تلخيص الدرس الثامن عشر
بسم الله الرحمن
الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن
لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وأشهد أن
نبينا محمد عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء
والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم
الدين.
القواعد التى تتعلق بأسماء الله وصفاته.
الهدف من دراسة الإيمان بالأسماء والصفات
والقواعد المتعلقة بالإيمان بالأسماء والصفات:
1ـ التعرف على
حقيقة الإيمان بأسماء الله وصفاته، حيث أن الإيمان بالأسماء والصفات هو من الإيمان
بالله، فإن الإيمان بالله يتضمن أربعة
أمور، الإيمان بوجوده، وربوبيته، وإلوهيته، وأسمائه وصفاته، ولهذا تحقيق الإيمان
بالأسماء والصفات هو تحقيق النوع الثالث من أنواع التَّوحيد.
2ـ معرفة طرائق
ومصادر إثبات الأسماء والصفات، ومعرفة حقيقة الإلحاد في أسماء الله وصفاته،
والقدرة على الرد على المحرفة والمعطلة لأسماء الله وصفاته، والقدرة على الرد على
الممثلة والمشبهة، لأسماء الله وصفاته، وما يتفرع عن ذلك من مسائل.
أهمية الإيمان بالأسماء والصفات.....
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-
في كتابه "درء تعارض العقل والنقل"، يقول: "القرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله، أكثر مما فيه
من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته
أعظم قدرًا من آيات المعاني، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك، وأعظم
سورة، سورة أم القرآن، وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر
المعاني" فهو يشير هنا إلى أهمية الإيمان بالأسماء والصفات، وأن عناية
القرآن بهذا النوع من أنواع التَّوحيد، كانت كبيرة، ولهذا سورة الإخلاص التي تعدل
ثلث القرآن، وصفها الصحابي الذي كان يقرأ بها في كل ركعة، بأنها صفة الرحمن؛ لأنها
خالصة، ولهذا عدلت ثلث القرآن من هذا الوجه؛ لأنها متعلقة بصفات الرب -تبارك
وتعالى-، مما يؤكد لك ويبين لك أهمية العناية بهذا العلم، فهذا العلم بخصوصه، وهو
من علوم العقيدة، يُعنى بصفات الرب -تبارك وتعالى-، إذن هذا العلم يُعنى بأشرف
معلوم، وأن شرف العلم بشرف المعلوم، فهذا العلم الخاص من علوم العقيدة يُعنى بالرب
-تبارك وتعالى-، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وما يجب اعتقاده فيها، ولهذا كان هو
أهم علوم العقيدة.
ـ الأصل
في هذا الباب قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[الأعراف: 180]، ففي هذه الآية الله -تبارك وتعالى- أثبت لنفسه الأسماء، ووصفها
بأنها حسنى، وأمر -عز وجل- بدعائه بها، وحذر ونهى من الإلحاد في أسمائه وبيَّن
الوعيد الشديد لمن ألحد في أسماء الله وصفاته.
ما الأسماء الحسنى؟ لماذا وصفت بأنها
حسنى؟ كيف ندعو الله -عز وجل- بها؟ ما حقيقة الإلحاد في أسماء الله وصفاته؟
ـ قواعد تتعلق
بالأسماء والصفات في الآية السابقة، وأيضًا آيات أخرى كما في سورة الشورى،
في قوله -عز وجل-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فتعتبر هذه الآية أيضًا قاعدة من
قواعد الإيمان بالأسماء والصفات... فعن معاني هاتين الآيتين وما تضمنته من أحكام نستنبط
قواعد من خلال استقراء نصوص الكتاب والسنة الصحيحة في الإيمان بأسماء الله وصفاته
القاعدة الأولى: أسماء الله -تبارك وتعالى- كلها حسنى؛
لأن الله -تبارك وتعالى- قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى﴾ فما معنى حسنى؟ ....قال أهل العلم:
حسنى أي أنها بلغت الغاية في الحسن، والكمال المطلق، لأنها قد تضمنت صفات الكمال،
التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ لأنه ما من اسم إلا ويتضمن صفة.
القاعدة الثانية: ما من اسم إلا ويتضمن صفة لله -تبارك وتعالى-،
مثال: اسمه السميع، تضمن صفة السمع، اسمه العليم، تضمن صفة العلم، اسمه العلي، تضمن
صفة العلو، اسمه الرحمن، والرحيم، تضمن صفة الرحمة، اسمه العزيز، اسمه الحكيم، ما
من اسم إلا ويتضمن صفة لله -تبارك وتعالى-، ولهذا كانت الأسماء حسنى؛ لأنها بلغت
الغاية، والكمال المطلق في الحسن، ولأنها ما من اسم إلا ويتضمن صفة للرب -تبارك
وتعالى-. ممكن أن نفرِّع هذه القاعدة إلى قاعدتين... والله -تبارك وتعالى- قد وصف أسماءه
بالحسن في أربع مواضع في القرآن:
الموضع الأول ... في هذه الآية في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
الموضع الثاني... في سورة الإسراء: قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا
تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110].
الموضع الثالث.... في سورة طه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 8].
الموضع الرابع.... في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ
الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الحشر: 24].
فوصف الله -عز
وجل- أسماءه بالحسن في هذه المواضع الأربع، في كتابه الحكيم.
القاعدة الثالثة: ما من اسم من أسماء الله إلا ويتضمن أعلام وأوصاف،
أعلام يعني أنها أسماء، وأوصاف أنه يمكن أن يكون الاسم صفة؛ لأننا ذكرنا في
القاعدة السابقة: ما من اسم إلا ويتضمن صفة، فتكون هذه الأسماء أعلام وأوصاف في
وقت واحد إن دلت على الذات الإلهية، فهي
أعلام، وإن دلت على المعاني فهي صفات،
فعلى سبيل المثال، لو قيل لك: أعرب البسملة، وأنت عندك غدًا اختبار في اللغة
العربية، فكيف تعرب البسملة.
الباء حرف جر،
واسم مجرور بحرف الباء.
الله: لفظ
الجلالة مضاف إليه مجرور.
الرحمن الرحيم:
الرحمن صفة.
فقد يقول قائل: كيف تعربها صفة، والرحمن اسم؟ وكيف تعرب الرحيم صفة وهو اسم؟
الجواب: أن أسماء الله -تبارك وتعالى- أعلام وأوصاف، فإن دلت على الذات فهي أعلام،
وإن دلت على المعاني فهي صفات.
القاعدة الرابعة: هل أسماء الله مترادفة،
أم متباينة؟ ...هذه القاعدة مبنية على القاعدة السابقة، إذا قلنا بأنها
أعلام وأوصاف، هل هي مترادفة أم متباينة، بمعنى: هل السميع، هو العليم، هو العزيز،
هو الحكيم، هو الرحيم؟ أو مختلفة؟ هل هي مترادفة أم متباينة؟
الجواب....أسماء الله
مترادفة..يعني السميع، والبصير، والعليم كلها مترادفة، كلها تدل على ذات واحدة،
لكن قد يقول لك قائل: بأن المعاني مختلفة، هل معنى السميع، هو معنى العليم.
جواب طالب...... إذا اعتبرنا
الذات الإلهية... فهذه الأسماء كلها، وإن كانت صفات وأوصاف، كلها مترادفة.
ـ وإن اعتبرنا
المعاني... إذا اعتبرنا المعاني متباينة}.
جواب الشيخ......جوابا على هذا
السؤال: هي مترادفة، ومتباينة، باعتبارٍ واعتبار آخر، فإن نظرت إلى دلالتها على
الذات، فكلها تدل على ذات واحدة، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ
أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾
[الإسراء: 110] فكلها تدل على ذات واحدة، هذا من جهة دلالتها على الذات، أما إن
نظرت إلى المعاني التي تضمنتها هذه الأسماء فهي مختلفة، فهي متباينة يعني مختلفة
المعاني. الرحيم معناه غير السميع، غير العليم، غير الحكيم في لغة العرب، فهي
متباينة من جهة دلالاتها على المعاني، وهي مترادفة من جهة دلالتها على ذات واحدة،
فلهذا جوابًا على هذا السؤال أن نقول هي مترادفة، ومتباينة من وجه دون وجه،
دلالاتها على الذات مترادفة، كلها تدل على ذات واحدة، ودلالاتها على المعاني
متباينة؛ لأنها ليست أسماء جامدة، بل هي تتضمن صفات للرب -تبارك وتعالى- بلغت
الكمال المطلق.
القاعدة الرابعة: هل أسماء الله محصورة
بعدد؟ أم غير محصورة؟ هل هي لها عدد محدد؟ أو غير محصورة؟
الجواب: جاء في
حديث ابن مسعود الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي شيبة والطبراني والحاكم،
وقال: صحيح على شرط مسلم، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في السلسلة الصحيحة،
أن من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، وابن
عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو
لك» فهذا من باب التوسل بأسماء الله، وهذا
التوسل مشروع، ويدخل في باب ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ولهذا هنا «أسألك
بكل اسم هو لك سميت به نفسك» هذا واحد، «أو
علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»،
وهذا هو الشاهد، نستفيد من هذا: أن الله -عز وجل- منها ما استأثر بها في علم الغيب
عنده، فلم يطلع عليه أحدًا.«أن تجعل القرآن ربيع قلبي،
ونور صدري، وجلاء همي، وذهاب حزني، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا».
قال ابن مسعود: فقيل: يا رسول الله! ألا نتعلمها؟ فقال: «بلى،
ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها»، وأنتم سمعتموها، فينبغي لكم أن تتعلموا،
وتعملوا، وهكذا كل مشاهد سمع هذا الحديث، وهو حديث عظيم في علاج الهم، والغم، والحزن،
التوسل بأسماء الله -عز وجل...فهذا الحديث الشاهد فيه: قوله: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، دل على أن الله -عز وجل- له أسماء استأثر
بها في علم الغيب عنده...ويدخل أيضًا
علم الأسماء والصفات في عموم قوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَمَا
أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
ـ إن قيل جاء في
الحديث المخرج في الصحيحين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة» فهل يفيد الحصر؟ لأن من الناس من فهم من هذا الحديث
إفادة الحصر، فالجواب: هذا الحديث لا
يفيد الحصر بهذا العدد، بتسعة وتسعين، فلأنه لو كان المراد الحصر لكانت
العبارة: "إن أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة"،
والحديث لم يرد بهذا، وإنما نص على أن من أحصى تسعة وتسعين، ولهذا أهل العلم الذين
استقرؤوا الأسماء والصفات التي جاءت في القرآن، وفي السنة الصحيحة تجاوزت المائة،
فدل على أنها ليست محصورة، كما لو قال إنسان: عندي مائة ريال، أعددتها صدقة، هل
يفهم من هذا أنه ليس عنده إلا مائة ريال؟ لا يفهم، يفهم فقط أنه أعدد مائة ريال
للصدقة، وهكذا نقول في هذا الحديث: لا يفهم منه الحصر، فيجمع بينه وبين الحديث
السابق في أن من أحصى تسعة وتسعين من أسماء الله الحسنى دخل الجنة، وهذا يدل لك
على فضل إحصاء الأسماء والصفات، وأن من أحصاها دخل الجنة بفضل الله.
ç
ما معنى أحصاها؟
الجواب... قال أهل العلم.... أحصاها، المعنى أنه حفظها، يعني حفظ تسعة
وتسعين اسمًا من أسماء الله الحسنى حفظا، وثانيا:
عرف المعنى؛ لأنه ما من اسم إلا وله معاني، فيعرف ما معنى السميع، ما معنى البصير،
ما معنى الرحمن الرحيم، ولهذا أحيانًا تجد من الأسماء لها أكثر من معنى...مثال
السميع، ما معنى السميع؟ لنختبر أنفسنا، هل نحن نحفظ هذه الأسماء؟ ثم إذا حفظنا،
هل نحن ندرك المعاني، وخاصة إذا كانت المعاني متعددة، مثال السميع.
أي ـ أن الله -عز
وجل- يسمع كل صوت ما علا منها، ما خفي منها.يعني يدرك الأصوات .. إذا قال المصلي
في صلاته: "سمع الله لمن حمده" هل
المعنى أدرك فقط؟ أم هناك معنى أدق؟ لما قال إبراهيم -عليه السلام-: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: 39] ما
المعنى؟ يدرك أو يجيب؟
الجواب...يجيب....فالسمع يأتي بمعنى الإدراك، ويأتي
بمعنى الإجابة، ولهذا في قول الله -تبارك وتعالى- لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، هنا
بمعنى الإدراك، لكن قول إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ
الدُّعَاءِ﴾ أي مجيب الدعاء، فالسمع له أكثر من معنى.
ـ البصير ... يأتي من البصر، ويأتي من البصيرة.
ـ الحكيم ... يأتي بمعنى المحكم، ويأتي
بمعنى الحكمة، فتجد من الأسماء ما له أكثر من معنى.
بناءً عليه: هل المؤمنون في
إيمانهم بالله سواء؟ لو أجرينا اختبارًا لمجموعة من المسلمين، وقلنا: اختبار
مفاجئ، مثلاً في قاعة دراسية، أخرجوا ورقة يا شباب، هناك اختبار مفاجئ، كل واحد
يكتب ما يحفظ من الأسماء الحسنى، ثم مقابل كل اسم يضع المعنى، فماذا ستكون
النتيجة؟ ربما تجدون العجب العجاب، ربما الذي ولا بعشرة أسماء، وربما جاء بمعاني
خاطئة، وربما بعض هذه الأسماء أصلاً خطأ، ولهذا المؤمنون في إيمانهم بالله ليسوا
سواء، منهم من يحقق الإيمان بالأسماء والصفات حفظًا لها، ومعرفة بالمعنى، وعملاً
بالمقتضى، ومنهم من يجهل هذه الأسماء، ولهذا على قدر جهل الإنسان بأسماء الله
وصفاته، يكون إيمانه، بقدر ما يجهل من أسماء الرب -تبارك وتعالى-، ولهذا من العجب
العجاب أن ترى من أبناء المسلمين، من يحفظ أسماء الساقطين والساقطات، واللاعبين
وغيرهم، وربما إذا سألته عن أسماء الله الحسنى لا يجيب، وربما إذا أجاب أخطأ، بل
ربما تسأله عن الصحابة لا يجيب، عن العشرة المبشرين بالجنة لا يجيب، ولو أجاب
أخطأ، عن أمهات المؤمنين لا يجيب، لكن كل ساقط وساقطة، وتافه وتافهة يحفظ أسماءهم
وتاريخهم، وهذا الحقيقة مما يؤسف، ولهذا تجده كثير الانشغال بمتابعة مثل هذه
الأمور التافهة التي لا تغني ولا تسمن من جوع، لا في أمر الدين، ولا في أمر
الدنيا، ولا في الآخرة، فبقدر علمك بأسماء الله وصفاته، ومعرفة معاني هذه الأسماء
والصفات، والعمل بالمقتضى، يكون إيمان العبد، ومن هنا تأتي أهمية الإيمان بأسماء
الله وصفاته.
ـ قد يقول قائل: جاء في الحديث عند الترمذي تعداد هذه الأسماء، ونقول: هذا الحديث ضعيف
عند أهل العلم، ولهذا لم يصح حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعداد هذه
الأسماء، ما ورد من حديث، فهو حديث ضعيف، وإن كان للأسف قد يوجد أحيانًا في طبعات
بعض المصاحف، يوضع في الصفحات الأخيرة، سردًا للأسماء، والحديث ضعيف، وإذا كان
ضعيفًا، فإن الحديث الضعيف لا يُبنى عليه اعتقاد، ولا يعتمد عليه في إثبات الأسماء
والصفات.
القاعدة الخامسة: إذا كانت أسماء الله غير محصورة بعدد، فإن
صفاته غير محصورة بعدد.
ـ أسماء الله -عز
وجل- غير محصورة بعدد، وكل اسم يدل على صفة. فإذا كان هناك أسماء استأثر الله -عز
وجل- بعلمها، فيلزم من هذا أن هناك صفات لا نعلمها.
ـ نقول بأن أسماء الله غير محصورة بعدد، وتدخل
في عموم قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ
الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. ...
ـ ولهذا جاء في
الصحيحين من حديث أبي هريرة من حديث الشفاعة الطويل، أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- قال بعد أن يعتذر الأنبياء عن الشفاعة العظمى في أهل الموقف، ثم يقول -عليه
الصلاة والسلام-: «أنا لها، أنا لها» فيذهب فيقع
تحت العرش ساجدًا، يقول -عليه الصلاة والسلام-: «ثم
يفتح الله عليَّ، ويلهمني من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي»
إذن له محامد، وحسن ثناء، لم يفتحه لأحد قبله، «ثم
يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع»، دل على أن الله له
محامد، استأثر -عز وجل- بها، فيفتح الله بها على نبيه -عليه الصلاة والسلام- في
المقام المحمود، الشفاعة العظمى.
القاعدة السادسة: مصادر إثبات الأسماء والصفات أن أسماء الله -عز
وجل- توقيفية.
ـ لا يثبت لله
-عز وجل- منها إلا ما دل الدليل على إثباته، إما من الكتاب، أو من السنة الصحيحة،
إذ لا مجال للعقل فيها، فهي توقيفية، فلا يَثبت لله -عز وجل- من الأسماء الحسنى
إلا ما ثبت في الكتاب أو ثبت في السنة الصحيحة، أما الأحاديث الضعيفة، فضلاً عن
الموضوعة فلا يعتمد عليها، ولا يعتمد على القياس، ولا يعتمد على الاستنباط، ولا
غير ذلك، فهي توقيفية مصدرها واحد فقط، وهو الدليل إما من الكتاب، وإما من السنة
الصحيحة.
ـ أما مصادر الصفات، فإن الصفات ثلاثة
مصادر
المصدر الأول ... أن تشتق الصفة من الفعل، كقوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22] الفعل هنا "جاء"
نأخذ منه صفة المجيء، وكقوله -تبارك وتعالى-: ﴿الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، الفعل استوى نشتق منه صفة الاستواء،
وفي الحديث المتواتر: «ينزل ربنا حين يبقى الثلث الأخير
من الليل»، نأخذ من كلمة «ينزل» صفة
النزول، فالصفة تشتق من الفعل.
المصدر الثاني ... أن تشتق من الأسماء الحسنى؛ لأنه ما من اسم إلا
ويتضمن صفة، فتأخذ الصفة من الاسم، السمع من السميع، والعزة من العزيز، والحكمة من
الحكيم.
المصدر الثالث ... أن ينص على الصفة صراحة، كصفة الوجه، صفة اليدين،
صفة العينين، أو غيرها مثلاً صفة الرحمة ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، صفة النفس، وصفة
الرحمة إلى غير ذلك، فهذه مصادر الصفات.
القاعدة السابعة: باب الصفات أوسع من باب الأسماء
ولهذا من أهل العلم من قال: بأن باب الصفات أوسع
من باب الأسماء،وذلك أن باب الصفات يتضمن صفات كثيرة، أكثر من صفة، يعني أنك تشتق
من الأسماء صفات، ولا عكس، يعني لا تشتق من الصفات أسماءً، ولا تشتق من الأفعال
أسماءً، يعني ما تقول: إذا كان الله -تبارك وتعالى- من صفاته المجيء، ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ فلماذا لا نسميه الجائي، هنا ما
يجوز، إن كان من صفاته الاستواء على العرش، هل يصح أن نسويه المستوي؟ لا يجوز،
وهكذا، لا تشتق الاسم من الفعل، وإنما تشتق الصفة من الفعل، وتشتق الصفة من الاسم،
أو ينص على الصفة، ولهذا قالوا: بأن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، باب الأسماء
توقيفي،
ليس له إلا مصدر واحد، أما باب الصفات، وهو وإن كان توقيفيًّا إلا أنه
له ثلاثة مصادر.
القاعدة الثامنة: معتقد أهل السنة والجماعة
في الإيمان بأسماء الله وصفاته إجمالاً: أنهم
يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم- في
سنته الصحيحة، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه، وما نفاه عنه رسوله -صلى
الله عليه وسلم- في سنته الصحيحة.....هذه القاعدة، وهذا الإثبات والنفي
بهذه الضوابط، من غير تحريف، ولا تعطيل لهذه الصفات، ومن غير تمثيل ولا تكييف،
فيثبتون لله هذه الأسماء والصفات على الوجه اللائق به، من غير تحريف، والتحريف هو
تغيير المعنى. نعم قد يوجد من أنواع التحريف -وإن كان هو نادر- تحريف
الألفاظ، وهذا نادر، لكن الغالب هو تحريف المعاني، يعني مثلاً تحريف معنى
النزول بنزول ملك، أو نزول رحمة، فهذا تحريف باطل، أو تحريف الاستواء، بالاستيلاء،
أو تحريف المجيء بمجيء ملك، هذا تحريف باطل ﴿يُحَرِّفُونَ
الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46] فيحرف المعنى إلى معنى آخر،
تحريف صفة اليدين، أو صفة العينين، أو صفة القدم بمعاني أخرى، تحريف صفة المحبة
بالثواب أو إرادة الثواب، تحريف صفة الغضب بالانتقام أو إرادة الانتقام، كل هذا
تحريف للكلم عن مواضعه، وتحريف لأسماء الله وصفاته، فالواجب على المؤمن الموحد أن
يثبتها لله كما أثبتها لنفسه -تبارك وتعالى-، من غير أن يحرف هذه المعاني؛ لأن
القرآن نزل بلسان عربي مبين، والعرب في لغتها لا تفهم من هذه المعاني إلا هذه
الصفات اللائقة بالرب -تبارك وتعالى-، ولهذا لما نزلت هذه الصفات ما أشكلت على
العرب، وهم أهل اللغة، وإنما أشكلت على المتأخرين بسبب لوثات التعطيل، والتحريف،
والإلحاد.
ـ فهم يثبتونها من غير تحريف، ولا تعطيل، التعطيل هو
إبطال المعاني، ويسمونه تفويض، ويزعمون أن هذا مذهب السلف،
وكذبوا، فإن السلف كانوا يثبتون المعاني، ويفوضون الكيفيات، الكيف مجهول، لكن كانوا
يثبتون المعاني، يعرفون ما معنى استوى، ما معنى المجيء، ما معنى النزول، وهكذا
سائر الصفات، ولكن المحرِّفة يعطِّلون هذه المعاني، ولهذا يزعمون بأن هذه الصفات
لا معنى لها، وكأننا نخاطَبُ بالقرآن بأشياء لا نفقه لها معنى، إذن أين تدبر
القرآن؟ فالتعطيل، وهو إبطال هذه المعاني أيضًا باطل، ولا تمثيل: أي لا تمثل بصفات
المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فصفاته تليق به، ولا تكييف: أي
لا يبين كيفية هذه الصفات، ولهذا تذكرون العبارة المشهورة عن الإمام
مالك، لما سئل عن كيفية الاستواء، قال الإمام مالك إمام دار الهجرة، وهي ممكن أن
نعتبرها قاعدة في باب الإيمان بالأسماء والصفات، لما سأله رجل عن كيفية الاستواء،
كيف استوى ربنا على العرش؟ قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال
عنده بدعة".
ـ الاستواء معلوم، معلوم في لغة العرب، استوى
يعني علا، وصعد، وارتفع، واستقر، فهو معلوم في لغة العرب، العرب لا تجهل هذا، ولم
تستنكر هذا عند نزول القرآن، وإنما استنكره المتأخرون، والمتأثرون بالفلسفات،
والتعطيل، فهو معلوم، الاستواء معلوم.
ـ والكيف مجهول،
كيفية ذلك مجهولة؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
ـ والإيمان به
واجب؛ لأن الله أثبت هذه الصفة في كتابه في سبعة مواضع.
ـ والسؤال عنه
بدعة، الضمير
يعود على الكيفية، أما الاستواء فهو صفة لله، وهذه قاعدة يمكن أن
تطبقها في كل من يسألك عن الكيفية، بمعنى: لو سألك
سائل، قال: كيف ينزل ربنا؟ بماذا تجيبه؟ بهذه القاعدة، كيف تجيبه بقاعدة الإمام
مالك؟..الجواب... تقول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به
واجب، والسؤال عنده بدعة.
ـ لو سأل سائل: كيف يجيء، ماذا تقول؟ الجواب.....المجيء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به
واجب، والسؤال عند بدعة....وهكذا في كل من
يعترض على صفات الرب -تبارك وتعالى-، تجيبه بهذه القاعدة العظيمة.
ـ ولهذا قيل أن
الإمام مالك -رحمه الله- بعد هذا الجواب، قال لهذا السائل: وما أراك إلا امرئ سوء، ثم
أُمر به، فطُرد من المسجد، وقبل أن يجيب، أطرق رأسه، والعرق يتحدر من جبهته لشناعة
السؤال؛ لأنه قال: والسؤال عنه بدعة، لماذا بدعة؟ ما كان الناس في عهد النبي -صلى
الله عليه وسلم- يسألون هذا السؤال الذي يُفهم منه الاعتراض، ولهذا المرأة التي سألت
عائشة فهمت منها الاعتراض، قالت: ما بال المرأة الحائض تؤمر بقضاء الصوم، ولا تؤمر
بقضاء الصلاة؟ السؤال يُفهم منه الاعتراض،
فقالت لها أم المؤمنين: "أحرورية أنتِ" يعني هل أنت من الخوارج حتى
تسألين هذا السؤال؟ قالت: "لا، إنما أنا سائلة"،قالت: "كنا في عهد
النبي -صلى الله عليه وسلم- نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، يعني
الدين مبني على التسليم، والامتثال، ولهذا جاء في الأثر: "لا تكونوا كاليهود، يقولون: لماذا أمر ربنا، ولكن قولوا:
ماذا أمر ربنا"؛ لأن من عادة اليهود الاعتراض، ولهذا تجد أحيانًا من
بعض المتنطعين الاعتراض على نصوص الصفات، أو على الأوامر والنواهي، ويحكم عقله في
أمر لا مجال للعقل فيه، وإنما عليه الامتثال لخبر الله -تبارك وتعالى-، والامتثال
لأمره، ولنهيه.
ـ يقول -تبارك
وتعالى- في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هذه الآية يمكن أن نعتبرها قاعدة في باب
الأسماء والصفات، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ جمع الله فيها بين النفي والإثبات، وهكذا الإيمان
بالأسماء والصفات لا يتحقق إلا بأن تثبت لله ما أثبته لنفسه، وتنفي عن الله ما
نفاه عن نفسه، وهكذا التوحيد، كلمة التوحيد مكونة من ركنين، النفي والإثبات،
"لا إله إلا الله"؛ لأن النفي وحده ليس بتوحيد، والإثبات وحده لا ينفي
الشريك، إذن لا يتحقق إيمانك بالأسماء والصفات حتى تجمع بين النفي والإثبات، ولهذا
أهل العلم، ذكروا أن الله -عز وجل- قد جمع في ما وصفه، وسمى به نفسه بين النفي
والإثبات، لاحظوا في الآية النفي مجمل؛ لأن هذا أعظم في التنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والإثبات مفصَّل، وهذه
طريقة القرآن والسنة، خلافًا لطريقة المتكلمين، الذين يفصِّلون في النفي، ويجملون
في الإثبات، أما طريقة القرآن فالنفي مجمل، والإثبات مفصَّل.
ـ أهل الحق أهل السنة يجمعون بين النفي والإثبات، فلا يغلون
في الإثبات إلى حد التمثيل والتشبيه، ولا يغلون في التنزيه إلى حد التعطيل،
فلهذا قولنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾لا يفهم
منه التعطيل ، وقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ لايفهم منه التشبيه والتمثيل، فالجمع بين شرط أول
الآية، وآخرها يتبين المراد، وأن الإثبات لا يستلزم منه التشبيه، وأن التنزيه، لا
يستلزم منه التعطيل، فيثبتون إثباتًا من غير تمثيل، يعني لا يغلون في الإثبات إلى
حد التمثيل، ولا يغلون في التنزيه إلى حد التعطيل، بل هم وسط بين الغلاة والجفاة،
حسنة بين سيئتين، سيئة الإفراط والتفريط، وما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغ، إما
الإفراط، أو التفريط، في كل باب من أبواب الدين، ومر معنا نماذج من هذا، في باب القدر
تجد الجبري والقدري، في باب الأسماء والصفات تجد المعطل والمشبه الممثل،
وهكذا في كل باب من أبواب الدين، تجد الغالي والجافي، وأهل الحق وسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:
143].
القاعدة التاسعة: صفات الله على نوعين:
صفات مثبتة ،صفات منفية.
ـ صفات مثبتة،
أثبتها الله لنفسه، كما مر معنا في الآية السابقة: ﴿وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ـ صفات منفية،
النفي إما مجمل أو مفصَّل، المجمل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ ﴾ أو مفصَّل ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا
نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3].
القاعدة لعاشرة ... وهي قاعدة مهمة .... أن النفي ليس نفيًا محضًا، بل يتضمن ضده من صفات الكمال،
فإذا نفيت عن الرب -تبارك وتعالى- السِّنة يتضمن كمال القيومية، وهكذا إذا نفيت
عنه النوم، وهكذا إذا نُفي لم يلد ولم يولد، هذا يتضمن كمال القيومية، وعدم
احتياجه -عز وجل- إلى غيره....وعليه: فإن الله قد جمع في ما وصفه وسمى به نفسه
-كما تقدم- بين النفي والإثبات؛ لأن الصفات منها ما هو منفي، ومنها ما هو مثبت،
كما هو ظاهر في آية الكرسي، التي هي أعظم آية في كتاب الله، ففيها نفي، وفيها
إثبات، وكذلك سورة الإخلاص، التي تعدل ثلث القرآن، فيها نفي، وفيها إثبات، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ هذا إثبات ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ إثبات ﴿
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾
[الإخلاص] هذا نفي، فتضمنت الصفات المثبتة والمنفية عن الرب -تبارك وتعالى.
الصفات الثبوتية للرب -تبارك وتعالى- على
نوعين:
1ـ صفات ذاتية .... لا تنفك عن الرب -تبارك
وتعالى-، لم يزل، ولا يزال متصلاً بها، كالسمع، والبصر، ونحو ذلك، يسميها أهل
العلم: صفات ذاتية، ومنها صفة الوجه، وصفة اليدين، وصفة العينين، ذاتية.
2ـ
صفات تتعلق بالمشيئة .... يفعلها متى شاء، كيف شاء، إذا شاء، مثل صفة المجيء، صفة
النزول، صفة المحبة، صفة الغضب، صفة الرضا، فهذه متعلقة بالمشيئة، يفعلها متى شاء
إذا شاء -تبارك وتعالى.
ـ هناك بعض
الصفات يمكن أن تعتبرها ذاتية، وفعلية باعتبارين، يعني مثال صفة الكلام، إن نظرت
إلى آحاد الكلام فهي صفة فعلية، وإن نظرت إلى نوعه فهي صفة ذاتية، أي أنه متصل
بهذه الصفة في الأذل والأبد، وهكذا يقال في بقية الصفات، يمكن أن تعتبرها ذاتية باعتبار،
وفعلية باعتبار آخر.
القاعدة الحادية عشرة: الصفات المشتقة من الأسماء كلها صفات كمال، والصفات
المشتقة من الأفعال ينظر فيها.
ـ الصفات المشتقة من الأسماء كلها صفات كمال، فيوصف الرب
-تبارك وتعالى- بها على الإطلاق، كل صفة مأخوذة من الأسماء يوصف الرب -تبارك
وتعالى- بها بإطلاقها؛ لأنها صفة كمال مطلق، أما الصفات المأخوذة من غير الأسماء،
كالمأخوذة من الأفعال، فإن هذه الصفات يُنظر فيها، إن كانت صفة كمال بإطلاق،
فنثبتها للرب -تبارك وتعالى- على إطلاقها، كصفة العدل، وإن كانت صفة كمال بقيد،
فإنا نثبتها للرب بقيدها، لا على جهة الإطلاق، يعني مثال: صفة المكر، والاستهزاء،
والخداع، والكيد، هل نصف الرب بها؟ أو لا نصفه؟ يعني قد يقول قائل:
الله -تبارك وتعالى- يقول في كتابه: ﴿وَإِذَا لَقُوا
الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا
إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [البقرة: 14، 15] وهكذا في
سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ
اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]، الشاهد: "وهو خادعهم"،
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى
يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء:
142]، في سورة الأنفال: ﴿وَيمْكُرُونَ وَيمْكُرُ اللَّهُ
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]، في سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ
الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا ﴾ [الطارق: 15- 17].
فهل صفة الاستهزاء،
صفة الخداع، صفة المكر، صفة الكيد، يوصف الرب؟
الجواب .... أن هذه الصفات جاءت مقيدة، فيوصف الرب -تبارك وتعالى- بها بقيدين:
يقال: يستهزئ بالمستهزئين، يخادع المخادعين، يمكر بالماكرين، يكيد بالكائدين، فلا
يوصف بها بإطلاق مجرد؛ لأن الإطلاق المجرد قد تتضمن صفة ذم، وإنما تكون صفة مدح
إذا كانت في مقابل من يستحق ذلك، ولهذا يسميها أهل العلم: صفة مدح بقيد، فإذا كانت مقابل من يستحق ذلك، فإنها صفة مدح
بقيد، بالإطلاق، فإنها تكون صفة ذم.
هناك النوع الثالث: صفات ذم ونقص مطلق،
مثال: صفة الخيانة، لا يوصف الرب بها ، ولهذا تجد من الناس أحيانًا، تجده يقول:
الله يخون من يخونه، أو الله يظلم من يظلمني؟ لا يصح، خطأ، لأن الله -عز وجل- ليس
بظلام للعبيد، فصفات
الذم المحض لا يوصف الرب بها، لا بقيد، ولا بإطلاق؛ لأن الله منزَّه عنها،
ومنزَّه مثلاً عن صفة العمى، صفة الصمم، صفة الظلم، صفة الخيانة؛ لأن هذه الصفات
ذم مطلق فلا يوصف الرب -تبارك وتعالى- بها، ولهذا لم ترد لا في الكتاب، ولا في
السنة الصحيحة، بل نفاها الله عن نفسه «يا عبادي إني
حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا».
القاعدة الثانية عشر: ما ليس فيه نفي ولا إثبات من الصفات نتوقف
عن إثباتها للرب تبارك وتعالى
ـ إن الصفة التي
لم يرد دليل من الكتاب ولا من السنة الصحيحة بإثباتها للرب، ولا بنفيها، نتوقف في
إثباتها لله -تبارك وتعالى-، فلا نثبتها لله....أما من جهة المعاني: فإنا نستفصل
عن من أطلق هذه الصفات، ماذا تريد بهذا المعنى؟ إن كان المعنى وافق المعاني
الثابتة، قلنا المعنى صحيح، وإن كان المعنى خالف ما جاء في الكتاب والسنة رددنا
اللفظ والمعنى. ...مثال: لو قال قائل: بأن الله في جهة، فاللفظ مجمل. فهل نصف الرب بأنه في جهة، أو لا نصف؟ الجواب...نسأله،
ونستفصل منه، فإن كان يريد بالجهة جهة العلو، فهذا صحيح.لأنه يجب أن تعبِّر بالعلو
والأعلى، ولا تعبِّر بهذا اللفظ المحدث........ وإن قال: أقصد نفي جميع الجهات
الست.فهذا باطل، ويرد عليه، لمخالفته النصوص الواردة الثابتة.لأنه ينفي صفة العلو،
التي فيها أكثر من ألف دليل، فمثل هذه الألفاظ المحدثة يتوقف في اللفظ، ويستفصل في
المعنى، وللأسف قد تجري مثل هذه الألفاظ على ألسنة الجهَّال وتجد أحيانًا على بعض
الكتَّاب يتساهلون في مثل هذه الألفاظ، لو قال قائل: بأن الله مهندس الكون، فهذا
خطأ لأنه لفظ محدث.
مثل هذا في
الألفاظ المحدثة، فيتوقف في اللفظ، ويُنظر في المعاني التي قصدها من أطلق هذه
الألفاظ المحدثة.
القاعدة الثالثة عشرة: ما معنى الإلحاد في أسماء
الله -تبارك وتعالى- وصفاته؟ لأن الله قال: ﴿وَذَرُوا
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ﴾ [الأعراف: 180].
الإلحاد هو الميل.. فالإلحاد في
اللغة مأخوذ من اللحد، واللحد هو الانحراف، ويسمى اللحد في القبر، لأنه يشق، ثم
يُلحد إلى جهة القبلة، فاللحد هو الانحراف، والإلحاد يكون في آيات الله الكونية، بنسبتها لغير الله،
أو يكون في
آيات الله الشرعية، بإبطالها، أو عدم العمل بها، أو يكون الإلحاد في أسماء الله
وصفاته، فيميل بها عمَّا أراد الله -تبارك وتعالى- ورسوله.
فالإلحاد هو الميل بالأسماء والصفات عمَّا
أراده الله -تبارك وتعالى
ـ من أمثلة الإلحاد
1ــ أن يُنكر
شيئًا من الأسماء والصفات، فيُنكر صفة الاستواء، صفة النزول، صفة المجيء، وصفة
السمع، صفة المحبة، صفة الرضا، فهذا إلحاد.
2ـ يُنكر ما دلت
عليه من الصفات والأحكام، يعني يثبتها كما هو عند المعتزلة، لكن يعتبرها جامدة،
فينفي الصفات التي تضمنتها هذه الأسماء، أو الآثار كما يفعل أهل التعطيل والتحريف،
الذين يحرِّفون معاني هذه الأسماء والصفات.
3ـ أن يجعلها
دالة على صفات تشبه صفات المخلوقين، كما فعل المشبهة والممثلة، فيصف الرب -تبارك
وتعالى- بصفات هي للمخلوقين، بمعنى أن يغلو في الإثبات إلى أن يشبه الخالق بالمخلوقين،
والله ليس كمثله شيء.
4ـ أن يسمي الله
-عز وجل- بما لم يسم به نفسه، فيخترع له أسماء، كما يسميه النصارى: الأب، أو
يقولون: الآب، أو يسميه مثلاً الفلاسفة: علة الوجود، والله -تبارك وتعالى- منزَّه
عن ذلك، أن يوصف، أو يسمى بما لم يسم به نفسه.
5ـ أن يشتق من أسمائه
أسماءً للأصنام، كما فعل المشركون الأوائل، فاشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا
اللات من الإله، واشتقوا مناة من المنان، فكل ذلك من صور الإلحاد في أسماء الله
-تبارك وتعالى- وصفاته.
القاعدة الرابعة عشرة: في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، كيف
تدعوه؟ تمتثل هذه الأمر؟
الجواب: أن الدعاء على نوعين: دعاء مسألة، ودعاء عبادة.
ـ دعاء المسألة
...هو أن تتوسل بأسماء الله كما جاء في دعاء الهم والغم، بمعنى أنك تجعل هذه
الأسماء وسيلة بين يدي مطلوبك، فتختار من الأسماء ما يناسب الحال، إن كنت تسأل
الرحمة، تتوسل بأي اسم؟ يا رحمن، يا رحيم، إن كنت تسأل الرزق، يا رزاق، إن كنت
تسأل المغفرة، يا غفور، وهكذا، تجعل بين يدي مسألتك ما يناسب من أسماء الله، وهذا
هو التوسل المشروع، كما جاء في دعاء الاستخارة: «اللَّهمَّ
إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر،
وتعلم ولا أعلم»، فكل هذا من التوسل المشروع.أ
ـ دعاء العبادة
... هو أن تتعبد الله -عز وجل- بمقتضى هذه الأسماء، مقتضى الرحيم الرحمة، فتعمل
العمل الصالح، الذي يكون جالبًا لرحمة الله -تبارك وتعالى-، تتوب لأنه التواب، إلى
غير ذلك.
ـ لهذا من آثار
الإيمان بالأسماء والصفات: أن يكون لها أثر مسلكي في خُلق الإنسان، وفي تعاملاته.
أسماء
الله على نوعين: إن
دلت على وصف متعدٍ تضمنت ثلاثة أمور:
1ـ ثبوت الاسم
لله.
2ـ ثبوت الصفة.
3ـ العمل بمقتضى
هذا الاسم، وتلك الصفة.
ـ مثال... السميع
يتضمن إثبات السمع، ويتضمن إثبات اسمه السميع، ويتضمن أنه -عز وجل- يسمع السر
والنجوى، ويجيب دعاء من دعاه، وهكذا.
ـ أما إذا كان الاسم غير متعدٍ مثل اسم الحي، فالإيمان به
يتضمن :
1ـ إثبات الاسم.
2ـ إثبات الصفة
التي تضمنتها هذا الاسم.
ـ فالإيمان بالأسماء والصفات له أثر مسلكي في أخلاق المسلم،
ولهذا من أهل العلم من استنبط قواعد عقدية، وقواعد فقهية من آثار الإيمان بالأسماء
والصفات، فإذا كنت تعلم أن الله يحب هذا العمل، فتتقرب إلى الله رجاء أن يحبك
الله، تعلم أن الله يرضى، فإنك تتقرب إلى الله بهذا العمل، يغضب، ويسخط، ويكره،
تجتنب هذه الأعمال، فتتعبد الله بمقتضى هذه الأسماء والصفات.
هل أسماء الله تتفاضل من جهة معانيها وآثارها
والصفات؟
ـ الجواب: نعم، فمن أسماء الله ما هو الاسم الأعظم، الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا
دُعي بها أجاب، من أهل العلم من قال: هو الله، منهم من قال: هو الحي القيوم، فإذن
يدل على أن من أسماء الله ما هو الاسم الأعظم، فتتوسل إلى الله -تبارك وتعالى- به.
ـ مثلاً من
الصفات المحبة، فمحبته للفرائض، أعظم من محبته للنوافل، ولهذا كان الصحابة يسألون
النبي -صلى الله عليه وسلم- دائمًا عن أحب الأعمال إلى الله، بل من كلامه.. يعني
من الذكر ما هو أحب، فـ«أحب الكلام إلى الله أربعة»،
و«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»،
و«ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه»، فيدل على أن صفة المحبة متفاضلة، وهكذا الرضا، هل رضاه
عن السابقين والمقتصدين كرضاه عن عصاة المؤمنين؟ هكذا محبته للتوابين، فمن تاب من
جميع الذنوب محبته تختلف عن محبته من تاب من ذنب دون ذنب، وهكذا يقال في صفة
الكلام، القرآن من كلام الله، ومع ذلك سورة الفاتحة أعظم سورة، وآية الكرسي، أعظم
آية، وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، إذن هو متفاضل من جهة المتكلم فيه، أما
المتكلم فهو واحد، لكن لا يمكن أن تجعل سورة الإخلاص مثل سورة المسد، فهذا يدل لك
على أن الصفات متفاضلة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق