الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره السابعه )

تلخيص الدرس السابع
حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، و سده كل طريق يوصل إلى الشرك
وحمايته صلى الله عليه وسلم لحمى التوحيد..
عندما نقول الحماية نقصد بذلك حمى التوحيد، حمى الشيء هو السياج المانع من الوصول إليه، كما يقال حمى الأرض، يحمي الأرض لأجل الرعي فيها، ولهذا جاء في حديث النعمان بن بشير: «ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه»، فحمى الشيء يعني أن الإنسان يمنع من الوصول إليه، بحيث أنه إذا قرب منه وقع فيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام حمى جناب التوحيد، جناب التوحيد أي جانب التوحيد، فحذر من كل الوسائل التي تؤدي إلى الإخلال بالتوحيد.
وكذلك سد جميع الطرق التي توصل إلى الشرك، يعني الوسائل والذرائع التي توصل إلى الشرك، وقاعدة سد الذرائع من القواعد الكبرى في الشريعة، ليست خاصة بأبواب الفقه، بل هي كذلك في باب العقائد والتوحيد، فالنبي صلى الله عليه وسلم سد جميع الطرق التي يمكن أن توصل إلى الشرك، سواء في جانب الأفعال أو في جانب الأقوال والألفاظ.
من أمثلة حمايته عليه الصلاة والسلام لجناب التوحيد، وحمى التوحيد، أنه نهى عليه الصلاة والسلام عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله .. وذلك سدًا للذريعة والشبهة حتى لا يقتدي به آخر. قد يقتدي به من يقتدي، قد يوقع الشيطان في نفسه لأجل البركة، قد يستدرجه الشيطان إلى غير ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم سد هذا الباب، فنهى عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله، مثل ذلك نهي الله عز وجل الصحابة على الصلاة في مسجد الضرار، وهكذا ما يتعلق بالنهي عن التشبه بالمشركين والكفار، لأن التشابه في الظاهر قد يؤدي إلى الميل والتشابه في الباطن، فكل هذا من حماية جناب التوحيد.
وكذلك من أمثلة حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، تغليبه فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، يعبد الله  عند الله القبر، كأن يصلي عند القبر، أو يدعو عند القبر رجاء البركة، أو يتصدق عند القبر، فنهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك، كل ذلك حماية لجناب التوحيد.
 الأدلة .......
الدليل الأول .... قول الله تبارك وتعالى في سورة التوبة في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، أي من العرب ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾، أي يشق عليه عنتكم، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
فوصف الله عز وجل نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات العظيمة، بأنه منهم، وأنه عزيز عليه ما يشق عليهم، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. ثم قال: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 129]، فالأمر لله تبارك وتعالى من قبل ومن بعد، الهداية بيد الله....وجه الاستدلال بهذه الآية على حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد أن الله عز وجل وصف نبينا عليه الصلاة والسلام هذه الصفات العظيمة، التي مقتضاها مقتضى هذه الصفات، حرص على هدايتهم، وحرص على ما يوقعه في المشقة والعنت، ومن أعظم الأمور التي توقع العبد في المشقة والعنت هو الشرك، لأنه أقبح القبائح، وأعظم الذنوب، وأظلم الظلم...فإذا كان عليه الصلاة والسلام بالمؤمنين رؤوف رحيم، وعزيز عليه ما يشقهم، فلا شك أنه أحرص الناس على هدايتهم، وعلى حمايتهم من الوقوع في الشرك، لأنه أقبح القبائح وأعظم الذنوب.وكذلك حرص على هدايتهم إلى أعظم الحقوق، وهو حق الله تبارك وتعالى وهو التوحيد.
فهذه الأوصاف للنبي عليه الصلاة والسلام تقتضي أنه أنذر أمته وحذرهم من الشرك الذي هو أقبح القبائح وأعظم الذنوب، وهذا هو المقصود الأعظم من بعثته عليه الصلاة والسلام.
يستفاد من هذه الآية
أولا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد حذر أمته من الشرك، بل باعدهم عن الشرك، وسد كل طريق يفضي إليه، وشواهد هذا أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصى.
ثانيًا: التنبيه على نعمة الله عز وجل على عباده، بإرسال هذا الرسول الكريم، الذي وصفه الله عز وجل بهذه الصفات العظيمة، ومن هذه الصفات أنه منهم
ثالثًا: بيان رأفته عليه الصلاة والسلام، ورحمته بالمؤمنين، وهذه الرأفة وهذه الرحمة تقتضي أنه قد حرص على دلالتهم على كل خير، وحذرهم من كل شر.
الدليل الثاني .... ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» لأن القبور ليست مكانا للعبادة.... يعني المفهوم المخالف النهي عن أن تكون القبور موضع للعبادة، كالصلاة وقراءة القرآن، والصدقة، وغير ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا»، فالمعنى أحيوا البيوت بالعبادة، بطاعة الله بالصلاة النافلة فيها، أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، «فلا تجعلوا بيوتكم قبورا» أي لا يصلى فيها، لا يدعى فيها، لا يذكر الله فيها، بل أحيوها بالعبادة، ومن ذلك الصلاة النافلة.
قال: «ولا تجعلوا قبري عيدا»، يعني تعتادون وتترددون عليه لأجل الدعاء أو نحو ذلك، لأن العيد هو ما يعتاد ويتردد، فنهى عليه الصلاة والسلام أمته أن يعتادوا قبره، لأجل الدعاء، وهذا فيه حماية لجناب التوحيد، فكيف بقبر غيره عليه الصلاة والسلام، ثم قال: «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، قد يقول الذي يتردد على القبر أنني أذهب لأجل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنا أقول له أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تبلغه حيث كان، صلى الله عليه وسلم، وصلوا وسلموا عليه ، فمن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة صلى الله عليه بها عشرا، والبخيل من ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصلي عليه، صلوات الله وسلامه عليه....فصلاتنا بحمد الله تصل النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يلزم أن الإنسان يتردد على القبر بزعمه أني أذهب لأصلي أو أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، نقول صلاتك وسلامك عليه تبلغه فلا تحتاج أنك تتردد على القبر.
وجه الاستدلال من هذا الحديث على حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، أن فيه حسما لمادة الشرك، وسدا لجميع الطرق الموصلة إلى الشرك، حيث أفاد الحديث أن القبور لا يصلى عندها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا»، ونهى عليه الصلاة والسلام عن الاجتماع عند قبره واعتياد المجيء إليه، والتردد لأجل الصلاة أو لأجل الدعاء ونحو ذلك، فكل هذا فيه سد للذرائع الموصلة على الشرك، والغلو في الصالحين، ومن ذلك الغلو بالنبي عليه الصلاة والسلام...ومثل هذا يقال في سائر الغلو بالأنبياء والصالحين، وسيأتي إن شاء الله نماذج من نهيه عليه الصلاة والسلام عن الغلو فيه، حتى في جانب الألفاظ، كل ذلك دليل على حرصه عليه الصلاة والسلام على حماية جناب التوحيد وسد جميع الطرق الموصلة إلى الشرك.
يستفاد من هذا الحديث:
1ـ سد الطرق المفضية إلى الشرك، من الصلاة عند القبور، والغلو في القبور، حتى لو كان الإنسان في المقبرة وحان وقت الفريضة، لا يصلي في المقبر، كل ذلك حماية للتوحيد، قد يقول أنا قصدي حسن، أنا أريد أن أصلي الفرض، نقول: وإن كان، المقبرة ليست موضع الصلاة. وذلك أيضًا يدخل فيه النهي عن التردد على القبور لأي غرض كان، لأجل الدعاء له، أو لحصول البركة، أو الصدقة، أو نحو ذلك.
2ـ مشروعية الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام في أي مكان كان من الأرض، وأن ذلك يبلغه والحمد لله.
3ـ  لا مزية بالقرب من قبره عليه الصلاة والسلام، بل صلاتك وسلامك عليه أيها المصلي والمسلم على نبيك صلى الله عليه وسلم تبلغه حيث كنت، فلا مزية في القرب، وعليه بعض الناس الذي يقول ذهبت إلى القبر وأبلغه السلام، أو يقول يا فلان إذا زرت القبر بلغه سلامنا، هذا ليس له أصل. فسلامك وصلاتك على النبي صلى الله عليه وسلم تبلغه حيث كنت، فلا يحتاج أنك تقصد القبر لأجل أن تبلغه سلام فلان، أو صلاة فلان.
4ـ المنع من السفر لأجل زيارة القبر، لأن من اتخذه عيدا، فإن هذا يدخل فيه النهي عن زيارة القبر، وقد جاء فيه أحاديث صريحة عن نهيه عليه الصلاة والسلام عن شد الرحال للقبور.
5ـ حمايته صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، حيث نهى عن اعتياد وارتياد القبور، ومنها قبره عليه الصلاة والسلام، كل ذلك حماية لجانب التوحيد.
الدليل الثالث.... ما رواه علي بن الحسين بن علي، الملقب بزين العابدين، أفضل التابعين، المتوفى سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، يقول زين العابدين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني وجد عند القبر فرجة فكان يتردد عليها، فيدعو فيها، يعني يدعو هذا الرجل عند الفرجة، يرجو البركة ويرجو الشفاعة، كما تلاحظ أحيانا من بعض الجهال يترك الكعبة خلف ظهره، ويتجه إلى القبر، ويدعو.. فرأى علي بن الحسين زين العابدين هذا الرجل يأتي إلى فرجة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وهذا فيه إنكار المنكر، خاصة فيما يتعلق بالتوحيد، وما يتعلق بالشرك، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي، عن جدي، جده علي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.....الراوي لهذا هو علي رضي الله عنه، قال: «لا تتخذوا قبري عيدا» كما مر في الحديث السابق، يعني تعتادون تترددون الزيادة وتترددون الذهاب للقبر لغرض الدعاء أو البركة أو نحو ذلك، «ولا بيوتكم قبورا»، يعني لا يصلى فيها لأن القبور ليست موضع للصلاة، «فإن تسليمكم يبلغني أين ما كنتم، أو حيث ما كنتم»، يعني سواء الصلاة أو السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان المصلي والمسلم على النبي صلى الله عليه وسلم.
وجه الاستدلال بهذا الحديث .... أن فيه النهي عن قصد النبي صلى الله عليه وسلم لأجل الدعاء عنده، قد يقول أنا أدعو الله، نقول تدعو الله في أي مكان، لا يحتاج أنك تقصد القبر رجاء القبول، أو رجاء البركة، أو رجاء الشفاعة، فإذا كان هذا في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فما ظنكم بقبور الآخرين، من باب أولى، إذا كان هذا النهي في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقبور من دونه من باب أولى لا تقصد، لأجل الدعاء لأجل البركة، لأجل الصدقة، لأي غرض كان، كل هذا حماية لجناب التوحيد؛ لأن من فعل ذلك فقد اتخذها عيدا وهذه وسيلة من وسائل الشرك.
للأسف الملاحظ في كثير من بلدان المسلمين فيما مضى وفي الوقت الحاضر، يجد الخلل في ذلك، يجد الغلو في القبور، في بناء المساجد على القبور، في بناء القباب على القبور، يجد أفعال تفعل من بعض المسلمين عند القبور، ربما تطور الأمر إلى قرابين تذبح، ربما تطور الأمر إلى أن يستغاث ويطلب منها المدد وتفريج الكروب ومغفرة الذنوب، وكل هذا من كيد الشيطان لهذه الأمة، فما حذر عليه الصلاة والسلام خشية الوقوع للأسف يقع فيه طوائف من الأمة، فواجب على دعاة التوحيد إلى الله أن يحذروا المسلمين من هذه الوسائل المفضية إلى الشرك ومن مكائد الشيطان.
يستفاد من هذا الحديث
1ـ النهي عن الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الإنسان لا يقصد القبر بغرض الدعاء، لأن هذا وسيلة من وسائل الشرك، وحماية لجناب التوحيد.
2ـ فيه من الفوائد مشروعية إنكار المنكر، لأن علي بن الحسين لما رأى هذا الرجل يأتي إلى الفرجة فيقف فيدعوا فيها، أنكر عليه، وهكذا المسلم إذا رأى المنكر فينكره بحسب قدرته، إن كان صاحب صلاحية فينكر باليد وإن كان ليس له صلاحية باليد، فينكر باللسان بالحكمة والموعظة الحسنة، بالتوجيه والكلمة الطيبة، تعليم الجاهل، تنبيهه.
3ـ المنع من السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم حماية لجناب التوحيد، لأن الذي يسافر لأجل ذلك فيكون هذا وسيلة من وسائل الشرك.
4ـ أن الغرض الشرعي من زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم هو السلام عليه فقط، والصلاة ، لا لغرض الدعاء أو رجاء قبول الدعاء، أو طلب الشفاعة ونحو ذلك من الأمور التي هي من الشرك أو وسائل الشرك، والصلاة والسلام عليه تبلغه عليه الصلاة والسلام حيث كان المصلي والمسلم عليه.
هنا فائدة متفرعة عن هذه الأحاديث ... أن الزيارة الشرعية للقبور ومنها قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يشترط لها ثلاثة شروط: يشترط لزيارة القبور وهي سنة:
أولا: سلامة القصد، وذلك بأن ينوي الزائر لقبر النبي صلى الله عليه وسلم أو سائر القبور، ينوي طاعة الله عز وجل وتطبيق هذه السنة، وتحقيق القصد من الزيارة، والقصد من زيارة القبور أمران:
(1)ـ العظة والاعتبار بحال الأموات
(2)ـ الدعاء للميت... فأنت إذا أتيت تسلم وتدعو للميت.
ثانيًا: عدم السفر، وعدم شد الرحل لأجل زيارة القبور، سواء قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من القبور، لا تسافر لأجل زيارة القبر، ولهذا من الغلط أن بعض المسلمين إذا سافر للمدينة النبوية تجد أنه يقول سافرنا لأجل زيارة القبر، وهذا غلط، فالمسلم لما يسافر للمدينة، أو بعد الحج يسافر للمدينة، والغرض من هذا السفر هو زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم..الغرض هو الصلاة في المسجد النبوي، لأن الرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد، فنقول للمسلم الذي يذهب للمدينة النبوية أنك تستحضر هذه النية، أنك تصلي في المسجد النبوي، ولهذا إذا دخل المدينة أول ما يبدأ به..الصلاة في المسجد
هو جاء لغرض الصلاة في المسجد، فنقول تبدأ فتبادر في الصلاة في المسجد، وإذا تيسر لك الصلاة في الروضة الشريفة فهو أفضل ما يكون، ثم بعد ذلك، لا بأس أن تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإن زيارة القبور من السنة، إذن هو قصد بذهابه للمدينة زيارة المسجد النبوي والصلاة فيه، لا لزيارة القبر، ولهذا الغلط الذي حصل من بعض الناس، في فهمهم لفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأنه ينكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، هو لا ينكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ينكر شد الرحل لأجل الزيارة، ففرق بين المسألتين، فحصل غلط وسوء الفهم، واتهام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنه يحرم زيارة القبور، ويحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والأمر ليس كذلك.
إنما الذي حرم شد الرحل للقبور وشد الرحل لأجل الزيارة هو النبي صلى الله عليه وسلم وليس ابن تيمية.
فينبغي للمسلم الذاهب للمدينة النبوية أن يستحضر أنه ذاهب لزيارة المسجد النبوي وذاهب للصلاة فيه، ثم تأتي زيارة القبر بالتبع.
ثالثًا: إلقاء السلام على الموتى، تسلم ثم بعد ذلك تدعو لهم، وتستغفر لهم...هذا هو المشروع، وما عدا ذلك من الصلاة عند القبور، أو طلب الشفاعة من أصحاب القبور، أو قصد البركة أو رجاء قبول الدعاء، أو نحو ذلك، كل ذلك من الأمور المحدثة الموصلة إلى الشرك.
فهذه ضوابط للزائر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم والقبور عموما.
تنقسم زيارة القبور إلى قسمين:....زيارة شرعية، وزيارة شركية.
الزيارة الشرعية: هي الزيارة التي يقصد بها نفع الأموات، والاتعاظ والاعتبار بحالهم، هذه الزيارة المشروعة، بدون شد الرحال، وهذه سنة، يزور القبور لأجل يتعظ ويعتبر بحال الموتى، وكذلك يسلم ويدعو لهم.
الزيارة البدعية الشركية: وهي الزيارة التي يقصد بها الانتفاع بالأموات، ما ذهب لنفعهم، وإنما ذهب لأجل الانتفاع، إما طلب الشفاعة، أو طلب الدعاء، أو رجاء البركة، أو غير ذلك من الأمور الشركية، أو المفضية إلى الشرك.
كما أنه عليه الصلاة والسلام حمى جناب التوحيد، حَمى أيضًا حِمى التوحيد ، والحِمى حِمى التوحيد معناه أعمق .
يعني الإنسان لا يقرب حول الحمى لأنه إذا قرب من الحمى، أوشك أن يقع، فهو حمَى حمى التوحيد، فالمعنى أدق، حمى جناب التوحيد، ثم حَمى حِمى التوحيد، يعني الألفاظ والأفعال التي تكون وسيلة للقرب من حمى التوحيد، أي تكون وسيلة وذريعة للشرك.
من حمايته عليه الصلاة والسلام لحمى التوحيد المعنى أدق هنا وانتبه، أنه صانه عما يشوبه من الألفاظ والأعمال والأقوال التي تضاد بالتوحيد أو تنقصه، ثم سد جميع الطرق التي توصل للشرك، سواء كانت ألفاظ موهمة، قد يكون القاصد لها لا يقصد الشرك، لكن ينهى عنها لأنها وسيلة وذريعة، يعني مثل الذي يتشبه بالمشركين، قد لا يقصد التشبه، يمنع أو لا يمنع؟ يمنع.. وإن كان هو يقول أنا ما قصدت التشبه، نقول وإن لم تقصد التشبه، كل ذلك حماية للتوحيد، حتى يكون خالصا لوجه الله، ولهذا الألفاظ والأقوال الموهمة يمنع المرء منها لأجل حماية التوحيد.
ولهذا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: 104]، لماذا نهاهم الله عن كلمة راعنا، لأنها كلمة موهمة لمعاني باطلة، فهذا نقول الألفاظ والأقوال التي توهم الشرك وتكون مدخل للشرك يجتنبها المرء.
من شواهد ذلك ما جاء عن عبد الله بن الشخير الصحابي الجليل الذي أسلم يوم الفتح، قال: انطلقت في وفد بني عامر، أي في وفد قومه، والوفود غالبا هي جاءت في العام التاسع، فيكون هذا كان في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: فقلنا أي للنبي صلى الله عليه وسلم أنت سيدنا –اللفظة، جائزة ..لا بأس بها...فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «السيد الله تبارك وتعالى»، هذا حماية لحمى التوحيد، لم يقل سيدكم هو الله، وإنما قال: «السيد»، بإطلاق، أي الذي له السؤدد الكامل التام هو الله، لما قالوا: أنت سيدنا، فنبههم إلى الاحتراز، قال: «السيد» الذي له السؤدد المطلق هو الله تبارك وتعالى،فقال الوفد: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، يعني كرما وفضلا كل هذا مدح للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «قولوا بقولكم»،  أجازهم على هذا، لكن قال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرنكم الشيطان»، يعني الإنسان لا يبالغ في الألفاظ والألقاب والمدح حتى يستجره الشيطان، يستهويه لما هو أعظم، فهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام، فكأنه أرشدهم إلى ما أولى، في أنكم تصفونه عليه الصلاة والسلام بما وصفه الله به، يا رسول الله، لكن المبالغة أحيانا في الألفاظ، قد يستجره الشيطان إلى ما هو أعظم من ذلك.
يستفاد من هذا الحديث
(1)ــ النهي عن الغلو في المدح، إذا كان في النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بغيره، وكذلك استعمال الألفاظ المتكلفة التي ربما توقع الإنسان في الشرك، أحيانا تجد بعض الناس تجري على ألسنتهم ألفاظ قد لا يقصدونها، تجد من العبارات أحيانا بعض الناس يقول: خير يا طير إذا دخل عليهم فلان، دخل عليه زميله أو كذا قال: خير يا طير، هذه من الألفاظ التشاؤم والجاهلية، تجد مثلا في بعض الزواجات، تجدها في الصحف إذا أرادوا أن يباركوا لإنسان بالزواج، بالرفاء والبنين، هذه ألفاظ الجاهلية لأنهم يتشاءمون بالبنات، فنقول: الإنسان ينبغي عليه أن يتحرز في الألفاظ، حتى لوكان قصده حسنا، لو كان قصده فيُنبه ويعلم بحيث تكون ألفاظه غير متكلفة، لا تكون موهمة يستدرجه الشيطان إلى ما هو محذور وممنوع.
والتوحيد الخالص لا يتم إلا بتجنب كل قول يفضي إلى الغلو في المخلوق، أو يخشى منه الغلو والوقوع في المخلوق، خاصة فيما يتعلق بالألفاظ، فهذا نهيه عليه الصلاة والسلام حماية لحمى التوحيد، حتى الشيطان لا يستدرج المرء يستهويه ويزين له فيغلو، ولهذا يصف النبي صلى الله عليه وسلم بما وصفه الله عز وجل، ولا يبالغ في ذلك، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو فيه وعن إطراءه كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، قال: «إنما أنا عبد الله ورسوله»، لا تجد الخطباء والوعاظ إذا افتتحوا الخطب، قالوا: ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، فهو عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب صلوات الله وسلامه عليه.قد يقول قائل: هذا النهي قد يعارضه حديث «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر»، وحديث: «قوموا لسيدكم»، فالجواب أن يقال: أن النهي هنا جاء على سبيل الأدب، والإباحة جاءت سبيل الجواز، فهذا للجمع ثانيا أن يقول النهي حيث يخشى منه المفسدة، خاصة إذا كان يعني مثلا يخشى منه الغلو، فإنه ينهى عن ذلك، إذا كان ذريعة للمفسدة، والإباحة إذا لم يكن ثمة محذور.ومنهم من قال النهي في حال الخطاب، لما تخاطب الإنسان وتمدحه، فهذا منهي عنه، أما في حال الغيبة فيجوز، ومن أهل العلم من قال لا تعارض أصلا بينهما، ليس هناك تعارض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم أن يقولوا بقولهم أو بعض قولهم، لكن نهاهم عن أن يستجرنهم الشيطان إلى ما أعظم من ذلك، فيطلقوا على النبي صلى الله عليه وسلم السيد بإطلاق. فالشيطان قد يستدرج الإنسان إلى ما هو أعظم من هذا.
(2)ــ تواضعه عليه الصلاة والسلام وتأدبه مع ربه تبارك وتعالى، وهكذا ينبغي للمسلم أن يتأدب مع خالقه عزوجل
فالنهي عن الغلو في المدح، ومواجهة الإنسان بذلك، وجاءت الأحاديث في هذا وهي كثيرة، أن السؤدد حقيقة لله، السيد بإطلاق هذا وصف الله تبارك وتعالى، فلا ينبغي للإنسان أن يوصف بالسيد بإطلاق لأن هذا خاص بالله عز وجل، لكن يجوز بقيد، تقول: سيد بني فلان، سيد الخلق، لكن السيد، لهذا أحيانا تجد بعض الناس اسمه السيد، وهذا ينبغي أن يغير، لأن السيد في إطلاق هو الله، لو قال أنا لا أقصد نقول وإن كان تبقى ألفاظ موهمة والسلامة لا يعدلها شيء.
(3)ـ النهي عن التكلف في الألفاظ، وأنه ينبغي الاقتصاد في المقال، وحماية التوحيد عما يدخل به، سواء في الأقوال أو الألفاظ أو الأفعال أو نحو ذلك.
أخيرا عن أنس رضي الله عنه أن ناسا قالوا يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان»، كما مر، كما سبق في الحديث السابق، «أنا محمد عبد الله ورسوله»، هذا من تواضعه، فيوصف بما وصفه الله به، وقد وصفه الله بالعبودية في أعلى مقامات التشريف.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]، قال: «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل»، وهذا كله حماية للتوحيد وتنزيه الرب تبارك وتعالى، فنهى عليه الصلاة والسلام أن يمدح بغير ما وصفه الله به صيانة للتوحيد، وسدا لذرائع الشرك، وللأسف تجد أحيانا في ما يمسى بالموالد الغلو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، والزعم أنه يعلم الغيب، والزعم أنه يلجأ إليه في الشدائد، حتى لو ادعى من ادعى بأن هذا من حب النبي صلى الله عليه وسلم، نقول هؤلاء الذين يدعون حبه هم من أبعد الناس عن سنته، وحبه يكون باتباعه عليه الصلاة والسلام، وليس بالغلو فيه،والإطراء الذي قد نهى عليه الصلاة والسلام.
فهذا الحديث فيه النهي عن الغلو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وفيه غيره، وفيه تواضعه عليه الصلاة والسلام وحرصه على صيانة جناب التوحيد، وأنه عبد الله ورسوله، والتحذير من كيد الشيطان الذي ربما يستدرج الإنسان في الألفاظ والتصرفات.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق