تلخيص الدرس الخامس عشر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا يليق بوجهه وعظيم سلطانه،
اللَّهمَّ لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما تحب ربنا وترضى، وأصلي
وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل
من صلى وسلم عليه.
نواقض
التَّوحيد ونواقصه
ما الفرق بين النواقض والنواقص؟
الجواب....الناقض يبطل التَّوحيد،
ويذهب بإيمان الإنسان.يبطل التَّوحيد من أصله، فيكون مُخرج من الملة، أما الناقص
ينقص التَّوحيد والإيمان، ولكنه لا يُخرج من الملة. فيُذهب كماله الواجب، فيصبح
صاحبه معرَّض في الآخرة للوعيد وللنار، ولكنه لا يخلَّد فيها مادام معه أصل
التَّوحيد.
من
نواقض التَّوحيد والإيمان
1ـ
الخوف من غير الله -عز وجل- على جهة التعبد والتعظيم لهذا المخوف، ويدل على هذا قول الله -تبارك وتعالى- في سورة آل
عمران: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ
أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يُخوِّف المؤمنين بأوليائه ﴿إِنَّمَا
ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن
كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، لاحظوا الآية فيها نهي، وفيها أمر،
النهي عن الخوف من غير الله، والأمر بالخوف من الله -تبارك وتعالى- فدل على أن
الخوف من الله -تبارك وتعالى- عبادة، فحينئذ صرفه لغير الله يكون من الشِّرك، بل
إن الله -عز وجل- شرط ذلك في الإيمان، فقال: ﴿إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ﴾ يعني إن كنتم مؤمنين فخافون، وعلى هذا فمن كمَّل عبادة
الخوف، كمَّل الإيمان والتَّوحيد، فمن نقص خوفه من الله، نقص توحيده وإيمانه بأن
الله -تبارك وتعالى- أمر بالخوف منه -تبارك وتعالى-، ونهى عن الخوف من غيره -عز
وجل-، فدل على أن الخوف من غير الله من أفراد وأنواع الشِّرك، ثم علَّق ذلك على
الشرط، بقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: إن
كنتم مؤمنين حقًّا فخافون ولا تخافوا غيري، فدل على أن الخوف من الله عبادة، وأن
صرفه لغير الله -عز وجل- من أنواع الشِّرك.
ما علاقة الخوف من الله بالتَّوحيد
والإيمان؟
الجواب.... أن الله -عز وجل- جعل الخوف
منه شرطًا في الإيمان، دل على ارتباط هذه العبادة القلبية العظيمة بالإيمان
والتَّوحيد، بل إن الخوف من الله -عز وجل-، وهو عمل قلبي هو أحد أركان العبادة، والعبادة تقوم على ثلاثة أعمال قلبية، وهي:
الخوف، والرجاء، والمحبة، هذه هي أركان العبادة، المحبة، والخوف، والرجاء، ولهذا مثَّلها بعض السلف بالطائر، فقال: المحبة
رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فإذا سلم الرأس والجناحان، فالطائر جيد الطيران،
وإذا قُطع الرأس مات الطائر، وإذا كُسر أحد الجناحين، فهو عُرضة لكل صائد، فإذن لا
يكون الطائر جيد الطيران حتى يسلم الرأس الجناحان، أي: تسلم المحبة والخوف
والرجاء، فيكون جيد الطيران، لكن لو زال الرأس، زال المحبة، لا قيمة للخوف والرجاء
حينئذ، لو اختل أحد الجناحين، اختل الخوف، أو اختلف الرجاء، فيكون عرضة لكل صائد، ولهذا
ينبغي للإنسان أن يوازن بين الخوف والرجاء، كما أن الطائر يوازن بين جناحيه، ليكون
جيد الطيران، فكذلك المؤمن يوازن بين عبادة الخوف والرجاء، فيخاف من عقاب الله
الدنيوي والأخروي، يخاف في ما إذا فرَّط في أمر من أوامر الله، يخاف في ما إذا ما
ارتكب نهيًا من نواهي الله، وفي المقابل يرجو الله -تبارك وتعالى-، ضد الخوف: الأمن من مكر
الله، وضد الرجاء: اليأس والقنوط من رحمة الله.
ولهذا العبارة المشهورة عن السلف، قالوا: من عَبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عَبد الله بالخوف
وحده فهو حروري، ومن عَبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عَبد الله بالحب
والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحِّد، فإذن ينبغي للمسلم أن يُعنى بهذه
العبادات القلبية الثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء.والنقص في واحد منها هو نقص في
التَّوحيد والإيمان، وبكمالها يكمل توحيد العبد وإيمانه، ولاشك أن من خاف من الله
-عز وجل- عظَّم حدود الله، من خاف الله -عز وجل- وخاف وعيده، وخاف عذابه الدنيوي
والأخروي، عظَّم أمره، وعظَّم نهيه، والله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى
الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ
حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]، وهذا
التعظيم لا يكون إلا بالخوف من التقصير في أوامر الله، والخوف من انتهاك محارم
الله -تبارك وتعالى-، ولهذا نقول كما ينبغي له أن يُعنى بنصوص الوعد والترغيب
ليدفعه ذلك للعمل، يجب عليه أن يُعنى كذلك بنصوص الوعيد والترهيب، ليزجره عن
التهاون في أوامر الله، ويزجره عن التساهل في نواهي الله -تبارك وتعالى-، ولهذا
العبد لا يمكن أن يحقق هذه العبودية إلا بتحقيق الخوف والرجاء والمحبة.
ـ يتبين بذلك
أهمية هذه العبادة، وعلاقة هذه العبادة بتوحيد العبد وإيمانه، فلا يتحقق توحيده،
ولا يكمل إيمانه إلا بتحقيق هذه العبادة.
أقسام الخوف من غير الله -عز وجل:- قد يكون
من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، وقد يكون من الأمور الطبيعية.
1ـ يكون الخوف شركًا أكبر
إذا خاف من غير الله كخوفه من الله، المؤمن يخاف من الله على جهة التعظيم،
والتذلل، والتعبد لله -تبارك وتعالى-، فإذا صرف هذا الخوف، خوف العبودية والتذلل
والخضوع إلى غير الله -تبارك وتعالى- فقد جعل هذا المخوف منه شريكًا لله -تبارك
وتعالى-، ولهذا أهل العلم يسموا هذا الخوف الشركي يسمونه بخوف السر، يعني الإنسان يخاف في نفسه من
هذا المعبود، يخاف من الجن، أو يخاف من صاحب القبر، يخاف من هذا الميت أن يضره، أو
أن يدخله النار إن لم يقرِّب له القرابين، ويكون هذا الخوف اعتقاد أن هذا المخوف
منه له قدرة، وله مشيئة، بأنه يضر، هذا الذي لم يخف منه، فيكون هذا الخوف الذي فيه
هذا التعبد، وهذا التذلل، ويسميه أهل العلم بخوف السر، فيكون هذا الخوف من الشِّرك الأكبر،
أعاذني الله وإياكم منه.
أويخاف منه في
الدنيا أن يصيبه بشر، أن يقطع رزقه بمشيئته وقدرته، فحينئذ يكون قد خاف هذا المخوف
المعبود، كما خاف الله -تبارك وتعالى-، فيكون هذا النوع من الخوف من الشِّرك
الأكبر... وهذا
القسم من نواقض الإيمان.
2ـ يكون الخوف من الشِّرك
الأصغر، يعني من الأمور المحرمة، التي ينقص بها التَّوحيد والإيمان،
ولكن لا يزول، يعني يكون
من النواقص لا من النواقض ومثاله: الخوف من المخلوق بترك أمرًا من أوامر
الله، أو بارتكاب نهي من نواهي الله بلا عذر، كأن يخاف من ذم المخلوق له، فيترك
أوامر الله، يخاف من ذم المخلوق له فيرتكب نواهي الله -تبارك وتعالى-، فيكون هذا
الخوف من الوسائل المؤدية إلى المحرمات، بتركه للواجب، أو فعله للمحرم خوفًا من
هذا المخلوق بلا عذر، وقلنا بلا عذر؛ لأن هناك أمور قد يُكره المسلم عليها، لكنه
هنا فعله على سبيل المداهنة، على سبيل المجاملة، و القاعدة الشرعية: لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق، فإذا أطاع المخلوق في معصية الخالق بلا عذر بلا إكراه، فيكون قد خافه من
هذا الوجه، فيكون هذا وسيلة إلى الشِّرك، فيكون من أنواع الشِّرك الأصغر....لا يصلي مثلاً
خوفًا من المخلوق، لا يحضر الجماعة خوفًا من ذم المخلوق له، أو استخفافه له، أو
انتقاصه له، فيداهن في دين الله، فيكون هذا الفعل حينئذ من المحرمات، ومن نواقص
الإيمان، ولهذا تأملوا في حديث أبي هريرة في إنكار المنكر: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» هذا خطاب للأمة
جميعًا، «فإن لم يستطع» هنا وضع الشرط، «فإذا لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه»، ثم
قال: «وذلك أضعف الإيمان»، فجعل هذا أضعف
الإيمان، فإذا استطاع أن يغير المنكر بيده، لكنه لا يغيره خوفًا من الناس، وهو
باستطاعته بلا عذر، فيدل على الضعف في إيمانه، يمكن أن يغير المنكر بلسانه، لكنه
يخاف من ذم الناس له، وانتقاص الناس له، بلا عذر، فحينئذ يكون هذا دليل على ضعف
الإيمان، ولهذا في حديث ابن مسعود: «وليس وراء ذلك من
الإيمان حبة خردل».
3ـ الخوف الطبعي .... وهو الخوف في ما أسبابه ظاهرة، يخاف الإنسان
من الأشياء التي يخاف منها بالطبع، وأسبابه ظاهرة، كالخوف مثلاً من النار، أسبابه
ظاهرة، يخاف مثلاً من الذئب، يخاف من ذوات السموم، فحينئذ هذا الخوف طبعي وجائز،
ومأذون فيه شرعًا، بل قال الله -عز وجل- عن موسى -عليه السلام: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]...فهذا
الخوف في ما أسبابه ظاهرة، ليس فيه تعبد ولا تذلل، وإنما هو خوف من أمور أسبابها
ظاهرة، فيكون هذا من الخوف الطبعي.
ـ إما أن يكون من
باب التعظيم، والتذلل، والخضوع، وهذا يجب صرفه لله -تبارك وتعالى-، فإذا صرفه
للمخلوق، فقد أشرك مع الله -عز وجل- غيره.
ـ وإما أن يكون
من غير تذلل ولا خضوع، ولا تعظيم، ولا قربة، بل يكون خوف في ما أسبابه ظاهرة،
فحينئذ يكون هذا من الأمور الطبعية، كالحب الطبعي.
من أدلة ذلك .... (1)ـ قول الله
-تبارك وتعالى- في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ
مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ وهنا يشمل العمارة المعنوية، والعمارة الحسية، العمارة
المعنوية بالصلاة فيها، بحضور حِلق العلم فيها، إلى غير ذلك، وكذلك العمارة الحسية
ببنائها وصيانتها ونظافتها. ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ
اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18]، لا حظ هنا: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، في الآية نفي واستثناء،
"وَلَمْ يَخْشَ" هذا نفي، "وَلَمْ يَخْشَ" ثم الاستثناء "إِلَّا اللَّهَ" يدل على إفادة الحصر والقصر
على أنه لا يخشى، والخشية
هي مرتبة من مراتب الخوف، الخشية أخص من الخوف، خوف معه علم، ولهذا الله
-عز وجل- قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، فالخوف مراتب ودرجات، يُقال الخوف، ويُقال
الخشية، ويُقال الوجل، والإشفاق، والرهبة، إلى غير ذلك، كلها من مراتب الخوف،
فالخشية هي أخص من الخوف؛ لأنه خوف بعلم، فالله -عز وجل- أثنى على هؤلاء الذين
يعمرون مساجد الله بقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾
فدل على أن الخشية يجب أن تكون لله -تبارك وتعالى-، فإذا صرفها العبد لغير الله،
فقد جعل ذلك الغير شريكًا لله -تبارك وتعالى.
(2)ـ يقول الله -تبارك
وتعالى- في سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ
آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ
كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا
مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾
[العنكبوت: 10]، لاحظوا هنا هؤلاء لما ابتلوا وفتنوا، جعلوا فتنة الناس كعذاب
الله، فهذا هو موضع الخلل والضعف عندهم، أنهم خافوا الناس كخوفهم من الله -تبارك
وتعالى-، فجعلوا فتنة الناس كعذاب الله، بأن خافوهم كخوفهم من الله -تبارك وتعالى-،
هذا الخوف من الناس أوجب لهم أن يتركوا أوامر الله، وأن يرتكبوا محارم الله، فأوقعهم
هذا الخوف من الناس في معصية الله -تبارك وتعالى-، فذمهم الله -عز وجل- لأجل هذا،
فذمهم لأنهم صرفوا الخوف لغير الله -تبارك وتعالى- كخوفهم من الله، جعلوا فتنة
الناس كعذاب الله، فيخافوهم كما يخافون من الله -تبارك وتعالى-، فهذا وجه الشِّرك
عند هؤلاء.
(3)ـ جاء في
الحديث الذي رواه البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال:
"إن من ضعف اليقين" اليقين عبادة قلبية، من شروط لا إله إلا الله،
"إن من ضعف اليقين: أن ترضي الناس بسخط الله" إذن لاحظ، هو خاف منهم
فأرضاهم على حساب سخط الله، إما بترك أمر من أوامر الله، أو بفعل نهي من نواهي
الله، "إن من ضعف اليقين" هذا يدل على الضعف في اليقين، فإذا ضعف
اليقين، ضعف الإيمان، وضعف التَّوحيد."وأن تحمدهم على رزق الله" إذن نسب
النِّعم إلى أسبابها، ونسي المنعم المتفضل، ولهذا لاحظوا أن الألفاظ الشركية التي
تجري على أيدي الناس، نسبة النِّعم إلى الأسباب، والغفلة عن المنعم المتفضل -جل
وعلا-، فينسب النِّعم إلى أسبابها، ولهذا يحمدهم على رزق الله، فهذا من ضعف
اليقين، وضعف الإيمان، وضعف التَّوحيد."وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله" فهذا
من ضعف اليقين والتَّوحيد والإيمان.."إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده
كراهية كاره".
وجه الاستدلال بهذا الحديث ... قوله: "إن
من ضعف اليقين" يعني من أسباب ضعف التَّوحيد والإيمان، ولاشك أن هذا الفعل
المحرم هو مما يُضعف التَّوحيد، ويُضعف الإيمان، ويُضعف اليقين، فدل على إن إرضاء
الناس بسخط الله معصية، وذم، ومحرم؛ لأن هذا الذي أرضى الناس بسخط الله، لاشك أنه
خافهم، أو رجاهم من دون الله -تبارك وتعالى-، فوقع في هذا المحذور.
(4)ـ عن عائشة أم
المؤمنين -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس» يلتمس الإنسان رضا الله بسخط الناس عندما لا
تأخذه في الله لومة لائم، فهو يطيع الله فيفعل أمره، ويترك نهيه، وإن رضي من رضي،
وسخط من سخط، فقال: «من التمس رضا الله بسخط الناس»
النتيجة ما هي؟ «رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس»...كما
جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: أني أحب فلانًا
فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه من في السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض»،
فلاحظ لما أرضى الله ولو سخط الناس أحبه الله، وأحبته الملائكة، ووضع الله له
القبول في الأرض.والعكس، لو التمس رضا الناس بسخط الله، فلا يحصل مقصوده وسيعامل
بنقيض قصده.. أولاً من الذي سيسخط عليه؟ سيسخط عليه الله، ولهذا جاء أيضًا في
الحديث السابق: «وإذا أبغض الله عبدًا»، أبغض الله العبد؛ لأنه إما ترك أمرًا من أوامره، أو
ارتكب نهيًا من نواهيه، «إذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل، إني أبغض فلان فيبغضه، ثم ينادي في أهل السماء،
إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه من في
السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض»، حتى ولو تبسم الناس له، ولو ضحكوا
له، النتيجة سيبغضونه، ويوم القيامة هؤلاء سيكون بعضهم لبعض أعداء وعدو، ولهذا
لاحظ: «من التمس رضا الله ولو سخط الناس»
النتيجة «رضي الله عنه وأرضى عنه الناس» فضلاً
من الله -عز وجل-، «ومن التمس رضا الناس» يعني
عكس الآن، أصبح رضا الناس هو الهم، وهو مقصوده، وهو غايته، ورضا الله ليس هي من
الأولويات، ولهذا غالبًا يكون هذا عند من تكون الدنيا همه، إن أعطي منها رضي، وإن
لم يعط منها سخط، فهو يلتمس رضا الناس بسخط الله، ولو كان على حساب ترك واجب من
الواجبات، أو على حساب فعل محرم من المحرمات، كما يحصل أحيانًا من بعض الجلساء لما
يجامل الجلساء على حساب غضب الله، يجرئونه مثلاً هؤلاء الجلساء على ترك الصلاة،
فيجاملهم، يخشى أن يغضبهم، يجرؤه هؤلاء الجلساء على فعل المنكرات، على شرب
المسكرات والمخدرات والتدخين، فيجاملهم، يراهم يفعلون المنكرات ولا ينكر، يقول:
أخشى أن أُغضب هؤلاء الزملاء، فالنتيجة، هل سيرضون عنه؟ أبدًا، ولو جاملوه ستنعكس
المقاصد رأسًا على عقب... ولهذا: «من التمس رضا الناس
في سخط الله» يرى هؤلاء الجلساء ما يصلون، فيخشى أن ينكر عليهم، يرى هؤلاء
الجلساء يفعلون الفواحش والمنكرات، ولا ينكر عليهم؛ لأنه يبتغي رضاهم، النتيجة: «سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس»، فهذا فيه جزاء
الذي أفرد الله -عز وجل- بعبادة الخوف، بأن الله -عز وجل- يرضى عنه، ويكتب له
القبول في الأرض، ويرضى عنه الناس، وفيه جزاء الذي لم يكمِّل هذه العبادة، الخوف فلم
يكمل توحيده، وتكون النتيجة عليه بنقيض قصده، فمن جعل الله -عز وجل- هو همه
ومقصوده، حصل له ذلك المقصود، وأرضى عنه الناس، ومن عكس، فجعل رضا الناس هو الهم
والمقصود حتى ولو على حساب أمر الله ونواهيه، عومل بنقيض قصده ولابد، وهذا أمر
واقع ومشاهد، والناس يرون ذلك، والتاريخ يشهد بذلك....ولهذا فإن كثيرًا من العلماء
كان يقال للمخالفين له: بيننا وبينكم يوم الجنائز، في من يحبه الناس ويترحمون،
ويترضون عنه، وفي من يبغضونه إذا هلك، وهذا شاهد والناس شهداء الله في أرضه....هذا
هو المثال الأول من نواقض ونواقص التَّوحيد.
2ـ من نواقض ونواقص التَّوحيد ... الأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة
الله -عز وجل-، وشواهد هذه النواقص أولاً ما يتعلق بالأمن من مكر الله....مكر
الله -عز وجل- هو استدراجه للعبد إذا عصى، إذا ترك واجبًا أو فعل مُحرَّمًا،
وإملاؤه له حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فيأمن، يكون عنده عدم خوف، ولهذا الأمن من
مكر الله هو ضد الخوف تمامًا، متى يأمن الإنسان من مكر الله؟ إذا لم يخف الله -عز
وجل-، فتجده يتساهل في ترك الأوامر، ويدعي ربك غفور رحيم، يتساهل في ارتكاب
النواهي، قال: ربنا -عز وجل- غفور رحيم، نقول: هو غفور رحيم لمن؟ للمقبل أم
للمعرض؟ للمقبل، وكذلك هو شديد العقاب، ولهذا الله -عز وجل- يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾
[الحجر: 49، 50]، لكن هذا الآمن من مكر الله ينظر للشطر الأول فقط، الذي يوافق
هواه، ويغفل عن الشطر الثاني.
ـ فكما أن
الإنسان يُعنى بنصوص الترغيب التي تدفعه إلى فعل الطاعات، ونصوص الوعد التي
ترغِّبه في العمل الصالح، يجب عليه أن يُعنى كذلك بنصوص الوعيد والترهيب، حتى يحذر
من التساهل في أوامر الله، ويحذر من التهاون في ارتكاب نواهي الله.
ـ أما القنوط من رحمة الله، فهو عكس الرجاء تمامًا، وهو استبعاد الفَرَج، واليأس من روح الله -تبارك
وتعالى-، ففيه سوء ظن بالله -تبارك وتعالى-، كما أن الأمن من مكر الله أيضًا فيه
إساءة ظن بالله -تبارك وتعالى.
ـ الأمن من مكر الله،
والقنوط من رحمة الله كلاهما من كبائر الذنوب التي تنقص كمال التَّوحيد،
فتكون من النواقص؛ لأن الواجب على المؤمن أن يجمع بين عبادة الخوف والرجاء، فإذا
أمن من مكر الله لم يحقق عبادة الخوف، وإذا قنط من رحمة الله، ويئس من رحمة الله
لم يحقق عبادة الرجاء، هذا وجه الخلل في ذلك، فكان الأمن من مكر الله، والقنوط من
نواقص الإيمان والتَّوحيد، وكبائر الذنوب.
ـ يقول -تبارك
وتعالى-: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ
مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99]، فوصف هؤلاء الذين أمنوا
مكر الله بالخسارة فدل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب، فالآية فيها
التحذير من الأمن من مكر الله، وأنها من أعظم الذنوب؛ لأن الله وصف هؤلاء
بالخسران، فدل على أن ذلك من الكبائر.
ـ ويقول الله
-تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ
إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]، أيضًا وصفهم بالضلال، فدل على ذلك على
أن القنوط من رحمة الله -تبارك وتعالى- كبيرة من كبائر الذنوب، القنوط من رحمة
الله هو ضد الرجاء، يعني أنه لم يحقق عبودية الرجاء، والمؤمن المسلم كما أنه يخاف
من ترك أوامر الله، وارتكاب نواهي الله، يرجو كذلك ثواب الله، لكن الرجاء يكون
مبني على عمل، يصلي فيرجو أن الله يقبل منه، يزكي يرجو أن الله يقبل منه، يحج يرجو
أن الله يقبل منه، يفعل الطاعات، يرجو أن الله يقبل منه، فإذا شكك وأساء الظن أن
الله لا يقبل توبته، لا يقبل عمله الصالح، يكون هذا فيه قنوط ويأس من روح الله
-تبارك وتعالى-، فيكون ذلك كبيرة من كبائر الذنوب، لما فيه من إساءة الظن بالله
-تبارك وتعالى.
ـ عن ابن عباس
-رضي الله عنهما- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن الكبائر، فقال: «الشِّرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله»،
وهذا -كما تقدم- لا يفيد الحصر، بل هو على سبيل المثال، بدليل أن هناك أحاديث أخرى
جاءت ببيان كبائر أخرى، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجيب بمثل هذه الأجوبة
بحسب حال السائل، وهذا يدل على أن الذنوب فيها كبائر، وفيها صغائر، كما دل على ذلك
الكتاب والسنة.
وجه الاستدلال بالحديث..... أن الحديث فيه دليل على أن الأمن من مكر الله، واليأس من رحمة الله من
كبائر الذنوب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سُئل عن الكبائر، عدَّ الشِّرك
بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، فدل على أن هذين الذنبين من كبائر
الذنوب، فيكونان من نواقص التَّوحيد والإيمان.
ـ عن ابن مسعود
-رضي الله عنه- قال: "أكبر الكبائر" أيضًا هذا يدل على أن الكبائر هي في
نفسها درجات، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألا
أنبئكم بأكبر الكبائر»، فدل على أن الكبائر التي هي أكبر الذنوب من الصغائر
ودون الشِّرك، هي في نفسها درجات. قال: «أكبر الكبائر:
الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله»،
فهذا الصحابي الجليل عدَّ الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله من الكبائر...لكن
هنا: جمع بين القنوط
واليأس، فما
الفرق بينهما؟ الأمن من مكر الله ضد الخوف، لكن القنوط واليأس، لكن ما الفرق
بينهما.
الجواب... قال أهل العلم: القنوط هو أشد اليأس، هذا من الفروقات التي ذكرها أهل
العلم، فيكون القنوط من رحمة الله هو أشد درجات اليأس، اليأس يكون أعم، والقنوط يكون أخص.
ـ القنوط من رحمة الله هو ...
1ـ كبيرة من
كبائر الذنوب.
2ـ من نواقص
الإيمان، ونواقص التَّوحيد ينافي كمال التَّوحيد.
3ـ فيه سوء ظن
بالله -تبارك وتعالى ـ فيه سوء ظن من وجهين:
الأول: أن هذا القانط من رحمة الله سواءً في نفسه أو يقنِّط
عباد الله، كحال الوعيدية، أصحاب الوعيدية يقنطون الناس، تذكرون قاتل التسعة
وتسعين نفس، لما استفتى العابد، فسأل عن الذنب، فاستعظم ذلك الذنب، فقال: لا توبة
لك، قنَّطه من رحمة الله... فالقنوط سواءً في نفسه أو لغيره، الذي يقنِّط
المسلمين، فتجد أحيانًا من الناس من يغلب الوعيد، فيقنِّط الناس من رحمة الله،
ففيه سوء ظن بالله لأن هذا القانط قد طعن في قدرة الله -عز وجل-؛ لأن من علم أن
الله على كل شيء قدير، لم يستبعد شيئًا على قدرة الله، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا،
يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل، يغفر
الذنوب، ولو بلغت عناء السماء، بل قال -عز وجل-: ﴿قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن
رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:
53]، بل قال للكفار: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن
يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، فمن قنط من
رحمة الله، وقنَّط عباد الله، وحال بينهم وبين رحمة الله، وبين مغفرته، وبين عفوه،
فقد أساء الظن بقدرة الله -تبارك وتعالى.
ثانيًا: أن هذا القانط قد طعن في
رحمة الله -سبحانه وتعالى-، لأنه من علم أن الله رحيم، لا يستبعد أن الله -سبحانه
وتعالى- يرحمه، ويرحم عباده، إذا حال بين الناس وبين التوبة وبين حسن الظن بالله،
فقد أساء الظن برحمة الله -عز وجل- التي وسعت كل شيء.
3ـ من نواقض التَّوحيد ونواقصه
.... سوء الظن بالله
-تبارك وتعالى-
لأن حسن الظن بالله من واجبات التَّوحيد، من
لوازم التَّوحيد، من لوازم الإيمان، أن يحسن الظن، أن يحسن المسلم الظن بربه -تبارك
وتعالى-، وعكسه: إساءة الظن بالله دليل على ضعف الإيمان، وضعف اليقين، وعلى سوء
الظن بالله -تبارك وتعالى-، بقدرته، ورحمته، ومشيئته لكل شيء.
ـ يقول الله
-تبارك وتعالى- في وصف المنافقين: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ
غَيْرَ الْحَقِّ﴾، إذن هذا الظن خلاف الحق، وظن الحق: هو أن تظن بالله حسن
الظن، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ
الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ما هو ظن الجاهلية؟ ظنوا أن الله -عز وجل- لا ينصر رسله،
إلى غير ذلك من أفعال أهل الجاهلية، ﴿يَظُنُّونَ
بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ
الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:
154]، فطعنوا في قدرة الله -عز وجل-، وفي قضائه وقدره، وفي نصره لأوليائه، فيكون
هذا من ظن أهل الجاهلية، وهذا الذي ظنه المنافقون، فظنوا أن الله -عز وجل- لا ينصر
رسله، وقد خيَّب الله ظنهم، فنصر رسوله كما نصر رسله، ونصر عباده المؤمنين، فمن ظن
أن الله لا ينصر دينه، ولا ينصر عباده المؤمنين، فقد ظن بربه -تبارك وتعالى- ظَنَّ
السَّوْءِ.
ـ يقول ابن القيم -رحمه
الله- في كتابه "زاد المعاد"، وقد ذكر كلامًا نفيسًا طويلاً
في المجلد الثالث من كتاب "زاد المعاد" وهو كلام نفيس، حريٌّ بكل باحث
أن يرجع إليه، في المجلد الثالث، من الصفحة مائتين وخمسة وما بعدها، وقد أطال
-رحمه الله- في بيان صور سوء الظن بالله -تبارك وتعالى-، يقول: "وقد فُسِّرَ هذا
الظن الذي لا يليق بالله بأن الله لا ينصر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن أمره
سيضمحل" يعني ظنوا أن أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- سيضمحل،
"وأنه يسلمه
للقتل" أي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سيُقتل، "وقد فُسِّرَ بظنهم أن
ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره"، إذن هذا من سوء الظن، فالذين
يسيئون الله بقضاء الله وقدره، فقد أساءوا الظن به -تبارك وتعالى-، ولا حكمة له
فيه، ينفون الحكم والعلل في قضاء الله وقدره، والله -عز وجل- حكيم في أمره، حكيم
في نهيه، حكيم في خلقه، وعلى هذا الذين نفوا الحكم والعلل في أفعاله وأوامره
ونواهيه، أساءوا الظن به -تبارك وتعالى ـ قال: "فَفُسِّرَ بإنكار الحكمة في قضائه وقدره وأمره ونهيه،
وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويظهره على الدين
كله، وهذا هو ظَنَّ السَّوْءِ الذي ظنَّه المنافقون والمشركون به في سورة الفتح،
وهي قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَيعَذِّبَ
الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾
[الفتح: 6]" هذا يدلك على أن سوء الظن بالله من صفات المنافقين والمشركين،
فحريٌّ بالمؤمن أن يُحسن الظن بربه -تبارك وتعالى-، وأن يحذر من سوء الظن بالله
-تبارك وتعالى.
ـ سوء الظن بالله -تبارك وتعالى- له صور
ـ لماذا هذا الظن بالله -عز وجل- ظن السَّوْءِ؟
الجواب.....إنما كان هذا
الظن، ظن السَّوْءِ، وظن الجاهلية، وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسماء الله
-عز وجل- وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته،
فيعلم أن الله حكيم في خلقه، حكيم في أمره، حكيم في قضاءه وقدره، فمن اعترض على
قضائه وقدره، من اعترض على أمره ونهيه، كما يوجد أحيانًا، ألا يوجد من الناس من
يعترض على أوامر الله؟ فتجده إذا جاء الحكم من الله -عز وجل- اعترض على ذلك، فقد
ظن بربه -تبارك وتعالى- ظَنَّ السَّوْءِ، أو يظن أن الله -عز وجل- يظلم العباد،
عياذًا بالله، فقد ظن بربه ظَنَّ السَّوْءِ...وقال: "وما يليق بوعده الصادق الذي لا يُخلفه،
وبكلمته التي سبقت لرسله، أنه ينصرهم، ولا يخذلهم، ولجنده، بأنهم هم الغالبون، فمن
ظن بأنه لا ينصر رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا يتم أمره، ولا يؤيده، ولا يؤيد
حزمه، ويعليهم، ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليه، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه
يدين الشِّرك على التَّوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التَّوحيد
والحق اضمحلالاً لا يقوم بعدها أبدًا"، بمعنى أحيانًا قد يضعف
الإسلام بسبب تقصير المسلمين، كما حصل لهم في أحد، كما حصل لهم في حنين، أما أن
يضمحل الدين تمامًا، فقد ظن بالله ظَنَّ السَّوْءِ، هذا هو سبب كون الظن بالله
-تبارك وتعالى- بهذا الظن هو من ظَنَّ السَّوْءِ الذي لا يعتقده بربه -تبارك
وتعالى.
من صور الظن التي ذكرها ابن القيم في هذا
الكتاب النفيس "زاد المعاد"، قال قاعدة مهمة، قال: "أكثر الناس يظنون بالله غير الحقِّ ظَنَّ السَّوْءِ، في ما
يختص بهم، وفي ما يفعله بغيرهم".
قال: "ولا يسلم عن ذلك
إلا من عَرَفَ الله" يعني قد تجد أحيانًا عند بعض المسلمين هذا
الظن. قال: "وعرف
أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته"
عرف أنه حكيم في أمره، حكيم في نهيه، حكيم في قضائه وقدره، لا يأمر بشيء له
مصلحة، ولا ينهى عن شيء له مفسدة، ولا يقضي إلا لحكمة، وليس بظلام للعبيد.
من صور سوء الظن:
1ـ من قنط من
رحمة الله، أو يئس من روح الله، فقد ظن بربه ظَنَّ السَّوْءِ، قنط بنفسه، أو قنَّط
الناس، ولهذا الرجل الذي قال: "والله
لا يغفر الله لفلان"، ماذا قال الرب -تبارك وتعالى-؟ «من ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان، قد غفرت له وأحبطت عملك»،
قال أبو هريرة: "قال كلمة أوبقت دنياه وأخراه"، قنَّط الناس .كذلك من
جوَّز عليه أن يعذب أولياءه من إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه، فقد ظن
بربه ظَنَّ السَّوْءِ، وهذه عقيدة المعتزلة، الذين يوجبون إنفاذ الوعيد، وبنوا
عليه أن مرتكب الكبيرة إذا مات فإنه في النار خالد مخلد، أساءوا الظن بعفوه ومغفرته،
بل بكتابه، وبوعده، فإن الله -عز وجل- يقول في كتابه: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾
[النساء: 48].
ـ الخوارج،
الحرورية، الوعيدية، أساءوا الظن بالله عزوجل ... قنَّطوا الناس برحمة الله،
وأخرجوا الناس من دين الله، بل ربما تجرؤوا فأزهقوا نفوسهم تعدِّيًا لحدود الله،
فأساءوا الظن بالله -تبارك وتعالى.
2ـ من صور إساءة
الظن: قال: "ومن
ظن بالله أن يترك خلقه سدًا، معطلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا
ينزِّل عليهم كتبه، بل يتركهم هملاً كالأنعام، فقد ظن بربه ظَنَّ السَّوْءِ"،
يعني طعن في رسالات الرسل، فقد ظن بربه -تبارك وتعالى- ظَنَّ السَّوْءِ....وهذا
للأسف يحصل أحيانًا من العلمانيين والليبراليين ومن غيرهم، ممن يتهكمون بشريعة
الله، ويسخرون بأوامر الله، ويسخرون بنواهي الله، فقد ظنوا بالله -تبارك وتعالى-
ظَنَّ السَّوْءِ...قال: "ومن ظنَّ أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في
دارٍ يجازى المحسن فيها بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبيِّن لخلقه حقيقة ما اختلفوا
فيه، ويُظهر للعالمين كلِّهم صدقه، وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد
ظن بربه ظَنَّ السَّوْءِ"....يعني يدخل في هذا منظر البعث من الفلاسفة ومن
سلك طريقهم.
قال: "ومن
ظنَّ أنه يطيِّع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه الكريم، على امتثال
أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه بما لا صُنع فيه، ولا اختيار
ولا قدرة، ولا إرادة في حصوله، فقد ظن بربه ظَنَّ السَّوْءِ".... يعنى أنه ليس عنده رجاء، ليس عنده حسن ظن بأن الله
يقبل منه، ثم قال: "ومن ظنَّ به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله، بما ظاهره باطل، وتشبيه
وتمثيل، فقد ظن بربه ظَنَّ السَّوْءِ". ...يدخل في هذا المعطِّلة، الله -تبارك
وتعالى- يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23]، تأتي المعطلة تقول: لا، الله -تبارك
وتعالى- يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]،
يقول: لا، النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ينزل ربنا»،
يأتي يقول: مَن الذي قال لكم أنه ينزل؟ ثم إذا قلت النبي -صلى الله عليه وسلم-،
يقول: هذا حديث لا أقبله، ظن بربه ظنَّ السَّوء، فتجرأ على شريعة الله، فقد ظنَّ
بالله ظنَّ السَّوء.
قال: "ومن
ظنَّ به أن يكون في ملكه -سبحانه- ما لا يشاء، ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد
ظنَّ بربه ظنَّ السَّوء".... يدخل في باب القدرية، المعتزلة، الذين يقولون
أن العبد هو يفعل أفعاله بلا مشيئة من الله ولا خلق، ظنوا أنه يحصل في ملك الله ما
لا يشاء، فلهذا من عقيدتهم أن أفعال العباد بغير مشيئة الله.
قال: "ومن ظنَّ به -أي:
سبحانه- أنه لا يسمع، ولا يبصر، ولا يعلم الموجودات، ولا عدد السماوات والأرض، ولا
النجوم، ولا بني آدم، وحركاتهم، وأفعالهم، ولا يعلم شيئًا من الموجودات في
الأعيان، فقد ظنَّ بربه ظنَّ السَّوء".وهذا يدخل فيه المعطلة
منكري الصفات.
"ومن ظنَّ به أنه لا
يحب، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يسخط، ولا يوالي، ولا يعادي، ولا يقرب من أحد من
خلقه، ولا يقرب منه أحد، وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة
المقربين، وأوليائه المفلحين، فقد ظنَّ بربه ظنَّ السَّوء".يقصد
بمنكري الصفات، منكري المعية، ومنكري القرب، فقد ظنَّ بربه ظنَّ السَّوء، إلى غير
ذلك...وبالجملة قال: "من ظنَّ بربه -سبحانه- خلاف ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله،
أو عطَّل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفته به رسله، فقد ظنَّ بربه ظنَّ
السَّوء"، هذه قاعدة عامة، يدخل
فيها كل من عطَّل الصفات، كل من عطَّل القدر، كل من عطَّل الوعد والوعيد، إلى غير
ذلك، فقد ظنَّ بربه ظنَّ السَّوء.
ثم قال: "فليعتني اللبيب الناصح
لنفسه بهذا الموضع" هذا الموضع شمل
أبواب العقيدة، "وليتب إلى الله -تعالى- وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظنَّ
السَّوء، وليظن السَّوء بنفسه، أين أتاه الخلل؟ من نفسه، من قصوره، وقصور علمه،
وسوء ظنه بربه -تبارك وتعالى-، التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على
الجهل والظلم، فهي أولى بظنِّ السَّوء من أحكم الحاكمين -سبحانه-، وأعدل العادلين،
وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة،
المنزَّه عن كل سوء في ذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق
من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك، كلها حكمة، ومصلحة، ورحمة، وعدل، وأسماؤه
كلها حسنى" لاحظتم ما أجملها من قاعدة، حري بك يا طالب العلم أن
تُعنى بها، تضبط لك كل مسائل العقيدة، ومسائل الأحكام والشرائع.
ثم ختمها: "فإن تنجو منها تنجو من
ذي عظيمة" منها تعود إلى
سوء الظن، إذا نجوت من سوء الظن، فقد نجوت من ذي عظيمة، وإلا النتيجة "فإني لا إخالك ناجيًا"
ستقع في الخلل في كل باب من أبواب العقيدة.
"فإن تنجو منها" أي من هذه الخصلة والبلية التي
هي سوء الظن، "تنجو من ذي عظيمة" أي
من أمر ذي مصيبة عظيمة.....ولهذا إنما ضل من ضل في باب الصفات، وباب القدر، وباب
الوعد، وباب الوعيد، وباب الأحكام، إنما ضلَّ بسبب سوء الظن بالله -تبارك وتعالى-،
وإلا فإني إخالك أي لا أظنك ناجيًا.
ـ يأمن من مكر
الله، أو يقنط، أو يقنِّط عباد الله، أو يسوء الظن بربه -تبارك وتعالى ـ
وصية الشيخ حفظه الله: إحسان الظن
بالله -تبارك وتعالى-، يعمل المؤمن الأعمال الصالحة، يحقق التَّوحيد والإيمان،
يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ويبر، ويصل، ويحسن للخلق، ويحسن الظن أن الله -تبارك
وتعالى- يقبل منه.أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن حققوا التَّوحيد
والإيمان، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث جابر، قال: سمعت النبي -صلى الله عليه
وسلم- قبل موته بثلاث يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو
يحسن الظنَّ بربه -تبارك وتعالى-»....أحسنوا الظن، فإن الله عند حسن ظن
عبده به، حسن الظن يكون بمني على العمل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق