال الذرة، الشيء اليسير لا يملكونه،  فنفى عنهم الملك،   لا يملكون شيئا، المالك هو الله تبارك وتعالى، لاحظوا هذا في تقرير توحيد الربوبية..فهؤلاء الذين دعوتوهم سواء دعاء المسألة أو دعاء العبادة، حالهم أنهم ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولَا فِي الْأَرْضِ،
ثانيًا:ـ قال: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا،  ﴿لَهُمْ﴾ عنا يعود على الملائكة، ﴿فِيهِمَا، أي في السموات والأرض، ﴿مِن شِرْكٍ أي لا يحتاج الله شركاء ومعاونون، فليس لهم شرك في خلق السموات والأرض، بل الخالق هو الله وحده لا شريك له، ثالثًا:ـ ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي لله عز وجل، ﴿مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ يعني لا يحتاج ظهير ومعين، ثم قطع العلائق التي تعلق بها هؤلاء المشركون في عبادة الملائكة، هم عبدوهم لأجل الشفاعة، كما قال عز وجل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3]، ثم قال: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، الشفاعة تطلب من الله، والله عز وجل هو الذي يأذن للشافع أن يشفع ابتداء، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، فإذن الشفاعة تطلب من الله لا تطلب من غيره، ثم أيضًا الشفاعة لا تكون في أهل الشرك، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، والله عز وجل لا يأذن للشفاعة لأهل الشرك، ولا يرضى عن أهل الشرك.ثم وصف حال هؤلاء الملائكة، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبهِمْ إذن هم يخافون ويفزعون، يعني زال الفزع عن قلوبهم، والفزع هو الأمر المخوف، المفاجئ، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبهِمْ قَالُوا أي الملائكة قالوا لجبرائيل: ماذا قال ربكم؟ قال جبرائيل: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ...فهذا حال هؤلاء الملائكة وهم من أعظم من عُبد من دون الله.
ـ جاء في بيان معنى ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾»}.
إذن النبي عليه الصلاة والسلام بين معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبهِمْ وأن المراد بهم الملائكة، ﴿قَالُوا أي قال الملائكة لجبرائل ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ يعني من شدة الخوف الذي أصابهم من الله تبارك وتعالى، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.. إلى آخر الحديث قال:«فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين ..} يعني بين صفة صعود مسترقو السمع الذي يسترق الكلمة في السماء.«فيسمع الكلمة فليقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، ويقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء».
آخر الحديث سيأتي إن شاء الله في باب السحر، إنما الشاهد هنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر وهذا من أعظم التفسير، فسر قوله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أن هذا في وصف الملائكة إذا قضى الله الأمر في السماء، ضرب الملائكة بأجنحتها خضعانا لله، تنطق بالضم، بضم الخاء والضاد، خُضعانا، وتنطق بالفتح خَضعانا، أي أنهم خاضعون لله، خائفون، وجلون، منكسرون، منقادون لله تبارك وتعالى، فهذا حال هؤلاء الملائكة عند سماع الوحي، وكما وصفهم الله عز وجل في الآية أنهم لا يملكون شيئا، وليسوا شركاء لله، ولا يحتاج إلى معين ولا ظهير، ولا تنفع عنده الشفاعة إلا بإذنه، فكيف يعبدون من دون الله.
ـ أيضًا روى ابن أبي حاتم عن النواس بن سمعان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، قال أخذت السموات منه رجفة»، هذا يبين حال السموات، أو قال: «رعدة شديدة»، شك الراوي هل قال رجفة أو رعدة، «خوفا من الله عز وجل»، إذن هذا حال السموات والأرض وحال الملائكة، قال: «فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا»، المراد بأهل السموات الملائكة، «وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام»، وهو أعظم الملائكة وأقوى الملائكة، وهو الموكل بالوحي، قال: «فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرائيل، فيقول جبريل: قال الحق»...إذن هذا الحديث هو تفسير للآية، «وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم: مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل»...فإذن هذا الحديث يُبين أن هذا الفزع وهذا الخوف، كان من الملائكة الذين عبدوهم من دون الله وهم عباد خاضعون لله تبارك وتعالى.
هذان الحديثان فيهما تفسير لمعنى الآية، وبيان شدة خوف الملائكة من الله تبارك وتعالى، فإذا كان هذا حال الملائكة عند سماع الوحي، فكيف تصرف لهم العبادة، كيف يعبدون من دون الله، وغيرهم من باب أولى، إذا كان هؤلاء الملائكة مع عظمتهم، من أعظم مخلوقات الله لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ويصابون بالخوف، والفزع، والذعر، وليس لهم شرك في خلق السموات والأرض، ولا يعاونون الرب تبارك وتعالى، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه، فكيف يعبدون من دون الله فغيرهم من باب أولى.
ولهذا قيل في هذه الآية بأنها تقطع عروق الشرك من القلب، هذه الآية من سورة سبأ، بل الآيتان، قطعت عروق الشرك من القلب... يعني يتضح ذلك أن الملائكة هم أقرب المخلوقين إلى الله عز وجل وأعظمهم وأقواهم فإذا كان حالهم الخوف الشديد من الله عز وجل فهم يخافون الله عز وجل، يخافون من سماع الوحي، فكيف بمن دون الملائكة من الخلق الضعيف من باب يكون أضعف وأشد احتياجا فكيف يعبد من دون الله....تعبد الملائكة وهذا حالهم فغيرهم من باب أولى
هذه الآية كما ذكر أهل العلم بأنها تقطع عروق الشرك من القلب، لأن الله عز وجل وصف حال الملائكة بهذه الصفات الأربعة:
الوصف الأول: أنهم لا يملكون شيئا، حتى الذرة، لا يملكونها.
الوصف الثاني: أنهم لا يملكون قسطا من الملك، ليس لهم شرك في الملك، بل هم عباد خاضعون لله.
الوصف الثالث: لا يعاونون الله عز وجل، فلا يحتاج إلى ظهير ولا معين، لكمال غناه تبارك وتعالى.
الوصف الرابع: أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن ارتضى، وهذا ظاهر في الآيات، ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولَا فِي الْأَرْضِ هذا واحد، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ هذا ثانيا، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ هذا ثالثا، ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ.
فإذا كان هذا حال الملائكة فكيف يعبدون من دون الله، كيف يتعلق بهم من عبدهم وهذه حالهم، فغيرهم من باب أولى من الملائكة، ومن الأنبياء، أو الأولياء أو الصالحين، بل من الأشجار والأحجار والأموات.
ولهذا قيل هذه الآية كما ذكر ابن القيم رحمه الله بأن هذه الآية اقتطعت أو اقتلعت شجرة الشرك من القلوب.
ـ فإذا عرفت عظمة الله عز وجل وأن الملائكة مع عظمتهم يخافون ويوجلون ويفزعون وليس لهم من الأمر شيء، فكيف يعبدون وغيرهم من باب أولى.
ـ هذه الآية قضت على جميع المقاصد التي يقصدها هؤلاء المشركون من عبادة غير الله، لأن هؤلاء المشركين الذين عبدوا الملائكة أو عبدوا الأنبياء أو عبدوا الصالحين، أو عبدوا الأولياء، يرجون منهم النفع، يرجون منهم الشفاعة، فنقول هؤلاء لا ينفعون ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله عز وجل، فتطلبون الشفاعة من الله لا من العباد الضعفاء.
ـ  نفى الله عز وجل عن الملائكة الملك، والشراكة، والمظاهرة، والشفاعة، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، لأنه قال: ولا يشفعون إلا بإذنه، فدل على إثبات الشفاعة لكن بإذنه تبارك وتعالى.
ولهذا نقول: الشفاعة تطلب من الله لا تطلب من الأموات، والشفاعة لا أحد يتقدم فيها بين يدي الله عز وجل، وإنما الله عز وجل يأذن ابتداء للشافع إكراما له، ورفعة له، ومنفعة للمشفوع فيه، فقطع الله عز وجل العلائق التي يتعلق بها هؤلاء المشركون في عبادتهم لغير الله تبارك وتعالى.
ـ الآيات التي ذكرناها في المحاضرة السابقة فيها عموم من كل المعبودات، بينما هذه الآية هي في أعظم المخلوقات، هي أعظم من عُبد من دون الله، فهي خصوص بعد عموم، فقطعت جميع العلائق التي يتعلق بها المشركون في عبادتهم لغير الله، فإذا كان هذا حال الملائكة فغيرهم ممن لا يساويهم ولا يبلغ رتبتهم في القوة والخوف من الله، فهو من باب أولى ألا ينفع ولا يضر.
يستفاد من الآية (ـ قال تعالى:﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبهِمْ )
أن الملائكة لهم قلوب ، ولهم أيدي ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ [الأنعام: 93]، ولهم أجنحة  ﴿مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1]، جبرائيل رآه النبي صلى الله عليه وسلم بصورته الملائكية، مرتين، له ستمائة جناح قد سد الأفق، وهذه من الصفات الخلقية للملائكة، ولهم صفات خُلقية، من صفاتهم الخُلقية الحياء، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في عثمان: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»، الملائكة تستحي، فهكذا البشر عليهم أن يستحوا من الله حق الحياء.
ولهذا الإيمان بالملائكة يتضمن بصفاتهم الخَلقية وصفاتهم الخُلقية مما جاء في القرآن وصح في السنة النبوية، ولهذا وصفهم الله هنا بأن لهم قلوب، ووصفهم أن لهم أيدي، ولهم أجنحة، ولهذا إيمانك بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان، الإيمان بالملائكة، يتضمن بأن تؤمن بهذه الصفات التي جاءت في كتاب الله، فنثبتها كما أثبتها الله كتابه.
من صفات الملائكة
1ـ ان لهم قلوب
2ـ أن لهم أيدي
3- ان لهم أجنحة
4ـ ما ذكره الله عز وجل في سورة الأنبياء.. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ [الأنبياء: 26]}. المراد بالعباد المكرمون، الملائكة، لأن المشركين جعلوهم بنات الله، كما أن اليهود جعلوا عزيرا ابن الله، والنصارى جعلوا المسيح ابن الله، فشابههم هؤلاء فجعلوا الملائكة بنات الله، الله عز وجل رد على هؤلاء ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ سبحانه يعني هذا تنزيه لله تبارك وتعالى، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ أي هؤلاء الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم وصفهم بقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ولَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 27- 29]}.
قال تعالى في آخر الآية :﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ أي معبود من دون الله ومع الله، فالنتيجة ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، فكيف تعبدونهم أيها المشركون، يا عباد القبور ونحو ذلك، وهذا حالهم، وهذا وصفهم، ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ ولهذا نقول كل من عبد غير الله من الملائكة أو من الأنبياء أو من الصالحين، أو من الأولياء، فإنهم سيكونوا أعداء ويتبرؤون من عبادتهم إياهم يوم القيامة، ولهذا قال ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ...هذه الآية تدل دلالة واضحة على إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة وقطع العلائق التي يتعلق بها هؤلاء المشركون بغير الله.
5ـ جاء من صفاتهم ..قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 50]}.
6ـ وأيضًا قال في وصفهم: ﴿وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28]}.
إذن هذا حال الملائكة، خائفون وجلون، لا يدعون الألوهية، لا يشفعون إلا لمن ارتضى، ليس لهم شيء من خصائص الربوبية، ولا شيء من خصائص الألوهية، فخصائص الربوبية لله وحده لا شريك له، خصائص الألوهية والعبادة لله وحده لا شريك له جل جلاله..فإذا كان هذا حال الملائكة فغيرهم من البشر من باب أولى.
الدليل السادس:
 يقول الله تبارك وتعالى:  ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: 67]}.
كيف دلت الآية على وحدانية الله؟
ـ يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، يعني هؤلاء المشركون الذين جعلوا مع الله شركاء، ما قدروا لله حق قدره جل جلاله...ثم بين عز وجل عظمته، بقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ هذا هو التوحيد، أو لا؟ تنزيه الرب تبارك وتعالى عن الشركاء في الربوبية والألوهية والعبودية ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، عما يشرك هؤلاء سواء في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته، فدلت الآية على وحدانية الله عز وجل ببيان عظمته تبارك وتعالى.
ـ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظمه هؤلاء المشركون حق تعظيمه، بل صرفوا أعظم الحقوق وهو حق الله بغيره، صرفوها لبشر، صرفوها لضعفاء، صرفوها لأشجار وأحجار وأموات، فما قدروا الله حق قدره، ثم وصف نفسه ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، فيها إثبات صفة اليمين لله تبارك وتعالى،
وأن هذه اليمين بها يقبض تبارك وتعالى الأرض قبضته، ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، إثبات صفة اليدين، وإثبات صفة اليد اليمين لله تبارك وتعالى..﴿سُبْحَانَهُ تنزيها له تبارك وتعالى ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ يجعلون له شركاء سواء من الملائكة أو من الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين، أو الأشجار، أو الأحجار، أيا كان هذا الشريك، فتنزه الرب تبارك وتعالى عن الشركاء.
الدليل السابع
جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار ... والحبر هو العالم، والراهب. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ [التوبة: 31]، والراهب هو العابد، فالرهبان العباد، والأحبار العلماء، ولهذا يقال عن ابن عباس: حبر الأمة وترجمان القرآن، فجاء عالم من علماء اليهود من أهل الكتاب، فقال:{جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع..}.يعني من ما هو صحيح في التوراة..
{ والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر}.يعني إقرارا، ضحك إقرار، ضحك تعظيم لله تبارك وتعالى، فأقره، وكلمة الحق تقبل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة في الشيطان، «صدقك وهو كذوب».فالنبي صلى الله عليه وسلم أقره تصديقا له، وأن هذا مما صح في التوراة التي لم تحرف.
ثم استدل النبي صلى الله عليه وسلم بالآية .. قال تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يعني أن هذا الحديث هو تفسير لهذه الآية في بيان عظمة الرب تبارك وتعالى سبحانه وتعالى عما يشركون.
أيضًا جاء في رواية لمسلم قال والجبال والشجر على أصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله.
وفي رواية للبخاري قال: يجعل السموات على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع.
إذن هذه الأحاديث هي تفسر معنى الآية وفيها إثبات صفة اليمين لله تبارك وتعالى، كذلك نثبت صفة الأصابع لله تبارك وتعالى على الوجه اللائق به تبارك وتعالى.
لمسلم أيضًا عن ابن عمر مرفوعا، قال: يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، إثبات اليد اليُمنى لله تبارك وتعالى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، ثم يطوي الأرضين السبع، هذا فيه إثبات أن الأرضين سبع، قال أهل العلم والمراد بها والله أعلم هي طبقات الأرض، ولهذا «من ظلم قيد شبر طوقه الله سبع أراضين يوم القيامة»، فالشاهد أن الأرضين سبع كذلك، ثم يأخذهن بشماله، هذا أيضًا فيه إثبات صفة الشمال لله تبارك وتعالى، ولهذا أثبتها بعض أهل العلم، كما جاء في هذا الحديث في صحيح مسلم.
ومنهم من يقول كلتا يديه يمين، لا إشكال، فإذا وصفت الأخرى أو الشمال بهذا الوصف، فهذا ليس لانتقاصها كحال البشر، بل كلتا يديه يمين في الفضل والكرم والعطاء، ولا تعارض والله أعلم، سواء قلت كلتا يديه يمين، أو وصفت الأخرى بالشمال، فهي ليست ناقصة كحال البشر، بل الله عز وجل له الكمال المطلق فهي في الفضل والكرم والعطاء كاليمين ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وكلتا يديه يمين»، فنثبت لله صفة اليدين.
ثم يقول الرب تبارك وتعالى أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ كذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما السموات السبع والأراضين السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم، وهذا يدل على عظمة الرب تبارك وتعالى، فعظمة هذه المخلوقات تدل على عظمة خالقها وهو الرب تبارك وتعالى.
أيضًا روى ابن جرير عن ابن زيد قال حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما السموات السبع في الكرسي» والكرسي هو موضع قدمي الرب، «إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، والترس هو القاع المستدير من الأرض المتسع، وقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض»، وهذه الأحاديث تدل على عظمة هذه المخلوقات.
فإذا كانت السموات السبع والأرضين بالنسبة للكرسي الذي هو موضع قدمي الرب، كحلقة في فلاة، يعني لو أخذت هذه الحلقة ثم رميتها في الربع الخالي، ما الحيز التي تشغله بالنسبة إلى مساحة الربع الخالي؟ لا شيء، فإذا كانت السموات السبع والأرضين بالنسبة للكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة، والرب تبارك وتعالى مستو على خلقه يدل على عظمة الرب تبارك وتعالى.
هذه المخلوقات مع عظمتها هي بالنسبة لعظمة الرب تبارك وتعالى لا شيء، ولا شك أن خالق العظيم عظيم.
تأملوا هذه الأرض الذي أنتم تعيشون عليها، كيف تنتقل من مكان إلى مكان، تحتاج إلى آلاف الأميال، ومع ذلك هذه الأرض بالنسبة للمجموعة الشمسية هي لا شيء، المجموعة الشمسية بالنسبة للمجرة، إلى آلاف المجرات، المسافات الهائلة بين هذه الكواكب، وكل ذلك يدل على عظمة هذه المخلوقات وعظمة هذه المخلوقات تدل على عظمة خالقها، وخالق العظيم عظيم سبحانه وتعالى...ولهذا التدبر والتفكر في هذه الآيات، في مخلوقات الله، في الآفاق، في الأنفس في خلق الإنسان، في خلق الجبال، في خلق الحيوان، في آيات الله في الكون، في البحر في البر، تدل على عظمة خالقها تبارك وتعالى.
أيضًا جاء عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل تدرون بين السماء والأرض؟» قالوا أو قلنا: الله ورسوله أعلم، أي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم».
فعظمة هذه المخلوقات تدل على عظمة خالقها جل جلاله...فالتدبر والتفكر في آيات الله يزيد في الإيمان، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران: 190].
هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، فالحاصل أن هذه الأحاديث بمجموعها تدل على عظمة الرب تبارك وتعالى، كذلك تدل على خضوع هذه المخلوقات مع عظمتها، خاضعة لله، هذه السموات بعظمتها وهذه الملائكة بعظمتها، وهذا الكرسي، وهذا العرش، كلها خاضعة لله تبارك وتعالى.
فلا يستحق العبادة إلا الرب تبارك وتعالى، أما هذه المخلوقات فإنها لا تستحق شيئا من العبادة، فكيف يلجأ الإنسان إليها، فيصرف لها شيئا من العبادة وهي بهذا الضعف والاحتياج إلى الرب تبارك وتعالى، ولهذا من سفه العقول أن هذا الإنسان يصرف العبادة لمخلوق ضعيف، لا ينفع نفسه فضلا أن ينفعك.
ولهذا يقول أبو العتاهية: فواعجبا، هذا من باب التعجب، كيف يعصى الإله، أم كيف يجحده الجاحد.... عجب
فوا عجبا كيف يعصى الإله


أم كيف يجحده الجاحد

ولله في كل تحريكة وتسكينة


في الورى شاهد

 شاهد على خلق الله تبارك وتعالى..
وفي كل شيء له آية


تدل على أنه واحد

جل جلاله، واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، واحد في أسمائه وصفاته.
كل تحريكة وتسكينة وكل مخلوق حتى الذر، تدل على وحدانية الرب تبارك وتعالى.
يقول أبو نواس أيضًا:
تأمل في رياض الروض وانظر


إلى آثار ما صنع المليك

 أي الرب تبارك وتعالى.
عيون من لجين شاخصات


بأحداق كما الذهب السبيك

على قضيب الزبرجد شاهدات


بأن الله ليس له شريك

نعم والله، ليس له شريك، في توحيده، في ربوبيته، في ألوهيته، في أسمائه وصفاته، هذه المخلوقات بأعظمها وأصغرها تدل على وحدانية الرب تبارك وتعالى، فهي من دلائل التوحيد، وبراهين التوحيد الدالة على استحقاق الرب تبارك وتعالى للعبودية والربوبية والأسماء والصفات، وأن من صرف شيئا من خصائص الربوبية والألوهية لغير الله فقد صرفها لمخلوق ضعيف وترك الخالق عز وجل المستحق لهذه العبادة.
ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة، التي تحفظ للأطفال وهم صغار، ترسيخا لهذه العقيدة، يقول: ولو تسأل كل موحد ربما قرأها، فإذا قيل لك بما عرفت ربك؟ بأي شيء؟ بأي شيء تعرف ربك؟ فقل بآياته ومخلوقاته، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: 37]، كلها دالة على عظمة الرب تبارك وتعالى، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع، ومن فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لاحظ الاستدلال بالربوبية على الألوهية، ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]، يعني إن كنتم تعبدونه حقا، لا تصرفونها لغير الله، ولهذا الهدهد داعية التوحيد تعجب من قوم سبأ، كيف يسجدون للشمس من دون الله، فإذا كان أيها المسلمون هذا الهدهد من دعاة التوحيد فكيف بكم أيها المسلمون.
ويقول الرب تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 54].فهذه الآيات تدل على عظمة الرب تبارك وتعالى واستحقاقه بالعبودية.

من أفضل الكتب التي يمكن الرجوع إليها كتاب نفيس للشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله اسمه الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين، رسالة صغيرة فيما يقارب من ثمانين صفحة، ذكر فيها المؤلف رحمه الله أكثر، بل ذكر ثلاثة وثمانين وجها في الرد على شبه المشركين والملحدين وإبطال أصولهم، وبيان مخالفتها للشرع والفطرة والعقل والحس والأديان الصحيحة، فهي من أنفع الكتب والرسائل، وغيرها كثير، لكنها مفيدة لطالب العلم في تقوية إيمانه وأيضًا يحتاجها في دعوته، في الرد على شبه الملحدين وخاصة في هذا العصر في الإلحاد المعاصر، وكذلك شبه المشركين، التي هي أوهن من بيت العنكبوت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق