تلخيص الدرس الثامن
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله،
عبد لا يُعبد، ورسول لا يكَّذب، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه
والتابعين لهم على هدًى وبصيرة...اللَّهمَّ اجعلنا منهم بمنك وكرمك وإحسانك يا
أكرم الأكرمين.
الوحدة الثالثة
دلائل التَّوحيد، والبراهين الدالة على
التَّوحيد، ودحض شبه المشركين.
الهدف
من هذه الوحدة:
أولاً: معرفة الأدلة والبراهين الدالة على توحيد الله -عز وجل.
ثانيًا: معرفة الأدلة والبراهين الدالة على بطلان عبادة غير الله، أيًّا كان هذا
المعبود، من الأصنام، أو الأوثان، أو من الملائكة، أو الأنبياء أو المرسلين،
والصالحين، ومن دونهم.
والتوحيد له من
الأدلة والبراهين الحسية والنقلية والعقلية والفطرية ما ليس لغيره
والتَّوحيد هنا
نعني به توحيد الألوهية، الذي هو توحيد العبادة، المتضمن لتوحيد الربوبية والأسماء
والصفات، والتَّوحيد أدلته كثيرة جدًّا.
أدلة وبراهين
التَّوحيد من الكتاب والسنة، وأدلة الكتاب والسنة هي أدلة توافق العقل السليم، والفطرة السليمة،
بل إن هذه الأدلة تدل أيضًا عليها الوقائع المحسوسة المشاهدة.
الأدلة والبراهين من الكتاب والسنة على التَّوحيد
الدليل الأول
يقول الله -تبارك وتعالى- في سورة الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ *
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾
[الأعراف: 191، 192]. تبين حال المعبودين من دون الله، وأنهم لا يخلقون شيئًا، وهم
يُخلقون، ولا يستطيعون للداعين لهم نصرًا، بل ولا أنفسهم ينصرون، فإذا كان هذا حال
هذه المعبودات -أيًّا كانت- هذه المعبودات، حتى ولو كان هذا المعبود من الملائكة
المقربين، أو من الأنبياء المرسلين، أو من الأولياء والصالحين، أو من دونهم، من
أحجار وأشجار وغير ذلك، إذا كان هذا حال هذه المعبودات التي عُبدت من دون الله، أو
مع الله، وأنها لا تملك لمن دعاهم شيئًا، بل لا تملك لنفسها نفعًا لا ضرًا، فمن
باب أولى أنها لا تملك لغيرها نفعًا ولا ضرًا، فكيف إذن تُعبد من دون الله أو مع
الله؟ ولهذا قال -عز وجل: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾
الاستفهام هنا استفهام إنكار وتوبيخ، ينكر الله -عز وجل- ويوبخ هؤلاء الذين عبدوا
مع الله غيره، أيًّا كان هذا المعبود.
﴿أَيُشْرِكُونَ
مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ فكلمة
"شيئًا" نكرة في سياق النفي، فلا يخلقون شيئًا، ولو شيئًا يسيرًا، هذا
حال هؤلاء المعبودون من دون الله، أو مع الله، أنهم لا يخلقون شيئًا.
الوصف الثالث: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، أي هؤلاء المعبودون من دون الله
أيًّا كانوا هم عباد مخلوقون لله -تبارك وتعالى-،
وإذا كان هو مخلوق، فكيف يكون خالقًا؟ كيف يُدعى من دون الله؟ وهو مخلوق ضعيف من
مخلوقات الله -تبارك وتعالى...ثم وصفهم بقوله: ﴿وَلَا
يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي أن هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله
المعبودون لا يقدرون على نصر عابديهم، لا يستطيعون أن يفرجوا كربهم، ولا يهدوا
قلوبهم، ولا يغفروا ذنوبهم، ولا يرزقوهم؛ لأن الرازق هو الله -تبارك وتعالى-، بل
أضف إلى ذلك أن هذه المعبودات -أيًّا كانت- أنهم ﴿وَلَا
أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ أي لا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم الضر، لمن
أراد بهم الضر، زيادة على عجزهم، فكيف يُعبدون من دون الله؟ كيف يُطلب منهم المدد؟
وتفريج الكروب؟ ومغفرة الذنوب؟ وهداية القلوب؟ وهذه حالهم. ولهذا من السفه، ونقصان
العقل أن يُدعى هؤلاء العاجزون في أمور هم لا يستطيعونها...
فهذه الآية دلت
على أن هذه المعبودات التي عُبدت من دون الله -أيًّا كانت- أنها عاجزة، دلت على
إفراد الله -تبارك وتعالى- بالعبودية والألوهية، ودلت على توحيده -تبارك وتعالى- من وجوه أربعة كما بين
الله -عز وجل- في الآية:
الوجه الأول: أنها لا تخلق، ومن لا يخلق لا يستحق أن يُعبد.
الوجه الثاني: أنهم مخلوقون من عدم، فهم إذن مفتقرون إلى الله -تبارك
وتعالى-، ابتداءً ودوامًا، فيكف إذن يُعبد وهو ضعيف محتاج إلى الله؟ كما سيأتي لنا
-إن شاء الله- في بيان أوصاف الملائكة وأوصاف الأنبياء، لا يملكون لأنفسهم نفعًا
ولا ضرًا، مفتقرون إلى الله -تبارك وتعالى-، وهؤلاء هم سادات الخلق، وأعظم من
عُبد، هذه حالهم.
الوجه الثالث: أنهم لا يستطيعون نصر الداعين لهم، بل هم محتاجون
مفتقرون إلى الله.
الوجه الرابع: أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، ومن هذه حاله كيف يُعبد
من دون الله ومع الله؟ كيف يُدعى؟
وهذه الآية من
أعظم البراهين والأدلة على وجوب إفراد الله -تبارك وتعالى- بالعبادة، وعلى دحض شبه
المشركين وعبَّاد القبور والأصنام والأوثان، الذين تعلقوا بمعبودات من دون الله،
لا تنفع ولا تضر.
ولهذا قال -عز
وجل- في وصف هذه المعبودات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾
ولاحظوا النداء هنا لكل الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ لاحظوا أحقر الحشرات والمخلوقات، لا يستطيعون خلق
الذباب، ثم قال: ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ يعني
لو اجتمع هؤلاء كلهم على أن يخلقوا ذبابًا ما استطاعوا، أضف إلى ذلك ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ
مِنْهُ﴾ لضعفهم ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ
وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73].
إذن هذه حال
المعبودات التي عُبدت من دون الله، أضعف المخلوقات لا يستطيعون خلقها، فكيف
ينفعونكم؟ كيف يفرجون كروبكم؟ كيف يغفرون ذنوبكم؟ أضف إلى ذلك أيضًا قال -تبارك وتعالى-
في سورة الفرقان، في بيان حال هذه المعبودات: ﴿وَاتَّخَذُوا
مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ولَا
يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا ولَا نَفْعًا ولَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولَا
حَيَاةً ولَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: 3]}. هذا حال هذه المخلوقات التي عُبدت
من دون الله، ما حالها؟ هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله آلهة -أيًّا كانت هذه
الآلهة- ﴿لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
ولَا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا ولَا نَفْعًا ولَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولَا
حَيَاةً ولَا نُشُورًا﴾ وهذه الآية يدخل فيها كل من عُبد من دون الله، حتى
لو كان من الملائكة المقربين، أو كان من الأنبياء المرسلين، وغيرهم من باب أولى،
أيًّا كان هذا المعبود، فإذا كان هذا حال هذه المعبودات من دون الله، فكيف تُعبد
من دون الله -عز وجل-؟ فدل على بطلان عبادة غير الله -تبارك وتعالى-، وعلى وجوب
إفراد الله لله وحده -تبارك وتعالى.
يستفاد من الآية التي استدللنا بها، وهي قوله -تبارك وتعالى-: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ *
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾
[الأعراف: 191، 192].
أولاً: تدل الآية دلالة واضحة صريحة على بطلان الشرك، لأن الشرك تعلق على مخلوق
عاجز ضعيف، حتى لو كان هذا المخلوق من أقوى المخلوقات، فهذه حاله، حتى ولو كان من
أعظم المخلوقات، ولو كان من الملائكة، فهذه حاله.
ثانيا: أن الخالق المستحق للعبادة، هو الله -تبارك وتعالى-؛ لأن المخلوق لا يستحق
أن يُعبد.
ثالثًا: دلت الآية على الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد
الألوهية، كيف؟ وهذا الأمر الذي ذكرناه في أول المحاضرة، التلازم بين الربوبية
والألوهية، فدلت الآية على الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية.ودلالة
ذلك: تفرد الله -عز وجل- بالخلق، يدل على تفرده بالعبادة...إذا كان الله -عز وجل-
هو الخالق، وغيره لا يخلق، وهو القادر وغيره لا يقدر، فدل على استحقاقه للعبادة،
ولهذا احتج الرسل على أقوامهم الذين أقروا بالربوبية، فقالوا: إذا أقررتم
بالربوبية فيلزمكم أن تعبدوه، وتذكرون لما ذكرنا في أهمية التَّوحيد أن أول أمر في
كتاب الله: الأمر بالعبادة، وذكرنا أن الآية فيها التلازم، وهي الآية من سورة
البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: 21] وهذا ما قصدناه هنا، فتوحيد الربوبية
يستلزم توحيد الألوهية، فإذا أقررتم بأن الله هو الخالق -عز وجل-، وهو القادر، وهو
المحيي، وهو المميت، فيلزمكم أن تعبدوه، لا أن تعبدوا غيره.
فإذن دلت الآية
على الاستدلال بتوحيد الربوبية، وعلى توحيد الألوهية.
رابعًا: دلت الآية على مشروعية محاجة المشركين لنصر الحق وقمع الباطل؛ لأن الآيات
التي مرت معنا كلها دحض لشبه المشركين، فدل على مشروعية محاجة المشركين، وهذه من
وسائل الدعوة إلى التَّوحيد.
الدليل الثاني:
أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النهَارِ
وَيولِجُ النهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي
لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا
يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ولَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13،
14]}.
. ظاهرة على وجوب
إفراد الله -تبارك وتعالى- بالعبادة...يصف الله -تبارك وتعالى- نفسه بأنه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النهَارِ وَيولِجُ النهَارَ فِي
اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ فهذا إقرار يفيد توحيد الربوبية، ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ ولهذا قلنا: هناك تلازم بين الربوبية
والألوهية. ..﴿لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ يعني هؤلاء الذين تدعوهم أيًّا
كانوا هؤلاء المدعوون المعبودون، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن
قِطْمِيرٍ﴾
القطمير هو
الغشاء الرقيق الذي يكون على نواة التمر، وأنا أتيت هنا من باب التوضيح، أتيت لكم
بعجوة المدينة، أفضل أنواع التمور، عجوة المدينة التي من تصبَّح منها بسبع عجوات،
لم يضره سم ولا سحر بإذن الله.
هنا أريدكم أن
تبينوا لنا أين القطمير؟ الغشاء الرقيق الموجود على نواة التمر؟
لما تنظر النواة، تلاحظوا طبقة رقيقة على هذه
النواة، هذا الغشاء الرقيق، هذا هو القطمير، فهؤلاء الذين يدعونهم من دون الله لا
يملكون هذا الشيء اليسير، هذا الغشاء البسيط، ﴿وَالَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ فإذن كيف ينفعونكم؟
كيف ينفعون أنفسهم وهم لا يملكون هذا الشيء البسيط؟ بل المالك هو الله -تبارك
وتعالى....ولهذا ممكن نوضح هنا برسم بياني، فنقول: يقول الله -تبارك وتعالى- ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي تدعونهم من دون
الله أيًّا كان هؤلاء المدعوون، ولو كانوا من الملائكة المقربين، أو الأنبياء
المرسلين، أو كانوا من الأولياء، أو كانوا من الصالحين، فكيف بمن دونهم، هؤلاء
الذين تدعونهم، كلمة "تدعونهم"
الدعاء هنا يشمل دعاء العبادة، ودعاء المسألة، دعاء العبادة: أي تقربون لهم
القربات، كالصلاة والركوع والسجود والذبح والنذر، هذا يسمى دعاء، وهناك دعاء
المسألة، وهو الذي يتبادر إلى أذهان الناس إذا قيل فلان يدعو، المعنى أنه يسأل
الله، كذلك إذا ذبح أو نذر أو ذبح أو ركع أو سجد أو صلى أو ذكى أو حج فيسمى كذلك
دعاء، فهؤلاء الذين يدعوهم أيًّا كان نوع العبادة، أيًّا كان نوع الدعاء ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ وهو هذا الغشاء اليسير،
فهذا الشيء اليسير الذي لا يحتاجه الناس لا يملكونه، فغيره من باب أولى...فلا
يملكون هذا الشيء اليسير الذي لا يحتاجه الناس، فغيره من باب أولى، كيف ينفعونكم؟
كيف يملكون لكم النفع وهم لا يستطيعون أن يملكوا هذا الشيء اليسير؟
من باب الفائدة:
ورد في نواة التمر أيضًا: القطمير، الفتيل، والنقير، فكيف نفرِّق بينها؟
فحال هؤلاء الذين
يدعونهم من دون الله أنهم لا يملكون هذه الأشياء اليسيرة، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ فوصفهم الله -عز وجل- بهذه الصفات
التي تدل على عجزهم وضعفهم، وأن المستحق للعبادة هو الله -عز وجل.
الوصف الأول: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن
قِطْمِيرٍ﴾
الوصف الثاني : قال: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا
دُعَاءَكُمْ﴾ إذا كانوا أموات فهل يسمعون؟ ما يسمعون دعاء من دعاهم؛ لأنهم
أموات، والملائكة مشغولون بما خلقوا له، فلن يلتفتوا ولن يسمعوا أصلاً لمن دعاهم،
بل إنهم يتبرءون منهم، ثم على افتراض أنهم يسمعون، لو سمعوا هل يستجيبون لمن
دعاهم؟ لا يستجيبون...ولهذا قال -عز وجل-: ﴿وَلَوْ
سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي لا يقدرون على تلبية ما تطلبونه
منهم.
فالملائكة يتبرءون
من كل من دعاهم من دون الله ، ومع الله، والأنبياء يتبرءون...
عيسى -عليه السلام- يتبرأ يوم القيامة ممن عبدوه
من النصارى، وهكذا جميع الأنبياء، وهكذا نبينا -عليه الصلاة والسلام-، بل تبرأ في
حياته وحذر، ويتبرأ أيضًا من كل من غلا فيه، ورفعه عن مقام العبودية إلى مقام الربوبية
والألوهية، فكل من عبدوا من دون الله، فإنهم سيتبرءون من عبادتهم إياهم، بل حتى إبليس أكفر الكفرة يتبرأ من أتباعه ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ
وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي
عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فلَا
تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم
بمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إِنَّ
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: 22]، فكل من عبد من دون
الله أيًّا كان هذا المعبود، فإن هذا المعبود سيتبرأ من عبادته....ثم قال -عز وجل:
﴿ولَا يُنَبِّئُكَ﴾ أي لا يخبرك بعواقب الأمور
ومآلاتها ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ الخبرة أدق من العلم،
هي المعرفة بظواهر الأمور وبواطنها...فهذه الآية دلت على إفراد الله -تبارك
وتعالى- بالتوحيد، وإفراده بالعبادة، وبينت حال هؤلاء الذين عبدوه من دون الله،
وأن أولاً نفى الله عنهم الملك، هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله، حتى ولو كانوا
ملائكة، لو كانوا أنبياء، لو كانوا أولياء، لو كانوا صالحين، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، هذا هو الوصف الأول.
الوصف الثاني: نفى عنهم سماع الدعاء: ﴿إِن
تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ .
الوصف الثالث: نفى عنهم القدرة على الاستجابة: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾.
الوصف الرابع: ﴿وَيوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. .فتبين أن دعوة غير الله مع الله شرك بعبادة
الله -تبارك وتعالى-، وهذا من أبطل الباطل.
أيضًا يدل على
هذه المعاني قول الله -تبارك وتعالى- في سورة مريم: {﴿وَاتَّخَذُوا
مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ
بِعِبَادَتِهِمْ وَيكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81، 82]}. هذا بيان
حال هذه المعبودات، أنها ستتبرأمن عبادة من عبدوهم من دون الله، أيضًا في سورة الأحقاف: {﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا
بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 6]}.
أيضًا عومل هؤلاء
بنقيض قصدهم، فلما لجئوا إلى هذه المخلوقات الضعيفة، ظنوا أنها تنفعهم، فانقلب
الأمر ضد ذلك، أصبحت هذه المعبودات أعداء لمن عبدوهم من دون الله...﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا
بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فكيف إذن يعبدون من دون الله أو مع الله.
وجه الاستدلال بالآيتين:
فيها البرهان القاطع على بطلان الشرك، وفيهما
أيضًا الرد الواضح الصريح على المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى أيًّا كانت
هذه المعبودات، حتى ولو كانت من الملائكة المقربين، أو من الأنبياء المرسلين، أو
من الأولياء والصالحين، ومن دونهم من باب أولى. فهي من أعظم الدلائل على وجوب
التَّوحيد، وإفراد الله -تبارك وتعالى- بالعبادة.
يستفاد من الآيتين:
أولاً: بطلان الشرك بالدليل القاطع، والبرهان الواضح.
ثانيًا: بيان الشروط التي يجب توافرها في المدعو المستغاث به، وهي: ملكه لما طُلب
منه، إذا كان لا يملك، فكيف يُدعى.
ثالثًا: سماعه لدعاء من دعاه، إذا كان لا يسمع، فكيف يُدعى، وهو لا يسمع أصلاً؟
رابعًا: القدرة على الإجابة، فإذا كان عاجز فكيف تستغيث به؟ كيف تدعوه وهو ميت؟
حتى لو كان من الأنبياء، ولو كان من الملائكة.
وأيضًا دلت
الآيتان على أن العقيدة مبناها على البرهان واليقين، لا على الظن والتخرص والتقليد
الأعمى؛ لأن هؤلاء الذين عبدوا هذه الأصنام والأوثان قلدوا غيرهم، وهذا لا ينفعهم،
فهذه المعبودات تتبرأ من عبادتهم إياهم.
ثم أيضًا إثبات
علم الله -عز وجل- بعواقب الأمور، لقوله: ﴿ولَا
يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ جل وعلا سبحانه.
الدليل الثالث:
{في الصحيحين عن
أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: شُجَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، وكسرت
رباعيته، فقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم»، فنزلت:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:
128]}.
يعني هذا سبب نزل
هذه الآية من سورة آل عمران، ما سبب نزول قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، يعني هذه نزلت في
خيار خلق الله، في أكرم الخلق عند الله، إذا كان أكرم الخلق عند الله له ليس من
الأمر شيء، فما الظن بمن دونه؟..
أيضًا في بيان سبب نزولها.وفي صحيح البخاري عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-
أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا رفع
رأسه من الركعة الآخرة من الفجر».يعني في قنوت النوازل، يقول: «اللَّهمَّ العن فلانًا وفلانًا، وفلانًا بعدما يقول: سمع
الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، فأنزل الله ﴿لَيْسَ
لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن
عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ
الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. يعني المراد بفلان، وفلان، وفلان هؤلاء الثلاثة، وكانوا
في ذاك الوقت على الكفر، فهداهم الله فأسلموا، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا
يعلم الغيب، فكان يدعو على هؤلاء الثلاثة، على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو،
والحارث بن هشام -رضي الله تعالى عنهم-؛ لأنهم أسلموا بعد ذلك.
يقنت في قنوت النوازل
في صلاة الفجر، فنزل قوله -عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ
الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، كيف دلت الآية على التَّوحيد؟ كيف دلت على إفراد الله
-عز وجل- بالعبادة؟ ما وجه الدلالة فيها؟
وجه الدلالة: أن
الله -عز وجل- خاطب نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن علم الغيب خاص بالله -عز وجل-،
وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس له من الأمر شيء...إذن الأمر كله بيد الله،
فإذا كان هذا في أكرم الخلق عند الله، ليس له من الأمر شيء، فما الظن بمن دونه؟ هل
له شيء من الأمر؟ ليس له من الأمر شيء.
الشاهد: إذا كان هذا في أكرم الخلق عند الله، ليس له من الأمر شيء، بل الأمر كله
لله، ولا يعلم الغيب، ولهذا دعا على هؤلاء في القنوت ولعنهم، ومع ذلك ليس له من
الأمر شيء، بل إن الله هداهم، فانقلبت العداوة في حقهم إلى ولاية.
إذا كان هذا في أكرم الخلق عند الله، وهو النبي -عليه الصلاة والسلام- ليس
له من الأمر شيء، الأمر يعني الشأن والحكم، بل الشأن والحكم لله -تبارك وتعالى...كما
قال -عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]، فإذا كان هذا في شأن
النبي -صلى الله عليه وسلم- فما الظن بمن دونه -عليه الصلاة والسلام....إذن: كيف
يُعبد النبي -صلى الله عليه وسلم- من دون الله أو مع الله، وهو ليس له من الأمر
شيء؟ كيف يُسأل وهو في قبره لا يعلم الغيب؟ وهو حي لا يعلم من الغيب إلا ما علمه
الله؟ ولهذا لما سأله جبرائيل في الحديث المشهور، قال: «أخبرني
عن الساعة»، ماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ «ما المسئول عنها بأعلم من السائل»، وقد قال الله -عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ
الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188]، إذا كان هذا في النبي
-عليه الصلاة والسلام- فكيف بمن هو دونه من الأولياء أو الصالحين؟ جزمًا لن يصلوا
إلى مقام النبي -عليه الصلاة والسلام-، فإذن ليس لهم من الأمر شيء، لا يفرجون
الكروب، ولا يغفرون الذنوب، ولا يهدون القلوب، ولا يملكون شيئًا، كيف إذا كانوا
أموات؟ من باب أولى ألا يدعوا من دون الله، أو يطلب منهم المدد من دون الله.
هل هذا تهوين من
شأن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ لا والله، فهو أكرم الخلق عند الله، وأفضلهم على
الإطلاق، لكن هذا ببيان نزول مرتبته -عليه الصلاة والسلام- عن مقام الربوبية
والألوهية إلى مقام النبوة، فهو عبد الله ورسوله، عبد لا يُعبد، ورسول لا يكذَّب،
فقوله -عز وجل-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
ليس لهوانه على الله، بل لبيان نزول مرتبته عن مقام الربوبية، ومقام الألوهية، إلى
مقام النبوة والرسالة، فهو عبد لا يُعبد، ورسول ولا يكذَّب، فدلت هذه الآية على
إفراد الله -تعالى- بالتَّوحيد.
وجه الدلالة من هذا الحديث:
فيها دليل على
بطلان الشرك؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو سيد الخلق، وأكرمهم عند الله،
وأفضلهم، لم يدفع عن نفسه الضر، شجت رباعيته في أحد، ما دفع عن نفسه الضر، وقتل
أصحابه، ودعا على المشركين، ومع ذلك هداهم الله -عز وجل- فأسلموا، فليس له من
الأمر شيء، فغيره من باب أولى...هؤلاء الذين دعا عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم-
أنعم الله عليهم، وَمَنَّ الله عليهم، فأسلموا وحسن إسلامهم، فانقلبت العداوة في
حقهم إلى ولاية.
الشاهد: قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ هو الخطاب موجه
للنبي -صلى الله عليه وسلم- غيره من باب أولى.
الدليل الرابع
في صحيح البخاري
عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
حين أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾
[الشعراء: 214] قال: «يا معشر قريش -أو كلمة نحوها-
اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم شيئًا، يا بني عبد المطلب: لا أغني عنكم من الله
شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب: لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-: لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا».
أيضًا هذا الحديث
في البخاري، وفيه سبب نزول، قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] فأمره -عز وجل- أن ينذر
المقربين من عشيرته، والأقربون أولى بالمعروف، الأقربون للمرء أولى بمعروفه
وإحسانه ودعوته وأمره ونهيه، فأمر الله -عز وجل- نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين،
فامتثل أمر الله -تبارك وتعالى- فقام في قومه فقال: «يا
معشر قريش -أو كلمة نحوها» أي أن الراوي قال النبي -صلى الله عليه وسلم-
قال هذه الكلمة أو كلمة نحوها، أي أنه شك في اللفظ والحديث، يجوز أن يُروى
بالمعنى، وهذا فيه أيضًا تحري اللفظ المروي...«اشتروا
أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا»، هذا هو الشاهد، هذا حال النبي -صلى
الله عليه وسلم-، لا يغني عن عشيرته والمقربين منه شيئًا، فكيف بغيره، لا يغني
شيئًا، ثم خصَّ بعد العموم، لأنه هنا خاطب قريش، ثم قال: «يا
بني عبد المطلب: لا أغني عنكم من الله شيئًا» فكلمة "شيئًا" نكرة
في سياق النفي تفيد العموم...ثم خصَّ أيضًا: «يا عباس
بن عبد المطلب: لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسولنا -صلى الله عليه
وسلم-: لا أغني عنك من الله شيئًا» لاحظ هذا التخصيص بعد العموم، بل ابنته
سيدة نساء العالمين، هل يغني عنها من الله شيئًا؟ لا، «يا
فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سليني بما شئت» يعني من أمور
الدنيا، أما أمور الآخرة فلا، ولهذا تعرفون في قصة نزول براءة عائشة -رضي الله
عنها- لما قيل لها: اذهبي واعتذري، أوكلت الأمر إلى الله -تبارك وتعالى-، وهذا يدل
على فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- للتَّوحيد، ومعرفتهم بمقام النبوة، وأن النبي
-صلى الله عليه وسلم- مع هذا المقام الشريف لا يملك شيئًا، فالأمر كله لله...ثم
قال: «يا فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سليني
بما شئت» أي من أمور الدنيا «لا أغني عنك من
الله شيئًا» فالأمر كله لله، ولهذا ما استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم-
أن يهدي عمه أبا طالب. «يا عم قل: لا إله إلا الله،
كلمة أحاج لك بها عند الله» فما استطاع، فنزل قوله -عز وجل-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، أي لا توفق
للعمل من أحببت ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾
[القصص: 56] فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يستطيع أن يوفق الأقربين، بل
عمه الذي دافع عنه، فكيف بغيره من باب أولى، فالآية والحديث يدلان دلالة واضحة
صحيحة على إفراد الله -تبارك وتعالى- بالعبادة، وبيان حال النبي -عليه الصلاة
والسلام-، وأنه لا يملك لعشيرته، والأقربين، وذريته شيئًا، فكيف بالأباعد، بل كيف
بغير النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ بل كيف بأشجار وأحجار وأصنام لا تسمع ولا تنفع
ولا تضر؟ فدلت دلالة واضحة على إفراد الله -تبارك وتعالى- بالعبادة.
إذن: وجه الدلالة في الحديث: إن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو -عليه
الصلاة والسلام- في مقام التشريف والإكرام عند الله لا يغني عن عشيرته والمقربين
وآله، لا يغني عنهم من الله شيئًا، فكيف بمن هو أبعد، بل كيف بغير النبي -صلى الله
عليه وسلم-، حتى ولو كان هذا ولي من الأولياء، لن يصل إلى مقام النبوة، هو لا يغني
عن غيره شيئًا.
الحديث والآية
فيهما رد على عبَّاد القبور الذين يستغيثون بالأموات لتفريج الكربات، وقضاء
الحاجات.أموات لا يسمعون، ولو سمعوا ما استجابوا، هم يريدون النفع، الميت هو يريد
النفع من الحي، حتى ولو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُصلَّى عليه، يُثنى عليه،
تتبع سنته، وإذا كان ميت انقطع «إذا مات ابن آدم انقطع
عمله» فكيف يسمع من دعاه؟ كيف ينفعه؟ لا يملك شيئًا، هذه الأدلة كلها تدل
دلالة واضحة على إبطال تعلق المشركين بالأموات، وتعلقهم بغير الله، حتى ولو كان من
تعلقوا به من أعظم المخلوقات عند الله، حتى ولو كان من الملائكة المقربين، أو من
الأنبياء المرسلين، أو من الأولياء والصالحين، وغيرهم من باب أولى.
هذا يدل على أن
التَّوحيد له من البراهين النقلية والعقلية والحسية والفطرية ما ليس لغيره، و هذه
الأدلة النقلية من الكتاب والسنة هي أدلة عقلية، وأهل السنة كما أنهم يعنون
بالأدلة النقلية، كذلك يعنون بالأدلة العقلية، فالعقل السليم لا يخالف النقل
الصحيح، بل أدلة الشرع -كما لاحظتم في الآيات والأحاديث- هي أدلة تقبلها العقول
السليمة، كذلك هي أدلة حسية، هذا أمر محسوس، نقول: هذه المعبودات لا تسمع، لا تنفع
لا تضر، لا تملك شيئًا، فكيف تُعبد؟ كيف تُدعى من دون الله؟ وكذلك أدلة فطرية،
تقبلها الفِطَر السليمة، ولهذا آيات الله في الآفاق وفي الأنفس تدل على وحدانيته
-عز وجل- وعلى انفراده بالعبودية، فكيف إذن يُدعى غير الله.
من أكبر براهين التَّوحيد،
وأعظمها: تفرد الرب
-تبارك وتعالى- بالخلق والتدبير، ولهذا أدلة الربوبية تدل على الألوهية، وجه ذلك:
التلازم، فإذا كان الله -عز وجل- هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت،
وهو المتصرف، فهذا يلزم العباد أن يعبدوه ﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ
بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ
رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 21، 22]
والند هو المثيل، يُدعى مع الله، ويُطلب منه الفرج، يُطلب منه المدد، يُطلب منه
الغوث، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ضعف هؤلاء الذين تدعونهم، وتعلمون عظمة
الخالق -تبارك وتعالى-، فهو المستحق للعبادة وحده دون سواه.
من أكبر براهين التَّوحيد العقلية والفطرية والسمعية: معرفة أوصاف وحال هؤلاء المخلوقين المعبودين من دون
الله، وأنهم لا يملكون الشيء اليسير، لا يملكون القطمير، لن يستطيعوا أن يخلقوا
ذبابًا، بل لو سلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه.هذه حال هؤلاء المعبودون من دون
الله، أنهم لا يخلقون، ومن لا يخلق لا يستحق أن يُعبد، فكلهم فقراء إلى الله، ليس
لهم من الأمر شيء، فكيف إذن يُعبدوا من دون الله، أو مع الله.
فإذن دلائل
التَّوحيد عقلية، ونقلية، وحسية، وفطرية، كلها تدل على إفراد الله -تبارك وتعالى-
بالعبادة.
قد يقول قائل في
هذا العصر: كثرت ظاهرة الإلحاد، فنحتاج إلى دلائل توحيد الربوبية، ونقول كما أن
هذه الأدلة التي من الكتاب والسنة هي تدل على توحيد الألوهية، هي كذلك تدل على
توحيد الربوبية، وكما مر معنا أن إنكار توحيد الربوبية قليل في البشرية فيما سبق،
إبليس وهو أكفر الكفرة، ما كان ينكر ربوبية الخالق -عز وجل-، وهكذا المشركون الذين
بعث فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كانوا ينكرون الربوبية، بينما انتشرت
ظاهرة الإلحاد، وإنكار الربوبية في العصور المتأخرة، خاصة مع ظهور المدارس
الإلحادية، فكثر في هذا العصر من ينكر الربوبية، والقرآن والسنة أيضًا فيها من
الدلائل على إثبات ربوبية الله -تبارك وتعالى-، ومع ذلك لا مانع من الدعاة إلى
الله أن يستفيدوا أيضًا من الأدلة العقلية التي تدل على إثبات ربوبية الله -تبارك
وتعالى- وعلى وجوده، ولذلك أدلة العقل هي كذلك من دلائل الربوبية، ولهذا يُقال في
من أنكر الربوبية: أن هذا الكون بعظمة لا يمكن عقلاً أن يوجد صدفة، ولا يمكن عقلاً
أن يكون هذا الكون هو الخالق لنفسه، وقد ذكر الله -عز وجل- هذا الدليل العقلي في
قوله في سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35] هذا لاحظوا معي أنه دليل شرعي هو
دليل عقلي، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾
يعني هل هؤلاء خلقوا صدفة؟ لا يقول هذا عاقل، ﴿أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أم هم الذين خلقوا
أنفسهم؟ لا يمكن أن يقول هذا عاقل.
يعني لو قال لكم
قائل: هذا الجهاز أو هذا الاستديو مثلاً هو هكذا وجد صدفة، هل يقبل هذا عاقل؟ لا
يمكن أن يقبله عاقل، هذه السبورة، وهذا الاستديو هكذا وجد صدفة، هذه مثلاً الأبراج
ناطحة السحب وجدت بسبب عوامل التعرية، لم يخطط لها مهندسون معماريون، ولم يخطط لها
مهندسون إنشائيون، ولم ينفذوا مقاولون، هي هكذا بسبب عوامل التعرية، وجدت هذه
الأبراج، هذا لا يقوله عاقل.أو يقال بأنها وجدت صدفة هكذا، أو بسبب انفجار، أو هي
خلقت نفسها مثلاً، لا يقول هذا عاقل، فإذا لم تكون هذه المخلوقات خلقت نفسها، ولا
يمكن عقلاً أن تكون وجدت صدفة، فإذن لابد لها من خالق، وخالق حكيم، ولهذا قال -عز
وجل-: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ
الْخَالِقُونَ﴾.وأنا أقول هذا إضافة لما ذكرناه من دلالة توحيد الألوهية،
وأننا في هذا العصر أيضًا قد نحتاج أيضًا إلى دلائل توحيد الربوبية، لكن -كما مر
معكم- بأن الإقرار بالربوبية وحده لا يكفي، إقرار الإنسان بأن الله هو الخالق لهذا
الكون، اعترافه كما يوجد أحيانًا عند بعد الطوائف، وبعض أصحاب الديانات من اليهود
والنصارى مثلاً اعتراف بأن الله هو الخالق لهذا الكون، فإن هذا لا يكفي، لابد من
إفراده -عز وجل- بالعبادة، ولهذا دلائل توحيد الربوبية تستلزم الألوهية، ودلائل
توحيد الألوهية تتضمن دلائل توحيد الربوبية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق