الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره الثالثه )

العقيدة
تلخيص المحاضرة الثالثة
تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله
 التوحيد هو أعظم الواجبات، وهو أوجب الحقوق على العبد، ولهذا فالعناية به مذاكرة له، ومراجعة، هو من أجل وأعظم القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه عز وجل، لأنه يتقرب إلى الله عز وجل بتعلم ومدارسة ومذاكرة أعظم حق عليه ألا وهو حق الله تبارك وتعالى على العباد، ألا وهو التوحيد.
أولا تعريف التوحيد:.
في اللغة ............هو مصدر وحد يوحد توحيدا، فهو يعني الإفراد، فالتوحيد في اللغة هو الإفراد.
في الشرع......... فإن التوحيد هو إفراد الله عز وجل بما يختص به، والذي يختص به الرب تبارك وتعالى هو التعظيم
والألوهية والأسماء والصفات..
 هذا التعريف للتوحيد هو تعريف عام، إفراد الرب تبارك وتعالى بما يختص به، والرب تبارك وتعالى يختص بالربوبية ويختص بالألوهية ويختص بالأسماء والصفات.
من أهل العلم من عرف التوحيد بتعريف مفصل، فقال: هو إفراد الله بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
هذين  التعريفين  ليس بينهما اختلاف، الأول مجمل، والثاني مفصل، ولهذا  في تعريف أهل العلم، الاختلاف فى هذه العبارات والإطلاقات هو اختلاف تنوع، اختلاف اللفظ، لا اختلاف تضاد.
التعريف الثالث،  من أهل العلم من فسر التوحيد، فقال: التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهذا التعريف للتوحيد، هو تعريف له بأهم أنواعه، لأن أهم أنواع التوحيد، هو توحيد الألوهية، الذي يسمى بتوحيد العبادة.فعرف التوحيد بأهم أنواعه
 هذا العلم علم العقيدة، يسمى بعلم التوحيد، من باب تسمية الشيء بأهم أنواعه، وهكذا هنا التوحيد يعرف بأنه إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة، وهو تعريف للتوحيد بأهم أنواعه، ومعلوم أن توحيد الألوهية أو توحيد العبادة يتضمن النوعين الآخرين.وهذا هو التوحيد في الشرع الذي من أجله خلق الله الخلق، من أجله أرسل الرسل، من أجله أنزل الكتب، هذا التوحيد الذي من حققه دخل الجنة، ونجا من النار، بهذا المعنى، إفراد الله بما يختص به، إفراده تبارك وتعالى بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وإفراده بالعبادة.
                                                            أقسام التوحيد             
 


توحيد الربوبية                                 توحيد الأسماء والصفات                                    توحيد الألوهية.

أولًا :توحيد الربوبية:
هو الاعتقاد الجازم بأن الله عز وجل وحده هو الخالق لا شريك له، الرازق لا شريك له، المحيي لا شريك له، المميت لا شريك له، المدبر لشئون خلقه لا شريك له عز وجل في ذلك.
هو توحيد الله بأفعاله عز وجل، فلا تجعل معه شريك في الخلق والأمر، والإحياء والإماتة، والرزق، ولهذا من أهل العلم من يفسره بعبارة مختصرة، فيقول: توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله، يعني لا تجعل معه شريك عز وجل في أفعاله، أي تعتقد بأنه سبحانه وحده الرب، لا شريك له، ولا معين له في خلقه عز وجل.هذا التوحيد منسوب إلى  توحيد الربوبية منسوب إلى الرب، والرب من له الخلق والأمر والملك، إذن هذا التوحيد منسوب إلى الرب والربوبية، والرب من له الخلق والأمر والملك، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا رازق إلا الله عز وجل، يدل على هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام) (الأعراف: 54)  فقوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾، بين الرب والإله فرق فدل على ثمة فرق بين الربوبية والألوهية، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ هذه الصفة الأولى، ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، هذه صفات الربوبية، فكما لا خالق إلا الله، لا آمر ولا ناهي إلا هو تبارك الله رب العالمين.
ويقول تبارك وتعالى ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 189]، ويقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: 13].
خصائص الربوبية التي لا يستحقها إلا الرب تبارك وتعالى، مثل الخلق والأمر والتدبير والإحياء والإماتة، والرزق، فلا تصرف لغير الله، فمن صرفها لغير الله فقد جعل مع الله شريكا في الربوبية، كائنا من كان، حتى لو صرفها لملك من الملائكة، أو صرفها لنبي من الأنبياء، فلا يجوز أن تصرف لغير الله، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، فما دونهم من باب أولى، لا تصرف لأموات، لا تصرف لأشجار، لأحجار، لا تصرف للطبيعة، فيوجد أحيانا من الناس من ينسب الحوادث الكونية أو الحوادث الأرضية للطبيعة، على أن الطبيعة هي الفاعلة بزعمهم، أن الطبيعة هي التي تسبب هذه الكوارث والفيضانات والبراكين والكسوف والخسوف، فينسب الحوادث إلى الطبيعة على أنها الفاعلة وهذا شرك في الربوبية،  هو جعل مع الله شريكًا يصرف الكون، فمن جعل مع الله شريك في تدبير هذا الكون أو معين أو نسبها لغير الله فقد أشرك في الربوبية، فهذا هو توحيد الربوبية.
هذا التوحيد الشرك فيه قليل، بل نادر، فلا يوجد في تاريخ البشرية السابق، من أنكر توحيد الربوبية، إلا على جهة المكابرة والمعاندة، حتى فرعون الذي ادعى الربوبية لم يدعيها اعتقادا أنه هو الرب، وإنما دعاها مكابرة، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].
المشركون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ولم ينكروها.
والدليل .....على أنهم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت، يلجئون إليه في  الشدائد، قد حكم الله جل وعلا بكفرهم وشركهم، فكانوا يقرون بتوحيد الربوبية، والدليل قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: 84، 85]}.لذلك هم يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق لهذا الكون، ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ  * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: 84- 87]، ليس عندهم إشكال في هذا ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ ولَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 87- 89]
لكنهم كانوا مشركين لأنهم أشركوا مع الله عز وجل في توحيد الألوهية.وتوحيد الألوهية في العبادة، فصرفوا العبادة لغير الله، أما الربوبية فيقرون بها ، وكانوا يقولون إن للبيت ربا يحميه، فكانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وهكذا الآيات في القرآن كثيرة التي تؤكد أن مشركي الجاهلية كانوا يقرون بهذا النوع من التوحيد. بل إبليس وهو أكثر الكفرة لا يشك أحد في كفره، كان يقر بهذا النوع من التوحيد... توحيد الربوبية ..... والدليل..... قول الله تبارك وتعالى في سورة الحجر..﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [ص: 76، 80]}. الشاهد.....﴿قَالَ رَبِّ﴾.
إذن هو يعترف بأن الله رب، ويعترف بأن هناك بعث، ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، هذا إبليس أكفر الكفرة، فيعترف بالربوبية، ويعترف بالبعث، و يؤمن بالجنة والنار، ولكن كان أكفر الكفرة لأنه كفر بالله  إباءًا واستكبارًا، لما أمره الله بالسجود أبى، ولهذا الكفر ليس هو إنكار الخالق فقط، أو الشك في وجود الخالق، بل يكون بالإنكار، ويكون بالشك، ويكون بالإباء والاستكبار، ككفر إبليس، ويكون بالإعراض ككفر أبي طالب، و يكون بالنفاق ويكون بالشك، فلهذا إبليس وهو أكفر الكفرة كان يقر بتوحيد الربوبية.
ولهذا من الغلط أن يفسر التوحيد بتوحيد الربوبية، ويهمل توحيد الألوهية، هذا التوحيد وإن كان له أهميته، ويستلزم توحيد الألوهية، إلا أنه ليس هو المقصود ابتداء من إرسال الرسل وإنزال الكتب وخلق الخلق، لأن هذا موجود لدى المشركين، وموجود لدى أكفر الكفرة وهو إبليس.
ثانيًا : توحيد الأسماء والصفات.
وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة، من الأسماء الحسنى والصفات العلى، على الوصف اللائق به عز وجل، من غير تحريف لهذه الأسماء والصفات، ومن غير تعطيل لها, ومن غير تكييف لمعانيها وكيفياتها, ومن غير تمثيل لها بصفات المخلوقين وكذلك نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، ونفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، يدل على هذا قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]، ويقول عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فقولنا إثبات ما أثبته الله لنفسه، مثل  قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.هذا من حيث العموم.
لكن من حيث التفصيل... مثل قوله تعالى﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فنثبت لله أنه سميع وبصير ونثبت له صفة السمع والبصر.
والنفي مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هذا على جهة الإجمال
أماعلى جهة التفصيل، مثل: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3].
فما أثبته الله لنفسه في كتابه نثبته، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة نثبته، وما نفاه الله عن نفسه في كتابه ننفيه، وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ننفيه.وما لم يرد به نفي ولا إثبات نتوقف في اللفظ، ونستفصل في المعنى، فإذا وافق ما دل عليه الكتاب والسنة من المعاني، أثبتنا المعنى، وما لم يوافق فإننا ننفيه عن الرب تبارك وتعالى.وهذه هي القاعدة في باب الأسماء والصفات كما دلت عليها الآيات، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
هذا التوحيد يعني أنك تثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه، وما ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتنفي عن الله ما نفاه عن نفسه، ونفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم, من غير تحريف.
 التحريف هو تغيير المعنى..... مثال: الرب تبارك وتعالى يقول كما في الآية السابقة ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 55]، فنحن نثبت أن الله عز وجل استوى على عرشه استواء يليق بجلاله، التحريف أن يحرف هذا المعنى إلى معنى آخر، فيقول: استوى بمعنى استولى، وهذا تحريف لمعنى الاستواء، وتحريف لكلام الله، ثم إن لهذا التحريف لوازم باطلة، إذا قلت بأن استوى بمعنى استولى، أصبح لا خصوصية للعرش، لأن استيلاء الله عز وجل ليس خاصا بالعرش، بل هو عز وجل مستول على كل المخلوقات، فيلزم من هذا التحريف وهو تغيير المعنى يلزم منه لوازم باطلة.
أيضًا يقول تبارك وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، الآية فيها إثبات صفة المجيء لله، فنثبت لله هذه الصفة على الوجه اللائق به، المحرفة يقولون وجاء أمر ربك، تحريف للمعنى وتحريف للفظ.
مثال في السنة النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « ينزل ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر ».فنؤمن بأنه عز وجل ينزل نزولا يليق بجلاله حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: « هل من مستغفر  فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له »، كما أنه عز وجل ينزل عشية عرفة يباهي بأهل عرفة ملائكته، فأهل الحق المؤمنون بالكتاب والسنة، يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه عز وجل أعلم بنفسه وأحسن حديثا، وأصدق قيلا، وهكذا رسله عليهم الصلاة والسلام.نؤمن بذلك من غير تحريف ولا تعطيل.
 التعطيل هو النفي.... يأتي من ينفي المعاني، فيبطل معاني تلك الآيات والأحاديث، أيضًا هذا رد لكلام الله عز وجل، والله قد أمر بالإيمان بالقرآن وبتدبر القرآن، والقرآن قد نزل بلسان عربي مبين، ولهذا لم يشكل على الصحابة، بل لم يشرك على المشركين، لم يستشكلوا ما يتعلق بآيات الصفات والأسماء الواردة في الصفات.
ولا التكييف.... التكييف هو بيان الكيفية.... لأن الله عز وجل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فلا يؤمنون بالكيفية، ولا تمثيل، أي لا يشبهونه عز وجل بصفات المخلوقين..
النوع الثالث توحيد الألوهية
 وهو إفراد الله عز وجل بأفعال العباد، كالخضوع والذل والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة، ونحوها.. فيصرفها لله عز وجل وحده لا شريك له، فلا يجعل مع الله شريك في الحب ولا في الخوف ولا في الرجاء ولا في التوكل، وفي الرغبة، ولا في الرهبة، ولا في الذبح ولا في النذر، ولا في سائر أنواع العبادة.
هو إفراد الله وحده بالخضوع والذل والمحبة والخشوع وسائر أنواع العبادة.
والعبادة تعرف بتعريفين
الأول:  من حيث ذاتها: هي التذلل والخضوع لله عز وجل محبة وتعظيما
الثانى :من حيث أنواعها: هى اسم جامع لكل ما يحبه الله عز وجل ويرضاه، من الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة.
هذه العبادة بهذا المفهوم تفرد لله وحده، فالتذلل والخضوع يكون لله مع المحبة والتعظيم، وسائر أنواع العبادة تكون لله وحده لا شريك له، ولهذا يسمى هذا النوع من التوحيد بتوحيد العبادة، لأن الألوهية معناها العبادة، أله يؤله ألوهة وإلاهة أي عبودية، ولهذا يسمى بتوحيد الإلهية أو توحيد الألوهية، لإن الإله معناه المألوه المعبود، ولهذا يسمى هذا النوع من التوحيد بتوحيد العبادة، فهو منسوب إلى الإله، والإله يختلف عن الرب، الإله معناه المألوه المعبود، والرب من له الخلق والأمر والملك.
فتوحيد الربوبية منسوب للرب، وتوحيد الألوهية منسوب للإله أي المألوه المعبود، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]، إلهكم يعني معبودكم، والنبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن معلما وقاضيا قال له:« إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه، شهادة أن لا إله إلا الله» وفي رواية للبخاري: « أن يوحدوا الله »، فدل على أن التوحيد هو شهادة أن لا إله إلا الله.
العلاقة بين هذه الأنواع الثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، أن توحيد الربوبية فيستلزم توحيد الألوهية، بمعنى أن من أقر بأن الله هو الخالق، والرازق، والمحيي والمميت، والمتصرف في هذا الكون، يلزمه أن يعبده، ولهذا احتج الرسل على أقوامهم بذلك، قالوا: إذا أقررتم بأن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت، يلزمكم أن تعبدوه. وبناء على هذا التعريف قد يوجد من يقر بالربوبية ولا يقر بالألوهية، كحال إبليس، وحال مشركوي الجاهلية، من أقر بالألوهية فهو جزما قد أقر بالربوبية.
قال أهل العلم بأن العلاقة بين الألوهية والربوبية علاقة التضمن، لأن من عبد الله عز وجل وخضع له، وامتثل أمره، واجتنب نهيه، وعظمه، فهو ضمنا مقر بتوحيد الربوبية. ولهذا الرسل اهتموا بهذا النوع من التوحيد، لأنه يتضمن النوع الأول،وهذا هو الذي ينبغي أن يعنى به، يعتني به العلماء والدعاة، لأن الإنسان إذا أقر به، فهو ضمنا قد أقر بالنوع الأول، أما أن يقر بالربوبية فقط،فلا يكفي في دخول الجنة والنجاة من النار، لا يكفي، لأن إبليس يقر به، والمشركون يقرون به، ولهذا نقول إن توحيد الألوهية هو أهم أنواع التوحيد، وهو يتضمن النوعين الآخرين.
أما توحيد الأسماء والصفات فإنه يشمل النوعين الآخرين...... لأن من أقر بعظمة الرب تبارك وتعالى، وصفاته، ومنها صفة العلم وصفة الحكمة، وغيرها من الصفات فهو بلا شك قد أقر بالألوهية والربوبية، يدل على هذا التلازم أول أمر في كتاب الله عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21، 22]}.هذا هو أول أمر في كتاب الله، في سورة البقرة، في الآية الحادية والعشرون والتي بعدها الثانية والعشرون فيها أول نهي.قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ هناك فرق بين العبودية والألوهية، وهذا يدل على التلازم ... أي إذا أقررتم أيها الناس أن الله عز وجل هو الرب، فيلزمكم أن تعبدوه، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، إذا أقررتم بأن هو الخالق الرازق المحيي المميت، فيلزمكم أن تعبدوه، فلهذا قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، هذا توحيد ربوبية ,﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فالشاهد هذه الآية فيها إلزام من أقر بالربوبية أن يعبد الله عز وجل.
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية  أن الرب سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة، فإذا أقررتم أيها الناس أن الله عز وجل هو المدبر لهذا الكون، وهو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو المصرف، فيلزمكم أن تعبدوه، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾.
هذا التقسيم للتوحيد بأنواعه الثلاثة له أضاد
 فإذا عرفت توحيد الربوبية .....الذي هو الإقرار بأن الله عز وجل هو الخالق الرازق المحيي المميت، المتصرف في شئون خلقه، وحده لا شريك له، فضد ذلك هواعتقاد أن هناك شريك مع الله، يصرف الكون، أو معين، فمن اعتقد هذا الاعتقاد فقد جعل مع الله شريكا في ربوبية.
إذا عرفت توحيد الأسماء والصفات........وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، فضد ذلك هو الإلحاد، إما بتحريفها عن معانيها، أو بنفيها وتعطيلها، أو بتكيفيها، أو بتمثيلها، أو بتسمية الله ما لم يسم به نفسه، فهذا ضد هذا التوحيد.
إذا أقررت بأن الله عز وجل هو المستحق للعبادة، وأنه عز وجل يجب أن يفرد بجميع أنواع العبادة من الحب، والخوف، والرجاء، والرغبة، والرهبة، والتوكل، والذبح، والنذر، والحج، وغير ذلك.. فصرف شيء من هذه الأنواع لغير الله، حتى لو صرفها لله ولغير الله، فقد جعل مع الله شريكا في توحيد الألوهية، الذي هو توحيد العبادة، وهذا التوحيد هو الذي وقع فيه الخلاف بين الرسل وبين أقوامهم، والغالب في البشرية هو الشرك في عبودية الله تبارك وتعالى أي الشرك في الألوهية.
هذا التقسيم للتوحيد بهذه الأنواع الثلاثة هو تقسيم شرعي، وليس تقسيم اصطلاحي محدث، لأن من الناس من يقول من أين أتيتم بهذا التقسيم، التوحيد واحد وانتهينا، من أين أتيتم بربوبية وألوهية وأسماء وصفات، فتجده يعترض على هذا التقسيم، ويعتبر أن هذا التقسيم مما أحدثه العلماء المتأخرون، هذه الدعوة وهذا الزعم بعيد عن الصحة لأن بالاستقراء في القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأقسام موجودة في القرآن وفي السنة.
والرد على من يعترض أن أول سورة في المصحف سورة الفاتحة، قال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2- 4]
 ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذه فيها توحيد ألوهية ....﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ ..توحيد ربوبيه... ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.. توحيد الأسماء والصفات، فهذه الأنواع الثلاثة في أول المصحف وفي أول آيتين منه، نجد هذا التقسيم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾......هذا التقسيم أخذه أهل العلم بالتتبع والاستقراء لنصوص الكتاب والسنة، فدلت نصوص الشرع المطهر على هذا التقسيم للتوحيد، كما دل عليه كتاب الله في أول سورة.
في آخر سورة وهي سورة الناس، يقول الله فيها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]، هذه فيها توحيد الربوبية، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: 2]..ربوبية أيضًا وقد تكون أسماء وصفات، إثبات صفة الملك...﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 3]، الألوهية.
 فالمصحف في أوله وفي آخره يدل على هذا التقسيم. والشواهد كثيرة،ففي سورة مريم يقول تبارك وتعالى:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]،  توحيد الربوبية في قوله تعالى ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، و توحيد الألوهية في قوله تعالى﴿فَاعْبُدْهُ﴾}.
﴿ فَاعْبُدْهُ﴾ توحيد العبودية التي هي توحيد الإله، وأين توحيد الأسماء والصفات، ﴿هل تعلم له سميا﴾.
إذن نقول هذا التقسيم ليس تقسيما اصطلاحيا، تقسيما محدثا، تقسيما بدعيا، بل هو تقسيم شرعي دلت عليه نصوص الشرع، بل دل عليه كتاب الله في أوله وفي خاتمته، في سورة الفاتحة وفي سورة الناس، وفي سور عديدة، فهذا التقسيم للتوحيد هو تقسيم شرعي.
وبناء على هذا المفهوم، فمعنى كلمة التوحيد التي دعى إليها جميع أنبياء الله كما قال عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، معنى هذه الكلمة يترتب على فهم التوحيد، فمن فهم التوحيد فهما صحيحا، فسر هذه الكلمة تفسيرا صحيحا، وطبقها تطبيقا صحيحا، من فهم التوحيد فهما خاطئا فهما قاصرا أخطأ في فهم هذه الكلمة، وطبقها كذلك تطبيقا خاطئا.ولهذا المتأمل في حياة بعض المسلمين يجد الخلل في العبودية والخلل في التوحيد، وهذا الخلل سببه الخلل في فهم التوحيد، والخلل في فهم كلمة التوحيد، ولهذا أخطأ من فسر التوحيد بتوحيد الربوبية، وفسر كلمة التوحيد بأن الله هو الخالق والرازق، ولو كان هذا معناها لأقر بها أهل الجاهلية، فيجب بيان أهمية التوحيد للناس، الذي هو أعظم الحقوق وأوجب الواجبات، أول واجب وآخر واجب، ولهذا مهمة العلماء وطلاب العلم أن يوضحوا للناس ويبينوا للناس حقيقة التوحيد، وحقيقة معنى لا إله إلا الله، حتى يعبدوا الله عز وجل على بصيرة، ويفهموا دينهم فهما صحيحا، ثم يطبقوه تطبيقا صحيحا، فيسودوا ويقودوا العالم، ولهذا ما تخلف المسلمون إلا بسبب انحرافهم عن دينهم الصحيح، لما وقع الخلل والقصور عندهم ضعفوا وتسلط عليهم أعداؤهم.
معنى لا إله إلا الله.......... لا معبود بحق إلا الله
فسرت لا إله إلا الله بأنها تعني نفي العبودية عما سوى الله، وإثبات العبودية لله وحده، وفسرت بتوحيد الألوهية، ولم تفسر بتوحيد الربوبية.......وذلك من عدة جهات
الجهه الأولى .....أن توحيد الربوبية يقر به الجميع.... يقر به إبليس ويقر به المشركون.. ويقر به جميع البشر.
الجهة الثانية ......أن كلمة إله تختلف عن كلمة رب، لأن الرب من له الخلق والأمر والملك، والإله معناه المعبود، الجهه الثالثة.....  جهة اللغة أن الإله معناه المعبود، لا إله أي لا معبود بحق،وقلنا كلمة حق، لأنه توجد معبودات بالباطل، بغير حق، فيكون معناها لا معبود بحق إلا الله، لا يستحق العبادة إلا الله، هذا هو معنى كلمة لا إله إلا الله.
ويدل على هذا قول الله تبارك وتعالى عن إمام الموحدين، إمام الحنفاء، خليل الرحمن، أنه قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26]، هم يعبدون معبودات ... ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ* إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: 26، 27]، فهذه الآية اشتملت على النفي والإثبات، النفي فى قوله ﴿براء مما تعبدون﴾، وهذا معنى لا إله..
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ، وهذا هو الإثبات في معنى قوله إلا الله.ففي هذه الآية بيان معنى لا إله إلا الله، ولهذا قال الله عز وجل بعدها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: 28]، هذه الكلمة من العلماء من قال هي لا إله إلا الله، ومنهم من قال معنى لا إله إلا الله.
والمشركون عبدة الأصنام كانوا يعرفون هذا المعنى لأنهم أهل لغة، ويقرون بالربوبية، ولهذا لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، أبوا، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]، فكانوا يعرفون هذا المعنى، ولهذا أبوا أن يقولوها، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لعمه وهو على فراش الموت، قال «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله »، كان عنده أبو جهل، وعرف المعنى عرف ما تعني لا إله إلا الله، فقال له:أترغب عن ملة عبد المطلب........فهم أن لا إله إلا الله معناها براءة من ملة عبد المطلب التي هي الشرك، ولهذا أبو جهل فقه لا إله إلا الله، ولهذا قال بعض أهل العلم: قبح الله من مشرك الجاهلية أفقه منه بلا إله إلا الله، يعني هذا مشرك ومع ذلك عرف المعنى، لكن للأسف من ينتسب للإسلام، لا يعرف المعنى.بل يوجد أحيانا ممن ينتسب إلى الإسلام، تسأله ما معنى لا إله إلا الله، يقول : تعني لا خالق لا رازق لا قادر على الاختراع إلا الله، ليس هذا المعنى، لو كان هذا معناها كان أقر بها أبو جهل وأبو طالب وغيره، فهذا التفسير الخاطئ لهذه الكلمة، من جهة اللغة، ومن جهة أدلة الشرع، فلذلك تفسيرها بأنها تعني لا خالق لا رازق لا محيي لا مميت، تفسير قاصر، ليس هذا المقصود من هذا الكلام. بل المقصود، وإن كان هو صحيح من وجه، لكنه قاصر وناقص، فتفسيرها الصحيح تفسيرها التام، أنها تعني لا معبود بحق إلا الله، لا يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له. ولهذا أبى المشركون أن يقولوا لا إله إلا الله، لأنهم عرفوا ماذا تعني لا إله إلا الله، وعرفوا ماذا يستلزم من قول لا إله إلا الله، أنك تعبد الله وحده لا شريك له.
ويدل أيضًا على هذا المعنى الآيات التي مرت معنا في المحاضرة السابقة، كقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: 256]، العروة الوثقى هي.... لا إله إلا الله. يكون الإنسان مستمسك بالعروة الوثقى، إذا حقق هذين الشرطين والركنين،وهما: النفي..... والإثبات....
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ وهذا هو النفي لا إله، ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ هذا هو الإثبات، فلا يكون الإنسان مستمسكا بالعروة الوثقى حتى يحقق هذين الركنين.
وفي مسند الإمام أحمد  وصحيح مسلم من حديث طارق بن أشيم الأشجعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله »، قال: « حرم دمه وماله وعرضه وحسابه على الله ». يعني فرق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، ففي أحكام الدنيا ما دام أنه أقر بالتوحيد، وكفر بما يعبد من دون الله، فإن التوحيد يعصم الدم والمال، وكونه صادق أو ليس بصادق هذا ليس من شأنك، هذا شأنه إلى الله، فأحكام الدنيا تجرى على الظاهر، وأحكام الآخرة تجرى على الباطن، ولذا قال: « وحسابه على الله ».
وهذه الأدلة والشواهد هي من أعظم ما يبين معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وأنها تعني إفراد الله عز وجل بالعبودية وليس المراد إفراده بالربوبية فقط كما يفسرها من يفسرها بذلك.
كذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، ﴿ أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ هذا الإثبات، ﴿ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ هذا هو النفي.....اشتملت هذه الآية على معنى كلمة التوحيد، وهذان هما ركنا لا إله إلا الله. وبهذا أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وكذلك الآيات التي مرت معنا، فمثلا في دعوة نوح، في دعوة هود، في دعوة شعيب، كل منهم يقول ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59]، هذا هو معنى لا إله إلا الله، كل واحد يقول ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.... فكل دعوة الأنبياء تدعو إلى التوحيد، وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة.
كذلك الآيات السابقة دلت على ركني لا إله إلا الله، والركن هو الجانب الأهم، الذي إذا لم يتحقق انهدم البناء، وانهدم الشيء، فالركن الأول: لا إله، وهو نفي العبودية عما سوى الله.....والركن الثانى:إلا الله، وهوالإثبات , إثبات العبودية لله وحده...أحد هذين الركنين لا يكفي، النفي وحده ليس بتوحيد، والإثبات وحده لا ينفي الشريك، فيتحقق التوحيد بهذين الركنين، بالنفي والإثبات.
كلمة التوحيد لها شروط، لا تنفع إلا إذا توفرت، كما أن الصلاة لها شروط، والزكاة لها شروط، والصوم له شروط، والحج له شروط، لا يصح إلا إذا توفرت الشروط،فلا تصح الصلاة قبل دخول الوقت وهو شرط من شروط صحة الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد »، فأي عبادة لها شروط، لا تصح إلا إذا توفرت شروطها، وكذلك كلمة التوحيد، لها شروط ولها مبطلات، كما أن الصلاة لها مبطلات، تبطلها، وكذلك كلمة التوحيد فلها شروط، بالاستقراء والتتبع أيضًا لنصوص الكتاب والسنة، ذكر أهل العلم بأن هذه الشروط تصل إلى سبعة شروط أو ثمانية عند بعضهم.
شروط كلمة التوحيد:

العلم        اليقين         الإخلاص        الصدق           المحبة            الانقياد           القبول            الكفر بغيرها

الشرط الأول : العلم
أن يكون عالما بمعناها، يعرف ماذا تعني لا إله إلا الله، فيقولها وهو يعرف المعنى، وأنا تثبت العبادة لله وتنفيها عما سواه عز وجل.وضد ذلك الجهل، يقول عز وجل: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: 19]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم: « من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله »، أما إذا كان يقولها وهو لا يعرف المعنى فلا تنفعه، أعجمي مثلا لا يعرف العربية يسمع الناس يقولون لا إله إلا الله، فيقول لا إله إلا الله، وهو كافر مثلا، لا تنفعه، لا تحكم بإسلامه.لأنه يردد كلمة سمعها من الناس، و تجد أحيانا بعض الكفار ممن يعيشون ببلاد المسلمين يردد كلمات إسلامية، لا يعرف أن المسلمين يقولونها تعبدا، قد يأتي ويسلم ويقول الحمد لله، ويردد كلمات، تقول ما شاء الله هذه العبارات، هو يقولها على أن هذه العبارات يستعملها المسلمون، فهو لا يقولها على سبيل التعبد، وهكذا لو قالها الكافر قال لا إله إلا الله، وهو لا يعرف المعنى، ولا يقصد التعبد بها، فإنها لا تنفعه، ولهذا ليس كل من قال لا إله إلا الله، نفعته،فالمنافقون يقولونها ، ومع ذلك فهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، لأنهم لم يحققوا هذه الشروط.
فليس كل من قال لا إله إلا الله تنفعه، حتى تتحقق هذه الشروط، الشرط الأول أن يعرف المعنى، ولهذا ينبغي لمن يدعو الكفار إلى الإسلام أول ما ينطق الشهادة أن يبين له المعنى، فإذا نطق الشهادة يبين له يترجم له بلغته معنى هذه الكلمة، وأنها تعني إثبات العبودية لله وحده لا شريك له، ونفي العبودية عما سوى الله.
الشرط الثاني: اليقين
 أن يقول هذه الكلمة على جهة اليقين التام المنافي للشك والريب، لا يكن شاك ولا متردد، واليقين هو كمال العلم، كما قال عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات: 15]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: « أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة » رواه مسلم.
الشرط الثالث: الإخلاص
 إن يقولها خالصا لوجه الله، لا يقولها نفاقا، لا يقولها تزلفا، لا يقولها رياء، بل يقولها خالصا لوجه الله، يرجو ثواب الله عز وجل. يقول عز وجل: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: 5]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: « أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه » رواه البخاري.
الشرط الرابع: المحبة لهذه الكلمةوللوازمها
فيحب هذه الكلمة، ولما دلت عليه، ويُسَّر بذلك، وضد ذلك البغضاء والكراهة، يقول عز وجل: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ [البقرة: 165]، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ثلاث من كن فيهن وجد بهن حلاوة الإيمان »، وذكر أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
الشرط الخامس :الصدق المنافي للكذب المانع للنفاق.
الشرط السادس: فهو الانقياد لهذه الكلمة وللوازمها، وضده الترك.
الشرط السابع: القبول لهذه الكلمة وضده الرد.
من أهل العلم من أضاف شرطا ثامنا:  وهو: الكفر بما يعبد من دون الله
وهذا شرط احترازي أخذه من الشواهد السابقة

 ومنهم من نظم هذه الشروط في هذين البيتين، فقال:
علم           يقين          وإخلاص           وصدقك

       مع محبتك وانقياد والقبول له


وزيد ثامنها الكفران منك بما



سوى الإله من الأنداد قد أله



العقيده ( المحاضره التاسعه عشر )

تلخيص الدرس التاسع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الحمد أولاً وآخرًا، وظاهرًا، وباطنًا، لك الحمد في الأولى والآخرة، الحمد لله، خلق الخلق لعبادته، وإليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى ترك أمته على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك..فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
    قواعد في الرد على الملحدين في أسماء الله وصفاته  وذلك من باب تنزيه الرب -تبارك وتعالى- عما لا يليق به من التمثيل، والتكييف، والتحريف، والتعطيل، والإلحاد في أسمائه وصفاته.
    قواعد في الرد على الملحدين في أسماء الله وصفاته
ـ الأصل في هذا الباب قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].
ـ  ما من اسم إلا ويتضمن صفة، فإذا ألحد في الأسماء، فيلزم منه أنه يلحد في صفات الرب -تبارك وتعالى-، وهنا ربنا -تبارك وتعالى- يقول: ﴿وَذَرُوا﴾، ولا يمكن أن تعرف حقيقة الإلحاد، إلا بدراسة الإلحاد في أسماء الله وصفاته، لأجل الحذر منه، والحذر من الملحدين في أسماء الله وصفاته.
ـ وأيضًا الأصل في هذا الباب قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] جمع الله في هذه الآية بين النفي والإثبات، وهذا يلزم منه أن النفي لا يلزم منه التعطيل، وأن الإثبات لا يلزم منه التمثيل؛ لأن الله جمع بينهما في آية واحدة، ولا يمكن أن يتعارض أو يتناقض كلام الله -عز وجل-، كيف والنفي والإثبات في آية واحدة؟ ولهذا دعوى المعطِّلة والمحرفة أن الإثبات يستلزم منه التشبيه يردها كلام الله في هذه الآية، ودعوى الممثلة والمشبهة، أن التنزيه يستلزم منه التعطيل، يرد عليهم بهذه الآية.
من صورالإلحاد في أسماء الله
ـ الميل بها عما أراد الله -عز وجل- وأراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- كمثل مجيء أو ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22] إلى مجيء الملائكة، يعني تحريف الصفات، فيصرفها عن المعنى الظاهر المراد إلى معنى آخر بلا دليل، لا من اللغة ولا من الشرع، أو النفي، أو التعطيل والنفي الذي هو التعطيل، ولا يثبت شيئًا، أو عكس ذلك، بيان كيفيتها، أو تمثيلها بصفات المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ـ هذه من صور الإلحاد، إما تحريف الذي يسميه أهل التعطيل تأويلًا، أو تعطيل، ويسمونه تفويضًا، أو تكييف، أو التمثيل الذي يسمونه التشبيه، ولهذا القواعد ستكون في الرد على الملحدين بهذه الأساليب، بطريق التحريف للصفات، وآيات الصفات، وأحاديث الصفات، أو التعطيل لها، أو التكييف، أو التمثيل.
القاعدة الأولى.
ما الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته؟ أو ما الواجب نحو آيات الصفات وأحاديث الصفات؟ والأسماء التي جاءت في الصفات؟ والأحاديث التي جاءت في الصفات؟ ما هو الواجب حيال هذه الآيات؟ وهي كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.
الجواب: أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة عمومًا، وفي آيات الصفات خصوصًا، إبقاء دلالاتها على ظاهرها، من غير تغيير، ولا تحريف لهذا الضابط، الله -عز وجل- يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، نقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ نقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ الله -عز وجل- يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، نقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، نبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ينزل ربنا» نؤمن بأن الله -عز وجل- ينزل في الثلث الأخير من الليل، وهكذا، فتبقى على ظاهرها، لا تحرف، ولا تمثل بصفات المخلوقين، ولا تعطل عن معانيها، ولا تكيف؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ونعتقد فيها هذا الاعتقاد لأسباب:
لأن الله -عز وجل- أنزل القرآن بلسان عربي مبين... ولهذا العرب الذين نزل عليهم هذا القرآن ما اعترضوا على آيات الصفات؛ لأنهم يعرفون المعاني، فلم يعترضوا على ذلك، والنبي -عليه الصلاة والسلام- تكلم بلسان عربي مبين فصيح، فوجب إبقاء دلالات كلام الله، وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- على ما هو عليه في ذلكم اللسان العربي المبين، ولهذا قال -عز وجل-: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 193] وهو جبريل ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 194، 195] إذن هو لا يحتاج ألغازًا، وليس بطلاسم، وليس بلغة لا يفهم معناها، حتى يأتي من يحرفها عن المعنى العربي الواضح الذي يفهم العربي من لغته.
ـ يقول -تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: 3] إذن العقل يستدل به في إثبات هذه الصفات من جهة عظمة الرب -سبحانه وتعالى-، ومن جهة دلالات اللغة، وهذا يدل على وجوب فهم الكتاب، وفهم السنة، على ما يقتضيه ظاهر اللسان العربي، إلا أن يأتي قرائن تدل على خلاف المعنى، إذا جاءت قرائن، فهذه من أساليب اللغة، إذا جاءت القرائن تدل على معنى آخر، كما مر معنا: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار»، فالقرائن في النص جاءت تبين المعنى المراد، فإذا جاءت القرائن بالدليل الشرعي تبين معنى غير الذي يتبادر للذهن، فإن هذا المعنى يكون هو الصحيح؛ لوجود الدليل الشرعي، أما أن يحرف النص من غير دليل شرعي، وإنما يزعمونها بقرائن شرعية، فإن هذا تحكم في القرآن، وتحكم في اللغة التي نزل بها القرآن.
لأن تغير هذه النصوص أعني آيات الصفات، وأحاديث الصفات، تغييرها عن ظاهرها قول على الله بلا علم ما الذي حملك على أن تفسر قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ إلى مجيء الملائكة، هل يستقيم في اللغة؟ ولهذا مما يؤسف له أن هذه تقدير المضاف المحذوف مما يمثل به أحيانًا في بعض كتب اللغة، نتيجة أن هذا اللغوي متأثر بعقيدة سابقة، فيحرف الآيات، ويحرف النصوص نتيجة اعتقاد سابق لديه، الله -عز وجل- يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ربك هنا فاعل، ما الذي حملك على أن تجعله مضاف إليه، فتحمله على وجاء أمر ربك، لا يستقيم في اللسان العربي، وهذا خلاف اللغة، وخلاف ظاهر القرآن، وقول على الله بلا علم، والله -تبارك وتعالى- قد حرم التقول عليه بلا علم، يقول -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]، إذن هذا المحرف الذي يحرف آيات الصفات، وأحاديث الصفات، هو يقول على الله ما لا يعلم.
أن الله -عز وجل- قد ذم هذا المسلك، وهو مسلك التحريف، وبين أنه من طرائق اليهود، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهم أبعد الناس عن الإيمان ... يقول -عز وجل- في وصفهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]...وأيضًا قال -عز وجل- في ذم اليهود: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء: 46]، وهذا المسلك للأسف وقع فيه أرباب التعطيل، وأرباب التحريف، فحرفوا كلام الله عن معناه الظاهر المتبادر للذهن إلى معاني باطلة، فوقعوا في ما وقع فيه اليهود، وشابهوا اليهود....ولهذا مقولة التعطيل أصلها جاءت من اليهود، جاءت إلى الأمة من اليهود والنصارى، جاء بها الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46].
من جهة العقل، والأدلة العقلية يستدل بها، بل أدلة الشرع هي أدلة عقلية ... يقول -تبارك وتعالى- في كثير من الأدلة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35] هذا دليل شرعي، وهو دليل عقلي، وكذلك أدلة الوحي هي أدلة عقلية، ولهذا لا تعارض بين العقل السليم، والنقل الصحيح الصريح، لا تعارض أبدًا، من زعم التعارض بينهم فقد تقولوا على الله ما لا يعلمون....من جهة العقل، المتكلم بهذه النصوص الرب -تبارك وتعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو أعلم بمراده من غيره، فهو سبحانه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثًا، فوصف نفسه بهذه الصفات، فكيف يأتي متقول ويزعم أنه ينزه الرب عما وصف به نفسه، وهكذا رسله المبلغون عنه، خاتمهم -صلى الله عليه وسلم- أعلم بربه، بخلاف الذين يقولون على الله ما لا يعلمون من أرباب الانحراف وأرباب الكلام المذموم، فالله سبحانه يثبت لنفسه هذه الصفات، والمحرف يعطلها، ويحرفها.
ـ النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «ينزل ربنا» يأتي المحرف يقول: ما ينزل.
ـ الرب يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ يأتي المحرف يقول: ما يجيء، وقل مثل هذا في بقية الصفات.
مثال ذلك ... الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] ماذا تفهم من هذه الآية؟ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ظاهر الآية إثبات يدين حقيقتين للرب -تبارك وتعالى- على الوجه اللائق به، فيجب على المؤمن أن يثبت ذلك للرب -تبارك وتعالى-، ولو سألت بسطاء المؤمنين وعوامهم، وهو يقرأ القرآن ويعرف اللغة، لا يتبادر إلى ذهنه غير هذا المعنى ، ولا عنده إشكال، ما لم يأت شياطين الإنس فيلوثون عقيدته، ويلوثون فهمه، بل ربما صرفوه عن قراءة القرآن، كما يوجد عند أربابهم من الخرافيين الصوفية، والخرافيون عند الرافضة، يقطعونه عن القرآن والسنة، وعن الفهم الصحيح، فيوعزون له أنك لا تفهم، وأنك لا تعرف، ولا ينبغي أن ترجع للنصوص، بل ترجع إليه، وهو عن طريق وحي الشيطان والخرافات والخزعبلات يملي عليه ما تملي عليه شياطينه من شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زُخرُف القول غرورًا...أما لو قرأ المسلم البسيط الذي يعرف اللغة هذه الآيات والأحاديث، ليس عنده إشكال، لو تسأل مسلم يقرأ مثلاً: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23]، ليس عنده إشكال، فهو يؤمن بها على فطرته، يقرأ الأحاديث: «ينزل ربنا»، ليس عنده إشكال، فهكذا هنا في هذه الآية، الرب -تبارك وتعالى- يثبت لنفسه صفة اليدين، فنثبتها لله كما أثبتها لنفسه، لأنه أعلم بنفسه، وأحسن حديثًا، وأصدق قيلاً.
فإذا قال قائل: المراد باليدين القوة،هذا لا يستقيم ، ولا يتبادرلذهن الإنسان العربي الفصيح، بل هذا تحكم...ثم أيضًا هل القوة واحدة أو اثنتان؟ أي نعم جمع، هل يصح؟ بل قوتاه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، لا يستقيم، فدل على أن هذا التحريف باطل، يخالف ظاهر القرآن وتقول على الله بغير علم، ولا يستقيم من جهة اللغة، فدل على أن هذا المسلك الذي سلكه أهل التعطيل والتحريف ترد عليه نصوص الكتاب والسنة، ولغة العرب، والعقل السليم، والفطرة السليمة...لما يأتي هؤلاء وينكرون العلو مثلاً، صاحب الفطرة السليمة لا يقبل هذا، تجده على فطرته إذا وقع في مأزق، يرفع يديه إلى السماء، بل حتى عند البهائم، بل حتى عند اليهود والنصارى، فيأتي من يصادم الشرع، ويصادم العقل، ويصادم اللغة، ويصادم الفطرة. فدل على أن هذا المسلك الذي سلكه هؤلاء باطل، وهو إلحاد في آيات الله، وإلحاد في أسمائه وصفاته.
القاعدة الثانية.... كل صفة من صفات الله -تبارك وتعالى-، جاءت في الكتاب والسنة الصحيحة فإنه يتوجه عليها ثلاثة أسئلة، وانتبه لهذه الأسئلة.
السؤال الأول: هل هي صفة حقيقية للرب أم لا؟ يعني مثال لما ذكرنا في الآية السابقة: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ هل     هي صفة حقيقية أم لا؟ ولماذا؟
السؤال الثاني: هل يجوز تكييفها أم لا؟ ولماذا؟
السؤال الثالث: هل تماثل صفات المخلوقين أم لا؟ ولماذا؟
الجواب عن هذه الأسئلة التي يمكن أن توجه لكل صفة.
الجواب عن السؤال الأول: نعم، صفة حقيقية تليق بالرب -تبارك وتعالى-؛ لأن الله أثبت لنفسه هذه الصفات؛ ولأن هذا هو الأصل في الكلام العربي المبين الحقيقي، فلا يُعدل عنه إلا بدليل صحيح يمنع من ذلك، ولا دليل ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
الجواب عن السؤال الثاني: لا يجوزتكييفها، لأن الإنسان لم يطلع عليها، ولم ير ربه -تبارك وتعالى-، موسى -عليه السلام- وهو كليم الرحمن ما رأى ربه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- حتى في ليلة الإسراء والمعراج لم ير ربه، والإنسان لا يمكن أن بين لك كيفية الشيء إلا بالمشاهدة، فيؤمن بها، والكيف مجهول، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ويقول: ﴿ولَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]، ولأن العقل لا يمكن أن يدرك كيفية صفات الرب -تبارك وتعالى-، ولهذا العلم اليقين الذي هو أعلى درجات الإدراك لدى الإنسان، علم يقين، وعين يقين، وحق يقين، وأنت تلاحظه من نفسك، فإدراكك عن طريق علم اليقين  يختلف عن إدراكك عن طريق حق اليقين، فكيف تكيف الشيء وأنت لم تشاهده؟ إذن العقل قاصر عن إدراك كنه هذه الصفات، يؤمن بها على الوجه اللائق به -تبارك وتعالى-، كما وصف نفسه بها.
الجواب عن السؤال الثالث: لا، لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولأنه -عز وجل- مستحق للكمال المطلق الذي لا غاية فوقه، فلا يمكن أن تماثل صفاته صفات المخلوقين الناقصة، بل صفاته تليق به -تبارك وتعالى.
القاعدة الثالثة: الفرق بين التمثيل والتكييف.
الجواب: أن التمثيل هو ذكر كيفية الصفة مقيدة بمماثل، كأن يقول -تعالى الله عن ذلك-: أن لله يد كيد المخلوق، أو ينزل كنزول المخلوق، والتكييف: ذكر كيفية الصفة من غير تقييد بمماثل.مثال ...التكييف: يتخيل يدًا لله معينة، ولهذا نقول: التمثيل والتكييف حرام، ولو بخيالات العقول، والشيطان قد يدخل على الإنسان مثل هذه الوساوس، ولهذا إذا الشيطان أدخل عليه هذه الوساوس، فليعالجها بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان قد يدخل عليه مثل هذه الخيالات، فيحاول أن يتخلص منها بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم...وعليه: فإن التمثيل أعم، التمثيل هو تكييف وزيادة، ولهذا يقال: التمثيل أعم، والتكييف أخص؛ لأن الممثل كيَّف...شبهه بصفات المخلوقين فقد كيَّف هذه الصفات بصفات المخلوقين.
القاعدة الرابعة:  الفرق بين التحريف والتعطيل.
التعطيل: هو نفي دلالات الأسماء والصفات، ويسميه المعطِّلة: تفويضًا، يسمونه تفويضًا، ويزعمون أنه مذهب السلف، وكذبوا على السلف، السلف يثبتون الألفاظ والمعاني وإنما يفوضون الكيفيات، كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" فإذن هم يثبتون الألفاظ، ويثبتون المعاني، يعرفون معنى الاستواء، ومعنى النزول، ومعنى المجيء، وهكذا سائر الصفات، وإنما يفوضون الكيفية، فزعم المتكلمون بأن مذهب السلف هو التفويض، هذا تلبيس على الناس، وكذب على السلف، بل السلف يعرفون هذه المعاني، فيثبتونها، وإنما يفوضون الكيفيات، لكن هم يفوضون المعاني، ويفوضون الكيفيات، ويزعمون أن هذا مذهب السلف، وكذبوا على السلف.
التعطيل نوعان: تعطيل كلي، لكل الصفات، و تعطيل جزئي.
 مثال... الجهمية الأوائل نفوا الأسماء والصفات، جاء المعتزلة فأثبتوا الأسماء، وجعلوها جامدة، ونفوا الصفات، فجاء بعدهم الأشاعرة والماتريدية، فأثبتوا بعضًا، ونفوا بعضًا، وستأتي القاعد في الرد على هذا التناقض؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها.
التحريف: هو صرف اللفظ عن المعنى الظاهر المتبادل للذهن إلى معنى آخر لا دليل عليه، فيصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء، والمجيء إلى مجيء الأمر، أو الملك، والنزول نزول ملك أو نزول رحمة، هذا هم يسمونه تأويل، وواقع الأمر أنه تحريف لكلام الله، وكلام النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومثلها تحريف معنى اليد بالقوة، وتحريف الضحك بالثواب، أو إرادة الثواب، وتحريف الغضب بالعقاب، أو إرادة العقاب والانتقام، وكل هذا تحريف لصفات الرب -تبارك وتعالى.
وبناءً عليه: فكل محرِّف معطِّل، لأن المحرِّف لما نفى صفة الاستواء اللائق به، عطَّله عن هذه الصفة، وأثبت معنى آخر، فكل محرِّف معطِّل، وليس كل معطِّلٍ محرِّف؛ لأن المعطِّل يفوض، لا يثبت شيئًا، وكأننا نُخاطب بطلاسم، كأننا نُخاطب بلغة لا نفهمها، ولهذا أيهما أخبث؟ مذهب التعطيل؟ أو مذهب التحريف؟ يعني مثلاً الذي يقول لا أفهم شيئًا من الاستواء، أو الذي يقول الاستواء معناه الاستيلاء...
الجواب.. التعطيل. نعم؛ لأنه يلزم من التعطيل أننا نخاطب بلغة لا نفهمها، بينما المحرف يقول: لا، هذه اللغة لكن معناها جاء بمعنى آخر لا يستقيم مع اللسان العربي، ولا يقبله، العربي الفصيح المعنى الذي جاء به، ولهذا قالوا: أن مذهب التعطيل أخبث من مذهب التحريف. كلاهما خبيث، لكن الخبائث بعضها أخبث من بعض.
القاعدة الخامسة: كل معطِّل ممثل، وكل ممثل معطِّل.
ـ الممثل الذي شبَّه صفات الخالق بصفات المخلوقين، والمعطِّل نفى، كيف كل معطِّل ممثل؟
ـ تعطيل المعطِّل ظاهر، لما نفى الصفات عن الرب، نفى الاستواء، ونفى المجيء، ونفى النزول، لكن يكون المعطِّل ممثلًا لأنه نفى النصوص عن ظاهرها ، ظنَّ أن إثبات النصوص على ظاهرها يلزم منها التمثيل، فهو مثَّل في عقله أولاً، ثم أراد الفرار من هذا المعنى، ففر إلى ما هو أسوأ منه، فهو تخيل أن ظاهر النصوص التمثيل، يعني هو فهم من المجيء، فهم من الاستواء، فهم من النزول، فهم من إثبات اليدين، فهم من إثبات العينين أنها تشابه المخلوق، فأراد الفرار من هذا، فنفى المعاني، فهو مثَّل أولاً، ثم عطَّل ثانيًا، ولهذا قالوا: كل معطِّل ممثل.
العكس.... كيف يكون الممثل معطِّل؟
أما التمثيل فظاهر، لكن يكون الممثل معطِّل من أوجه.
الوجه الأول: أنه لما مثَّل صفات الرب -سبحانه وتعالى- بصفات المخلوقين، عن معانيها وصفاتها الظاهرة، فقد عطَّل هذه الصفة التي أثبتها الله لنفسه.أنه لما شبَّه صفات الرب بصفات المخلوقين، معناه أنه عطَّل الرب عن الصفات اللائقة به.
الوجه الثاني: أنه فهم من نصوص التنزيه التعطيل، فأراد الفرار، من ذلك، فوقع في التمثيل، فهو عكس الأول، فهم من نصوص التنزيه التعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3]، ففهم منها التعطيل فأراد الفرار من هذا المعنى فوقع في التمثيل، فهو عطَّل أولاً، ثم شبَّه ثانيًا، ثم عطَّل ثانيًا، يعني هو عطَّل، ثم مثَّل، ثم عطَّل. ..فهم من نصوص التنزيه التعطيل، فأراد الفرار، فشبهه بصفات المخلوقين، فوقع في تعطيل الرب عن صفاته اللائقة به -تبارك وتعالى.
القاعدة السادسة: كيف نرد على المعطلة والمحرفة، الذين يسمون مذهبهم المفوضة، والمؤولة؟
الجواب.... يقال لهم:
قولكم هذا خلاف ظاهر النصوص، تأويلكم للآيات والأحاديث خلاف ظاهر النص، الله يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فتأويلك هذا الذي جئت به هو خلاف ظاهر النص.
هو خلاف لطريق السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، ولهذا مما يحتج به على المتأخرين من المعطلة والمحرفة، ما كان عليه السلف من الصحابة، والأئمة، وأصحاب الكتب الستة، بل أئمة الدين الذين كتب الله لهم الإمامة، كالإمام مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، والإمام أحمد، فنقول لأتباعهم: لماذا تقلدونهم في الفقه؟ فإذا جاء المعتقد تركتموهم، وقلدتم غيرهم؟ تجده في الفقه يقول مالكي، ثم إذا جاء العقيدة، قال: لا، كلام مالك غير مقبول، أذهب إلى كلام الأشعري كلام  الأشعري في القرن الرابع، ثم إن الأشعري كان معتزليًّا، ثم كلابيًّا، ثم تاب الرجل، فكيف تحملونه هذا المذهب، وهو قد تاب منه، انظر في كتابه "مقالات الإسلاميين" في كتابه "اللمع" في كتابه "الإبانة" في كتابه "رسالة إلى أهل الثغر" يتبرأ من طريقة المتكلمين، فنقول: قولكم هذا خلاف ما عليه أئمتكم المتقدمين، وخلاف ما كان عليه الصحابة، وخلاف ما كان عليه أئمة الحديث كالبخاري ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم من أئمة الحديث الذين في كتبهم المصنفة والمنتشرة بين الأمة تقرير العقيدة الصحيحة، خلافًا لمذهب المعطِّلة والممثلة.
3ـ هذا التحريف لا دليل عليه، لا من اللغة، ولا من الشرع، بل حتى يناقض الفطرة والعقل، وربما يكون في بعض الصفات وجوه أخرى كاللوازم الباطلة...قد تكون كل صفة يلزم على تأويلها إلى معنى آخر لوازم باطلة لا تصح عقلاً، ولا فطرة...ويمكن أن نفصل هذه الوجوه، فيقال: هذا التأويل الذي هم يسمونه تأويلًا، هو تحريف جناية على النصوص، حيث جعلوها دالة على معنى باطل، غير لائق بالله، ولا مراد لله، فنفوا المجيء، ونفوا صفة اليدين، ونفوا صفة العينين، ونفوا صفة العلو، ونفوا صفة الاستواء، إلى غير ذلك، ثم هذا التأويل صرف لكلام الله، وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- عن ظاهره، والله -عز وجل- قد خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا هذا الكلام ويفهموه، ولهذا أمر بالتدبر، فكيف يتدبر الإنسان كلامًا غير مفهوم ومعاني غامضة، وخفية، يحتاج إلى معرفة المجازات، ويحتاج إلى معرفة القواعد الفلسفية، والمنطقية، حتى يفهم هذا الكلام الذي هو عبارة عن ألغاز، وعبارة عن أحاجي في ظنه، بل هو لسان عربي مبين، يفهمه صاحب اللغة، لا يحتاج إلى مثل هذه الفلسفات، وهذه التأويلات الباطلة.
هذا التأويل صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، وهو قول على الله بلا علم، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
مثال: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] "بيدي" فيها إثبات وهذا هو المتبادر، لا يمكن أن يؤول إلى معنى ذلك، ولهذا في الأحاديث أن الناس في حديث الشافعة يأتون آدم فيقولون: "يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده" فالآية ظاهرة في إثبات صفة اليدين للرب -تبارك وتعالى-، فإذا صُرفت الآية عن ظاهرها، وقال هذا المعطِّل لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا، قلنا له: ما دليلك على ذلك؟ ما الذي حملك على أن تحرِّف المعنى إلى معنى آخر؟ وإلا كان كلامه تقولاً. قد يأتيك بغرائب، قد يأتيك بمجازات، لكن اللغة لا تقبل هذا التأويل.
صرف لنصوص الصفات عن ظاهرها، فيه مخالفة ظاهرة صريحة لما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان عليه الصحابة، وأئمة الدين فيكون هذا التأويل الذي هو التحريف باطل بلا ريب، ومخالف لظاهر القرآن، والسنة، وما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما كان عليه الصحابة، وما كان عليه أئمة الدين.
يُقال لهذا المعطل والمحرف: هل أنت، يعني هذا ممكن أن تستفيد به في مناظرته ومجادلته، تورد عليه هذه الأسئلة، فانظر بماذا سيجيبك، تقول له: هل أنت أعلم بالله من نفسه، ومن رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟ فسيجيبك؟ طبعًا بقولك لا، لو قال: نعم، انتهى النقاش، هذه مكابرة، ثم قل له: هل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به عن النبي -صلى الله عليه وسلم- صدق وحق أم لا؟ سيقول لك صدق وحق، لا يمكن أن يكابر، وإلا لا يكون مسلمًا، ثم قل له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله -عز وجل-، وكلام الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ماذا سيجيبك؟ سيقول لك: كلام الله أفصح كلام، وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد أوتي جوامع الكلم، ثم قل له: هل تظن أن الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوها بعقولهم؟ ينزل عليهم طلاسم لا يفهمون المعاني، وغامضة، وهو القائل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، سيقول لك: لا، ثم قل له: هل تعلم أن أحدًا أعلم من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ بماذا سيجيبك؟ لا جزمًا، فيقال له: إذا كنت تقر بذلك، فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته لنفسه، لماذا هذه المكابرة؟ لماذا هذه المعاندة؟ والمصادرة للقرآن، والسنة، ولغة العرب، وما كان عليه الصحابة، وما كان عليه أئمة الدين، لماذا لا تثبت لله ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم- على حقيقته، وظاهره اللائق به -تبارك وتعالى-، ويكون عندك الإقدام والشجاعة في إثباتها، كما كان عندك الإقدام والشجاعة في نفيها، وإلا يكون لديه المكابرة، ولهذا تجد من بعض هؤلاء إذا تقدم به السن، أو أشرف على الموت تاب، ولهذا أرباب الفلسفة، وأرباب الكلام كثير منهم في آخر حياته تاب، الإمام الرازي الذي ألف الكتب، ومنها كتاب "تأسيس التقديس" ينفي الصفات، في آخر حياته يوصي بوصية في براءته من هذه الكتب، وهو القائل:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا          سواءً جمعنا فيه قيل وقال
يقول: هذه النتيجة، فتاب، الإمام أبو حامد الغزالي: يموت وصحيح البخاري على صدره، الجويني يتوب، الإمام أبو الحسن الأشعري يتوب في آخر حياته، ويؤلف مقالات الإسلاميين، والإبانة، واللمع، ورسالة لأهل الثغر، أيضًا نقول لهؤلاء الذين يكابرون، ويفسدون على المسلمين عقيدتهم، لماذا لا يكون عندكم الشجاعة في التوبة والإنابة إلى الله -تبارك وتعالى-، وترك المعاندة والمكابرة، لكلام الله وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما كان عليه سلف الأمة، ثم ماذا يضيرك إذا أثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته له النبي -عليه الصلاة والسلام-، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتًا ونفيًا، أليس هذا أسلم لك؟ وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة ماذا أجبتم المرسلين؟ بماذا سيكون جواب هؤلاء؟ وقد قرءوا القرآن، وقرءوا السنة، فضلوا، وأضلوا أتباعهم، فيحملون أوزارهم، هؤلاء المساكين الذين يغوونهم، يلقنونهم للأسف في بعض المعاهد والجامعات عقيدة التأويل والتحريف، فنقول لهؤلاء: ألا تخافون الله؟ ألا تعلمون أنكم ستوقفون بين يدي الله؟ فيسألكم هذا السؤال: ماذا أجبتم المرسلين؟ وهؤلاء ليسوا جُهَّالاً، هؤلاء الذين يقررون مثل هذا التأويل والتحريف، ويشوشون على عقائد المسلمين وعوامهم ليسوا جُهَّالاً، ولهذا لا يعذرون بهذا الجهل، أوليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعين معنى آخر مخاطرة منك، فلعل المراد يكون على تقدير جواز صرفها على ما صرفتها إليه.  هذا لو افترضنا أن لديه شبهة، فعليه أن يحكِّم الكتاب والسنة، ولغة العرب، وما كان عليه الأئمة.
القاعدة السابعة: يلزم على التحريف الذي هو التأويل لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فمن هذه اللوازم:
أولاً: أن أهل التعطيل لما صرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها اعتقدوا أن الظاهر يستلزم التشبيه، ففروا من هذا، فهم اعتقدوا اعتقادًا باطلاً، وهو تشبيه الله بخلقه، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهم فروا أصلاً، فلذلك لما تسأل المعطلة، لماذا تعطل، لماذا تحرف، يقول لك: فرارًا من التشبيه، فنقول: أنت اعتقدت بكلام الله اعتقادًا باطلاً، وكذَّبت الله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ثانيًا: أن يلزم من تحريفه وتأويله أن كتاب الله الذي أنزله تبيانًا لكل شيء، وهدى وشفاءً لما في الصدور، ونورًا مبينًا، وفرقانًا بين الحق والباطل، لم يبين الله فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكولاً إلى عقولهم، فيحرفها، وينفي، ويقول: هذا حديث لا أقبله، وهذه دلالاتها ظنية، والدلالة العقلية قطعية، فهذا من لوازم التأويل والتحريف أن القرآن الذي هو شفاء، وهو بيان للناس لم يوضح الله -عز وجل- فيه ما يتعلق في الصفات، ولهذا لما أراد المتكلمون نفات الصفات الرد على الفلاسفة نفات المعاد ما استطاعوا، بل أفحموا الفلاسفة؛ لأن الفلاسفة تجرؤوا على نصوص المعاد، ونصوص أشراط الساعة، فأولوها أيضًا، وأنكروا دلالات هذه النصوص، فجاء المتكلمون للرد عليهم، فقالوا: المنهج الذي سلكتموه في الصفات، هو المنهج الذي سلكناه في أشراط الساعة، وأحوال الآخرة والمعاد، ولهذا قال فيهم شيخ الإسلام: "لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا" لو سلكوا طريقة القرآن والسنة، وما كان عليه السلف، لسلموا من هذا التناقض.
ثالثًا: أن يلزم من التحريف والتعطيل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخلفاءه الراشدين، والصحابة، وأئمة الدين كانوا مقصرين، ولم يبينوا ما يجب اعتقاده في الرب -تبارك وتعالى-، بل أوهموهم بهذه الأحاديث، وهذه الأقوال، وهذا لا شك من أبطل الباطل.
رابعًا: يلزم على قولهم هذا: أن كلام الله، وكلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس مرجعًا لآيات الصفات، وأحاديث الصفات، وإنما المرجع إلى عقول هؤلاء، وإلى أقوالهم المتناقضة، وتقريراتهم الباطلة، والأصل في المسلم أن يكون المرجع إليه الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة.
خامسًا: كل تحريف أو تعطيل له لوازم يدل على البطلان، فيلزم من التأويل والتحريف التناقض في كلام الله؛ لأن الله أثبت لنفسه هذه الأسماء والصفات، ونفى عن نفسه التمثيل والتشبيه، فإذا نفى هذه الصفات وقع في التناقض، وإذا شبهه بالخلق، وقع في التناقض، الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإذا نفى معناه كذَّب الرب في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وإذا شبهه معناه كذَّب الرب في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فنقول: التحريف والتعطيل يلزم منه أن كلام الله متناقض، والتمثيل والتشبيه يلزم منه أيضًا التناقض في كلام الله، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. كما يقال في بباب القدر والجبر، فيلزم منه التناقض، وهكذا يقال في باب الوعد والوعيد.
ـ كل صفة لها أيضًا دلالات خاصة... مثال: تحريف الاستواء بالاستيلاء، يلزم منه اللوازم، إذا جاء المعطل وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ معناها استولى، هذا المعنى مخالف لظاهر القرآن ، ومخالف للغة العرب، يلزم منه لوازم باطلة، ومخالف كذلك لمذهب السلف، فالسلف يثبتون الاستواء، بمعنى علا وارتفع وصعد، واستقر.
ـ يلزم من هذا التحريف من لوازم باطلة وهي:
أن هناك غالب لله -عز وجل- فغلبهم..إذا قال استوى بمعنى استولى، معنى أن الله -تعالى- كان مغلوبًا فغلب، اللوازم الباطل باطلة، والباطل لجلج، والحق أبلج،  فإذا قال: استوى بمعنى استولى، يلزم أنه كان مغلوبًا فغلب، تعالى الله عن ذلك، فدل على بطلان هذا المعنى.
هل يكون للعرش خصوصية؟ إذا كان معنى الاستواء الاستيلاء، لا خصوصية للعرش؛ لأن الله مستولٍ على جميع خلقه، ثم أيضًا يلزم منه لوازم باطلة، إذا كان معنى استوى بمعنى استولى، قد يقول قائل: الرحمن على الأرض استوى، تعالى الله عن ذلك؛ لأن الله مستولٍ على العرش.
     يذكرون من الطرائف: أن أحد علماء الكلام المعطِّلة كان في المسجد، ويفسر آيات الاستواء، ويقرر أن استوى بمعنى استولى، وكان فيه أطفال يلعبون في الشارع، فاستغربوا بفطرتهم، وأحيانًا يكون عند الأطفال من الذكاء والفطنة ما يحرجون الكبار، بل من عوام المسلمين من يفحم كبار المتكلمين، والخرافيين..فاستغرب أحد الأطفال هذا التأويل، ففتح نافذة المسجد، وقال: يا أستاذ عندي سؤال، أنت تقول: استوى بمعنى استولى، من الذي كان مستولٍ على العرش قبل الله؟ فانبهر من السؤال، فقال الطلاب وتنبهوا، نعم إنه سؤال مليح صريح، أجبه، فما استطاع أن يجيبه.
   وهذا أيضًا مثل أحد علماء الكلام، كان يقرر نفي صفة العلو، فقال له أحد تلاميذه: أخبرني عما يجده الإنسان في نفسه اضطرارًا، إذا أراد أن يدعو يرفع يديه للسماء، وأنت تقرر نفي العلو، والإنسان في نفسه فطرة واضطرارًا، ما استطاع يجيبه، بل وضع يديه على رأسه، وقال: لقد حيرني الفتى الهمداني.
ماذا يلزم من نفي العلو من لوازم؟ كمثال، وقل مثل هذا في سائر الصفات، ماذا يلزم من نفي العلو؟ إذا قال قائل بأن الله ليس في السماء، لم يستو على العرش، ماذا يلزم منه من لوازم.
ـ من اللوازم الباطلة التي تلزم من ذلك:
1ـ أن الله -عز وجل- في كل مكان، وأن المخلوقات تحيط به، وأنه في أماكن الحش، وأماكن القاذورات، نعوذ بالله، وهذا ما يقع فيه أرباب الحلول، والاتحاد، الذين ينفون العلو، ويزعمون الرب -تبارك وتعالى- في كل مكان، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. كيف؟ والأرض قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، فيلزم من نفي العلو هذا اللازم الباطل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا... وكيف وأدلة العلو أكثر من ألف دليل، من الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، تأملوا في كتاب الله. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10] الصعود يكون من أين؟
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: 1] النزول من أين؟ ..بل فرعون وهو فرعون أثبت العلو أم لا؟ ﴿أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص: 38]. ..كما أن إبليس وهو إبليس يثبت العزة لله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ [ص: 82]، فيأتي هؤلاء فيتنكرون بهذه الصفات التي تثبتها نصوص الكتاب، والسنة، والفطرة، والعقل، فيكون هذا التأويل مكابرة، ومصادمة للعقل السليم، والنص الصحيح الصريح. ويلزم من هذا التأويل اللوازم الباطلة.
ـ ماذا يقصدون بنفي العلو؟يعني ما هي الشبهة؟
الجواب... شبهتهم لأنهم لا يريدون إثبات أن يكون الله في مكان، فأرادوا نفي الجهة التي يزعمون، وأن يكون الله في مكان؛ لأنه إذا قالوا في مكان، معناه أنه في حيز، معناه أن نثبت له صفات، فأرادوا الفرار من هذا، فنفوا العلو، لما نفوا العلو وقعوا في مأزق أشد، فمنهم من قال بالحلول، ومنهم من قال بالاتحاد، وهذه عقيدة الفارابي وابن عربي، وبعض هؤلاء الملاحدة، الذين صادموا العقل، والفطرة، والحس، والشرع.
القاعدة الثامنة: الرد على الممثلة والمشبهة، التمثيل هو اعتقاد المثبت أن صفات الرب تماثل وتشابه صفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بالشرع والعقل.
أما الشرع ... فالأدلة كثيرة، كقوله -عز وجل-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، إلى غير ذلك .
2ـ وأما العقل ... فمن وجوه أنه قد علم بالضرورة المباينة بين الخالق والمخلوق، تباينًا في الذات، وتباينًا في الصفات، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق؟ تعالى الله عن ذلك، وصفات الخالق تليق به، وصفات المخلوق تليق به.
3ـ أيضًا أننا نشاهد في المخلوقات التباين في ما بينها، وهي مخلوقات، وإن اشتركت في الأسماء، إلا أنها تتباين في الصفات، يعني هل قوة البصر عند الناس سواء، قوة السمع سواء، بل بين مخلوق ومخلوق، الفيل له يد، والنملة لها يد، هل إذا أثبتنا يدًا للنملة، يلزم شبهناها بيد الفيل، فإذا كان هذا التباين بين مخلوق ومخلوق، فكيف بين المخلوق والخالق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا...فنقول: إثبات الصفات للرب، لا يلزم منها التمثيل، فصفاته تليق به، وصفات المخلوقين تليق بهم، كما أن ذات الرب تليق به، وذات المخلوق تليق، كما أن وجود الرب يليق به، ووجود المخلوق به، فنقول لهؤلاء الممثلة: إثبات الصفات لا يستلزم منه التشبيه، وتشبيهكم الخالق بالمخلوق هو تنقص للرب، ومصادمة لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
ـ فالتشبيه والتمثيل بينهما عموم وخصوص، منهم من قال: التمثيل والمساواة من كل وجه، والتشبيه قد يكون في بعض الوجوه.
 كيف نرد على المكيفة؟
الجواب... نرد عليهم كما نرد على الممثلة سواءً بسواء، فما يُرد به على الممثلة، يُرد به على المكيفة، نقول لهم: أن الله ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علمًا... يقول ابن القيم في تقريب الفهم للإنسان حتى لا يقع في التشبيه، ولا بالتمثيل: "إدراك عظمة الرب"، وهو يتكلم عن صفة الاستواء، يقول: "والذي يُسَهِّلُ عليك فهم هذا، معرفة عظمة الرب، وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة بيد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء، وهو على العرش -تبارك وتعالى-".
ـ فاستشعار الإنسان لعظمة الرب، يُسَهِّلُ عليه فهم هذه النصوص، ولا إشكال فيها، والحمد لله.
ـ هل يلزم من الإثبات التمثيل؟ وهل يلزم من التنزيه التعطيل؟
الجواب...لا يلزم؛ لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فلما نفى عن نفسه التمثيل، وأثبت له السمع والبصر دل على أن إثبات السمع والبصر لا يلزم التمثيل، ودل على أن التنزيه لا يلزم منه التعطيل، كما الله جمع بينهما، وكما تقرر في القواعد السابقة.
ـ ظواهر النصوص معلومة لنا من حيث المعاني، ومجهولة لنا من حيث الكيفيات، وهذا هو مذهب السلف، يثبتون اللفظ، ويثبتون المعنى، ويفوضون الكيفية، فيقال: معلومة من حيث المعنى، مجهولة من حيث الكيفيات، فإن الله ليس كمثله شيء.
ـ القول في الصفات كالقول في البعض، وهذا يُرد به على من يثبتون بعض الصفات، كالأشاعرة والماتريدية، وينكرون البعض، فنقول: القول في هذه الصفات السبع كالقول في باقي الصفات، لا فرق بينهما، فلماذا أثبتم هذه الصفات، ولم تثبتوا غيرها، إثباتكم لهذه السبع يلزمكم أن تثبتوا البقية، قولكم أن البقية فيها احترازات، نقول: وهذه الاحترازات التي تدعونها، وهي الخوف من مشابهة المخلوقين، هي كذلك في الصفات السبع، ولهذا يُرد عليهم بهذه القاعدة المتناقضة عندهم، تناقضهم يُرد عليه بهذه القاعدة: القول في بعض الصفات، كالقول في البعض.
ـ مثلها: القول في الصفات كالقول في الذات، وهذه يُرد بها على الجمهية، نقول لهم: أنتم تثبتون لله ذات تليق به، وجودًا يليق به، يلزمكم أن تثبتوا له صفات تليق به، فالقول في الصفات، كالقول في الذات سواءً بسواء.
قواعد ذكرها شيخ الإسلام في كتابه "التدمرية" وهي مهمة لطالب العلم.
شكر وتقديرمن الشيخ د/ سهل العتيبي إلى إدارة الأكاديمية  والطلاب/
نشكر الله -عز وجل- على توفيقه، وامتنانه، حيث أعان على إتمام هذه الدروس، وهذه الحلقات المباركة في هذه الأكاديمية، ثم من لا يشكر الناس لا يشكر الله، نشكر للمشرف العام على هذه الأكاديمية، معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وزير الشئون الإسلامية، والأوقاف، والدعوة، والإرشاد، ثم أشكر أيضًا للشيخ راشد بن عثمان الزهراني، المدير العام لهذه الأكاديمية المباركة، ثم الشيخ الكثيري، وهو المشرف على هذه البرامج، والمنسق لها، والشكر لكم أنتم أيها الأبناء على حضوركم، ومتابعتكم، وكذلك الشكر لجميع الأبناء والبنات، الطلاب والطالبات، المتابعون عبر مواقع الأكاديمية، وكذلك في الفصول الافتراضية، والشكر كذلك موصول للإخوة والأخوات المشاهدين والمشاهدات، وأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعل هذه الدروس حجة لنا لا حجة علينا، وأن ينفعنا جميعًا بما نقول ونسمع، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، وأسأله -تبارك وتعالى- أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ونختم بقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: «سبحانك الله وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك».