الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره الثالثه عشر )


تلخيص الدرس الثالث عشر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.
        تابع مظاهر الشرك
المظهر الثاني: التَّبرُّك بالشجر والحجر ونحوهما.
ـ موضوع التَّبرُّك من المواضيع المحبوبة للنفوس، فالنفوس تحب البَّركة، وتبحث عن البَّركة في الأشياء، والعبرة ليس بكثرة الأشياء، وإنما العبرة ببركتها، فالبَّركة هي كثرة الخير وسعته، ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- للمتزوجين في أول زواجهما، كان يقول لهما: «بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير»، فالبَّركة من الأمور المحبوبة لدى الناس، والناس تبحث عن البَّركة، تبحث عن البَّركة في أولادها، والبَّركة في أموالها، والبَّركة في أعمالها، والبَّركة في أعمارها، والبَّركة في علمها، وفي كل أمر يتعلق بالإنسان، فهو يسأل الله -عز وجل- أن يبارك له فيه...فالبَّركة من الأمور المطلوبة والمحبوبة لدى الناس، ولهذا بيان المشروع فيها وبيان الممنوع فيها من الأمور المهمة، فينبغي للمسلم أن يعرف الأمور التي جعل الله فيها البَّركة فيقتصر عليها، ويعرف الأمور التي لم يجعل الله -عز وجل- فيها البَّركة فيحذرها ويبتعد عنها، خشية أن يقع في الشرك.
هنا قاعدة مهمة.........القاعدة تقول: لا يتبرك بشيء من الأشياء إلا ما ثبت في الشرع أنه يتبرك به، لا يتبرك بشيء من الأشياء إلا ما جاء الدليل الشرعي من الكتاب والسنة الصحيحة أن الله -عز وجل- جعل فيه البَّركة، وبيان كيفية البَّركة به، هذه القاعدة ينبغي للمسلم أن يستحضرها في هذا الباب.
ـ لأجل أهمية البَّركة، ولكونها محبوبة لدى الناس، ورغبة الناس في البحث عن البَّركة، توسع كثير من المسلمين في هذا العصر في مسائل التَّبرُّك، حتى ربما جرَّهم الشيطان إلى الوقوع في الشرك وعبادة الصالحين، والتمسح بذواتهم، بل التمسح أحيانًا بقبورهم، التمسح بالأشجار والأحجار والآثار والبقاع ونحو ذلك، ابتغاء البَّركة، بل ربما الأمر تطور إلى دعاء الأموات، والهتف بأسمائهم بزعم أن الله -عز وجل- قد جعل في ذواتهم بركة.
ـ الأمر لم يقتصر على التَّبرُّك بذوات الصالحين، بل تعدى الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك، عبدت الأشجار والأحجار، واعتقد أن فيها نفع، كل ذلك من مظاهر الشرك ومن تلبيس إبليس ببعض المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله...ولهذا: بيان مظاهر الشرك في التَّبرُّك من الأمور المهمة بل الواجب على المسلم أن يتعلمها.
ـ بعض الحجاج والمعتمرين، والزائرين للمسجد النبوي، تجد أنهم مثلاً يتركون الصلاة في المسجد الحرام، ويذهبون إلى الجبال والغيران، كجبل ثور، وجبل حراء، وغار ثور، وغار حراء، ويتكلفون في الصعود للجبل، وربما التمسح بالأحجار، تلاحظون في الحج بعضهم يتكلف الصعود إلى جبل عرفة لأجل التمسح بهذا الشاخص. ـ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما حج ما صعد الجبل، وقف في عرفة، وقال: «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف»، فلا حاجة للمسلم أن يضيع وقته ويتكلف ما لم يشرعه الله -عز وجل- بل ربما الأمر قد يؤدي به إلى الشرك بهذه الأحجار والأشجار.
ـ  بعض المسلمين -هداهم الله- عند زيارة المسجد النبوي، يترك الصلاة في المسجد النبوي، ويذهب يتباكى عند القبور، وربما تمسح بالقبور، بل ربما بعضهم دعا صاحب القبر، بل ربما ركع وسجد للقبر، وهذا من الجهل، ومن تلبيس الشيطان واستدراجه لبعض الناس نتيجة تعلقهم بغير الله -تبارك وتعالى.
ـ البَّركة كلمة البَّركة والتَّبرُّك تعني طلب الخير ورجاؤه، واعتقاده، والبَّركة مأخوذة من كلمة البِركة، بركة الماء، سميت بذلك لأنها تجمع الماء، فهي تدل على كثرت الماء في هذا الموضع، ولزومه، وثباته.
معنى البَّركة: هو كثرة الشيء الذي فيه الخير، وثباته، ولزومه، فالتَّبرُّك على هذا المعنى يكون بطلب الخير الكثير، وطلب ثباته ولزومه، فيقال تبرك يعني طلب البَّركة، طلب الخير، وطلب ثبوته، ودوامه، ولزومه، فالتَّبرُّك بالشيء معناه: طلب البَّركة بسببه.
                                                   التبرك نوعان
التبرك المشروع                                                                             التبرك الممنوع

أولًا: التبرك المشروع
ـ أدلة القرآن والسنة الصحيحة دلت على أن البَّركة من الله -عز وجل-، وهذا أمر ينبغي للمسلم أن يعتقده، فالبَّركة من الله -عز وجل-، فالله -تبارك وتعالى- هو الذي يبارك تبارك وتعالى، وعليه: فإنه لا يجوز للمخلوق أن يقول: باركت عليك، ولا يجوز للمخلوق أن يقول: أبارك فعلكم، تجد أحيانًا من الناس من يتساهل في هذا، فيقال: أبارك فعلك، نقول: وهل أنت الذي تهب البَّركة؟ هذا من التعالي على الله -عز وجل-، فإذن لفظ البَّركة ومعناه إنما هو من الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الخير كثرته وثباته ولزومه إنما هو من الذي بيده الأمر كله -تبارك وتعالى-، وليس للمخلوق.
 مصدر البَّركة من الله، وهو -عز وجل- الذي يبارك في الأشياء، فيجعل الأشياء مباركة، وليس المخلوق هو الذي يبارك، ولهذا لا يعتقد في المخلوق أنه هو الذي يبارك بذاته، إلا إذا جعله الله سببًا.
ـ دلت نصوص الكتاب والسنة الصحيحة على أن الله -عز وجل- قد اختص بعض الأشياء بالبَّركة، فاختص الله -عز وجل- كتابه بأنه مبارك، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، وكذلك رسوله -عليه الصلاة والسلام- مبارك، وبيته الحرام مبارك، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96]، وكذلك اختص بعض الأزمنة بالبركة، كليلة القدر، ليلة مباركة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3].وكذلك وصف بعض الأمكنة بالبَّركة، فالبَّركة كلها من الله -تبارك وتعالى-، ومن فضل الله ومنِّه وكرمه، وهو يخلق ما يشاء ويختار، أنه اختص بعض الأشياء بالبَّركة، فضلاً منه -تبارك وتعالى- وحكمة، وعليه فإن المسلم يبحث عن الأشياء التي جعل الله -تعالى- فيها البَّركة مما جاء الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة بأن الله -عز وجل- جعل في هذا الشيء بركة، كماء المطر مبارك، ماء زمزم مبارك .....هذه قاعدة ينبغي التنبه لها.
   سؤال: إذا كان الله -عز وجل- قد اختص بعض الأشياء فجعل فيها بركة، فكيف التَّبرُّك؟
الجواب ...أن التَّبرُّك بهذه الأشياء يختلف، قد تكون البَّركة فيها معنوية، وقد تكون البَّركة فيها ذاتية.
مثال...
(1)ـ البيت الحرام.... البركة في المسجد الحرام في العبادة التي يؤديها المسلم...أن الصلاة فيه عن مائة ألف صلاة، فهي بركة معنوية من جهة أن الله -عز وجل- جعل فضل الصلاة في المسجد الحرام عن مائة ألف صلاة، كذلك فضل الطواف، إلى غير ذلك، فالبركة فيه بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، بمعنى أن الإنسان لا يتمسح بأركان البيت، لا يتمسح بالمقام، لا يتمسح بالصفا أو المروة، فالبركة هنا ليست بركة ذاتية، وإنما هي بركة معنوية من جهة الصلاة فيه.
(2)ـ ماء زمزم ... البركة فيه ذاتية من جهة شربه «فهو طعام طعم وشفاء سقم».
ـ فالله -عز وجل- جعل في هذه الأشياء بركة، قد تكون البَّركة معنوية، وقد تكون البَّركة ذاتية.
(3)ـ الحجر الأسود..... البَّركة في الحجر الأسود من جهة أن مسحه يحط الخطايا، فالبركة هنا من جهة استلامه عند الطواف، فهو يحط الخطايا والذنوب.
(4)ـ الأزمنة ليلة القدر.... البَّركة فيها أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر الله ما تقدم من ذنبه، ومن جهة أن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر.
الأشخاص: الله -عز وجل- قد جعل في بعض الأشخاص بركة، هذه البَّركة معنوية ، وتأتي البَّركة لما يقال هذا رجل مبارك، أو زارك ضيف فقلت: زارتنا البَّركة، البَّركة معنوية.
 أين البَّركة في الأشخاص؟
الجواب ... البَّركة في دعائه لك مثلاً، في علمه... قد يدعو لك، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، يعلمك، ينصح لك، رجل آتاه الله الحكمة، رجل إذا شهدته ذكرت الله، يحثك على الخير، فهنا تأتي البَّركة من جهة النفع الذي يقدمه لك هذا الشخص من النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال أسيد بن حضير لآل بكر لما نزلت آية التيمم: "ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر" وآل أبي بكر أسرة مباركة، الصديق صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم- ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40] فهو أفضل رجل بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمة، بنته عائشة الصديقة بنت الصديق، المبرئة من فوق سبع سماوات، من أفضل نساء العالمين أسماء ذات النطاقين، بنت أبي بكر، فهي أسرة مباركة...هنا تأتي البَّركة من الأشخاص، وهي بركة معنوية، من جهة النفع، والخير، والنصح، والحكمة، إلى غير ذلك.
وكل مسلم فيه بركة، بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، يعني مثال نقول: إمام المسجد، إمام الحرم، فيه بركة معنوية، ولهذا من الخطأ أن بعض المسلمين إذا شاهد إمام الحرم، تجده يلاحقه فيتمسح بالرداء الذي عليه، هذا خطأ، هذا من الشِّرك...فالبَّركة من جهة الدعاء، من جهة النصح، وليست ذاتية، بمعنى أنك لا تتبرك بذوات الصالحين، لا تتبرك بذات المسلمين، لكنك تتبرك بنصحهم بإرشادهم، بتعليمهم إلى غير ذلك، فنقول: كل مسلم فيه بركة، وهذه البَّركة ليست بركة ذاتية، وإنما هي بركة عمل، بركة ما معه من الإسلام والإيمان وما في قلبه من اليقين، والتعظيم لله -عز وجل-، والإجلال لله، والاتباع للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وتنتفع بمصاحبته، بالجلوس معه، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

                                                   أقسام البَّركة

 بركة دينية                                     بركة دنيوية.                                      بركة دينية ودنيوية.

مثال....القرآن الكريم..... بركته دينية ودنيوية....
البَّركة الدينية في تلاوته، والاهتداء بهديه، فهذه بركة دينية، فقراءته بركة، الحرف منه بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف.
البركه الدنيوية في الاستشفاء به، فهو شفاء.. ومن بركته الدنيوية ما فيه من العلوم، علوم الطب، وعلوم الفلك، ولهذا قد يستفيد منه حتى غير المسلم، وهذه بركة معنوية ما فيه من الحكم، وما فيه من العبر، وما فيه من القصص، وما فيه من علوم الطب، وعلوم الفلك، وعلوم البحار، وعلوم الأجنة، إلى غير ذلك من العلوم التي بيَّنها الله -عز وجل- في هذا الكتاب المبارك، فهي بركة دنيوية، وكذلك فيه بركة دينية، فجمع البركتين.
     هل بركته معنوية أو ذاتية؟
يعني أنت تأخذ المصحف وتضعه في بيتك، تأخذه وتزخرف به الجدران، هذه ليست بركة، البَّركة تكون بتلاوته، بالاستشفاء به، فهي بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، بخلاف ماء زمزم، بركة ذاتية، من جهة الشرب، لكن لو وضعته هكذا فقط، وضعته في البيت، تقول تحل البَّركة، لا يصلح، هذه بركة ذاتية، من جهة شربه للاستشفاء، «ماء زمزم لما شُرِبَ له» ولهذا كان من السلف من يشربه لقوة الحافظة، لقوة العلم، منهم من شربه لظمئ يوم القيامة، ومنهم من شربه لقوة الحفظ، فآتاه الله قوة الحفظ، فهو لما شُرِبَ له، فهو ماء مبارك.
     المساجد الثلاثة بركتها دينية، من جهة أن الصلاة فيها مضاعفة، في المسجد الحرام عن مائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي عن ألف صلاة، وعن المسجد الأقصى عن خمسمائة صلاة.
ـ المطر بركته دنيوية، وبركته حسية، فهو ماء مبارك.
هذا ما يتعلق بالتَّبرك المشروع، مما دل عليه الكتاب والسنة.
ثانيًا:التَّبرك الممنوع
التَّبرُّك الشركي، وهو الذي يفعله المشركون، فيطلبونه من غير الله، ويطلبونه في أشياء لم يجعل الله فيه البَّركة، يعتقدون فيها النفع، ويعتقدون فيها البَّركة، والأمر ليس كذلك، بل قد نهى الشرع عنها، فكانوا يرجون البَّركة، ويرجون الخير ودوامه، ولزومه وثباته بالتوجه إلى معبوداتهم الشِّركيَّة، ربما طلبوه في أشجار، وأحجار، وبقاع، وآثار، فهذا لهو المحذور، والمنهي عنه، كجبل، أو قبر، أو شجر، أو حجر، أو عين ماء، أحيانًا تجد بعض الناس يعتقدون في بعض العيون الجارية فيها بركة، وليس كذلك، بل أحيانًا قد تكون مضرَّة، وقد يزين لهم الشيطان شيئًا من ذلك، يعتقدون فيها البَّركة، ولم يرد الشرع بالبَّركة فيها، ونحو ذلك من الأشياء التي يعتقد الناس فيها البَّركة.
الأمر تطورإلى ركوع وسجود عند القبور وعكوف، فالأمر تطور بهم، يعني الشيطان زيَّن لهم البَّركة، ثم زيَّن لهم التَّقرب والعكوف، والمكث رجاء البَّركة، ثم تطور إلى الدعاء، ثم إلى السجود.
يقول الله -تبارك وتعالى- في سورة النجم منكرًا على المشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: 19- 22] هذه الآية جاءت في توبيخ المشركين الذين عبدوا هذه الأصنام الثلاثة، وهذه الأصنام الثلاثة: اللَّات كانت صخرة، ومناة أيضًا صخرة، وأما العُزَّى فهي شجرة، فهي أشجار وأحجار، هذه الأشجار والأحجار تعلق بها المشركون، فقربوا لها القرابين، وزعموا أن فيها البركة، وما يفعله المشركون عند اللَّات والعُزَّى ومناة التي هي أشجار وأحجار هو عين ما يفعله المشركون في هذه العصور عند القباب والقبور، وإن زعموا أن الأمر مختلف، هو عين ما يفعله هؤلاء، ولما تنظر إلى العلة هي واحدة ..هي العلة واحدة التي تعلَّق بها المشركون الأوائل.
هل المشركون الأوائل يعتقدون أن اللَّات والعُزَّى ومناة هي الله؟
الجواب..... لا، ولكنهم عبدوها يرجون النفع، يرجون البَّركة، وهكذا المشركون في هذا العصر لما يتعلقون بالقبور والقباب والأموات، ويعكفون عندها، ويطوفن بها، ويسجدون ويركعون، ويقربون القرابين، هو عين ما يفعله المشركون الأوائل.
وجه الاستدلال بالآية:
ـ أن التَّبرُّك بالشجر والحجر ونحوهما شرك أكبر، وهذا ظاهر؛ لأن هؤلاء المشركون ما عبدوها إلا ويرجون بركتها، بجلب النفع ودفع الضر، ولهذا يلجئون إليها لهذا الغرض، فعليه فكل من تبرك بحجر، أو شجر، أو قبر، أو غير ذلك قاصدًا بذلك جلب النفع أو دفع الضر، فقد شابه المشركين الأوائل، ودخل في شركهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله...فإن قال: أنا لا أعتقد ما يعتقده المشركون، أعتقد أن الله جعل في قبور هؤلاء بركة، فيكون هذا من باب الشرك الأصغر، طبعًا هذا إذا لم يقرب قرابين، وإنما تمسح مثلاً بالمقام، تمسح بالجبل، تمسح بأركان البيت، غير الحجر الأسود، يعتقد أن فيها بركة، فيكون هذا من الشرك الأصغر وقلنا أنه من الشرك الأصغر ما لم يجعله الله سبب، فإذا اعتقد أن الله جعل فيها بركة، فيكون هذا من باب الشرك الأصغر، فحينئذ نقول: أن السلف يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر بجامع العلة بينهما، لكن الأمر لم يقف عند دعوى هؤلاء الذين يتبركون بالقبور بزعم البَّركة، بل تطور الأمر إلى العبادة، فلو قبلت هذه الدعوى، وأنهم إنما يرجون البَّركة، فقلنا الأفعال التي تفعل عند القبور تدل على أن الأمر انتقل من رجاء البَّركة إلى العبادة، فالمتأمل في حال هؤلاء، بل أحيانًا بعضهم في المسجد النبوي يترك الصلاة ويتجه للقبر، ويبدأ يهتف باسم النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدعوه، إذن ترك الله، ودعا غيره، حتى لو كان النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو كان جبرائيل، كان ملكًا مقرب أو نبي مرسل، فهو جعله مع الله شريك، فانتقل الأمر من دعوى البَّركة إلى العبودية.
لاحظوا هنا الأمر كيف تطور بهؤلاء، سجود عند القبر، يعني الآن ما أصبح مجرد بركة، بل سجدوا لغير الله، وسجدوا لأموات، وقد لا يوجد في القبر أحد، قد يضحك هؤلاء الخرافيون عليهم، بأن فيه قبر الحسين، وقبر فلان، وقبر فلان، والواقع أنه لا يوجد فيه أحد، وربما وجد، لكن الميت أصبح رميم، فانظروا كيف الشيطان يزين لهؤلاء هذه الأفعال القبيحة، و كيف تطور الأمر من دعاوى البَّركة إلى السجود، وهذه الأفعال الشركية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ـ جاء عند الترمذي وصححه من حديث أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حنين"، وحنين كانت بعد فتح مكة، فتح مكة كان في رمضان في السنة الثامنة، وحنين كانت بعدها، يقول: "ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الله أكبر! إنها السنن، قلت والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138]، لتركبن سنن من كان قبلكم»" هذا الحديث حديث عظيم، تكتب فيه المجلدات لما فيه من الفوائد والحكم والدروس المتعلقة بمسائل الاعتقاد، فقول الصحابي الجليل أبو واقد، يقول: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حنين" هذا يدل على أن الأمر كان متأخرًا، وأن الذين طلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا من مسلمة الفتح، ولهذا قال: "ونحن حدثاء عهد بكفر" نستفيد من هذا الطلب "ونحن حدثاء عهد بكفر" يعني أن هذا الطلب صادر عن جهل، ولهذا أهل العلم يقولون: الإنسان إذا كان حديث عهد بكفر، فإنه يُعذر بجهله، ولهذا هذا الصحابي ذكر ذلك من باب الاعتذار لطلبهم وسؤالهم، فلو وقر الإيمان في قلوبهم ما سألوا هذا السؤال.
من الفوائد المهمة في هذا الحديث
1ـ أنه ينبغي للمسلم أن يقدِّم عذره عن قول أو فعل، يُخشى منه سوء الفهم، إذا خشيت سوء الفهم من قول تقوله، أو فعل تفعله، أو فتوى، أو أي مسألة، فإنه ينبغي لك أن تبين العذر، خاصة إذا كنت في موضع التهم، أما إذا سكت فالسكوت دليل الإقرار والرضا، ولهذا ينبغي للإنسان أن يبرئ موقفه، وهذا مثل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابة: «إنها صفية»، هذا درس وقاعدة، ومع ذلك قاله وهو في المسجد، وهو معتكف، وهو النبي -صلى الله عليه وسلم-، والذي زارته أم المؤمنين، فهو تعليم للأمة في أن الإنسان يبعد عن نفسه التهمة، ولهذا هذا الصحابي اعتذر لهذا القول الشنيع الذي صدر؛ لأنه ناتج عن جهل؛ لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفر.
2ـ أن غيرهم لا يجهل ذلك، وهم السابقون الأولون، فلم يصدر منهم ذلك، يعني الذين طلبوا هذا الطلب لم يكونوامن السابقين الأولين، وإنما كان من الذين أسلموا عام الفتح، ولهذا طلبوا هذا الطلب نتيجة الجهل، ففيه باب الإعذار في الجهل في مثل هذه المسائل إذا كان الإنسان حديث عهد بكفر.
3ـ فيه من الفوائد تربوية: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه، لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، يعني الإنسان إذا انتقل من عادة سيئة انتقل من بيئة شركية، لا يؤمن أن تبقى رواسب، ولهذا تأملوا بعض العلماء الذين عاشوا في بيئات فيها خلل في الاعتقاد، بيئات فيها تعطيل للصفات،تبقى الآثار، ولو لم يكن ذلك إلا في فلتات اللسان...فالإنسان الذي عاش في بيئة اعتاد فيها الباطل، فلا يأمن على قلبه أن تبقى فيه رواسب، وهذه الرواسب تزول مع الزمن، تزول مع العلم، لكنك تعذره في مثل هذه الفلتات، ومثل هذه التصرفات التي بقيت، أو ربما يكون ضعف في إيمان القلب، وعليه -وهذا جانب تربوي- فينبغي للإنسان المنتقل من الباطل ألا يأمن أن يكون في قلبه منه بقية، حتى يكون لديه الحذر والاحتراز، ولهذا قاتل المائة، الذي قتل مائة نفس، فاستفتى العالم، فنصحه بأن يغير البيئة، ولهذا الإنسان إذا كان في بيئة سيئة الجلساء الذين حوله سيئين، فتاب من هذا المنكر، يُخشى عليه ولهذا يطلب منه أن يغير الجلساء، وأن يغير البيئة؛ حتى لا يعود، وهذا الذي فعله العالم مع قاتل المائة، لما قال: من يمنعك بينك وبين التوبة، لكن أمره أن ينتقل من قريته التي فيها إلى القرية الأخرى.
4ـ أن الصحابة -رضي الله عنهم- إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل، هؤلاء صحابة، ومع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فغيرهم أولى بالجهل، ولهذا لا يغتر الإنسان بعمل بعض الناس، لا ينظر إلى سواد الناس، وأعمال الناس، فلينظر لمن اتبع الحق؛ لأن عمل الناس قد يكون عن جهل، ولهذا تجد أحيانًا بعض المسلمين مثلاً في الحج وفي العمرة، هو لا يتعلم الأحكام، وإنما يقلد غيره، رأى غيره مسح هذا الباب مسح، مسح هذا الحجر مسح، وتجده يقلد غيره، وقد يكون الغير يفعل ذلك عن جهل، فالإنسان لا يغتر بفعل الناس، فالعبرة بما دل عليه الشرع لا بعمل الناس.
5ـ قال: "وللمشركين سدرة" وهي شجرة معروفة "يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط".
العكوف .... هو الملازمة للمكان، هذا أمر، ثم لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يعكفون ويمكثون ويكون الإقامة طويلة؟ يرجون البَّركة في هذه الشجرة، بدليل أنهم كانوا ينوطون بها الأسلحة؛ لأجل أن تحصل البَّركة، يعني يعلقون الأسلحة بهذه الشجرة رجاء البَّركة، ولهذا سميت بذات أنواط، أي لقبت بهذا؛ لأنها تناط بها الأسلحة، فلاحظوا هنا ثلاثة أمور جعلتهم يعبدون هذه الشجرة:
الأول: التعظيم....عظموها، اعتقدوا أن فيها البَّركة.
الثاني: العكوف... فهم يمكثون، ويعكفون، وتجد يأتي قوم، ويذهب قوم، ويأتي قوم، حتى أصبح مزار كما تلاحظون أحيانًا في بعض الأماكن، والجبال، والقبور أصبحت مزارات، بل للأسف بعض القبور في بعض بلدان المسلمين، الذين يزورها ويحج إليها، ويطوف بها أكثر من حجاج بيت الله الحرام كما يقال، هذا من الجهل، من جهل الأمة بالتَّوحيد.
الثالث: التَّبرُّك، بدليل أنهم ينوطون بها الأسلحة.
فبهذه الأمور عُبدت الأشجار والأحجار ونحوها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
6ـ قال: "فمررنا بسدرة" سدرة أخرى، هم ما التفتوا إلى سدرة المشركين، لكن يأتي باب التشبه والإعجاب، والاغترار بأفعال المشركين، قال: "فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط"، فيه من الفوائد: أن الصحابة -رضي الله عنهم- ومع ذلك هؤلاء حدثاء عهد بكفر، كان من المتقرر عندهم أن العبادة لا تقبل إلا إذا كانت مشروعة، من أين أخذنا هذه الفائدة؟ هم ما فعلوا، بل طلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يشرع لهم ذلك، وأن يجيز لهم ذلك، فدل على أن العبادة لا تُقبل إلا بشرط الإخلاص والمتابعة، ولهذا هذا الأمر متقرر عندهم مع حداثة عهدهم بالإسلام، ومع ذلك لم يفعلوه، بل طلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجعل لهم، دل على أن المتقرر عندهم أن العبادة لا تصح ولا تُقبل إلا إذا كانت مشروعة، فالعبادات مبنية على التوقيف، ولهذا طلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجعل لهم ذات أنواط.
أمر آخر: أنهم لم يفعلوا، لا قبل ولا بعد، ومع ذلك أنكر النبي -عليه الصلاة والسلام- عليهم هذا الإنكار الشديد، الإنكارلأجل الطلب فقط، فدل على العناية بالتَّوحيد، بل أنه غضب، وأكد ذلك بثلاث مؤكدات، وهذا الإنكار الشديد لأجل الطلب  فقط، فكيف لو فعلوا؟ وحاشاهم، فكان هذا الإنكار لأجل الطلب.
7ـ أنهم قصدوا بهذا الطلب قصدوا الخير، وهل كل مريد للخير يدركه؟ لا، فلم يكن قصدهم سيء، لم يقصدوا الإساءة للدين، بل كان قصدهم حسن، لكن القصد الحسن وحده لا يكفي حتى تُقبل العبادة وتصح، فلهذا قصدهم حسن، ظنوا أن ذلك من الأمور التي يحبها الله، وهذا القصد الحسن لم يبرر الفعل.
8ـ أنهم طلبوا شيئًا ظنوه محبوبًا إلى الله -عز وجل-، فلما أخبرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أقلعوا وأعرضوا عن هذا الطلب تمامًا، مع أنهم لم يفعلوا.
9ـ ظنوا أن هذا الفعل لا يعارض كلمة التَّوحيد، ولا تهدم كلمة التَّوحيد، نتيجة الجهل، مع أنهم أسلموا، ونطقوا كلمة التَّوحيد، ومع ذلك ظنوا بسبب قرب عهدهم بالكفر أن هذا الطلب لا يعارض كلمة التَّوحيد.
ولهذا قال أهل العلم فائدة: قد يغيب عن بعض الفضلاء والصالحين بعض المسائل الشركية، غابت عنهم، وهم صحابة، لكن عذرهم أنهم حدثاء عهد بكفر، قالوا: قد يغيب عن بعض الفضلاء بعض مسائل الشرك، لأن الصحابة وهم أعرف الناس باللغة، هؤلاء الذين كان إسلامهم بعد الفتح خفيت عليهم بعض أفراد توحيد العبادة، فظنوا أن هذا الطلب لا يتعارض مع كلمة "لا إله إلا الله" فما الظن بمن بعدهم؟
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الله أكبر! إنها السنن»، "الله أكبر" هذه الكلمة تُقال عند التعجب، تعظيمًا لهذا الطلب، وإنكارًا له، وفي بعض الروايات أنه قال: «سبحان الله!» فنزه الله -تبارك وتعالى-، والمعنى واحد، يعني أنت عند التعجب تقول: "الله أكبر" أو تقول: "سبحان الله" تنزه الله -تبارك وتعالى-، والمراد تعظيم الرب -تبارك وتعالى-، وتنزيهه عن الشرك، وكذلك استعظام هذه المقولة، وهذا الطلب الشنيع، كيف وهم آمنوا بـ"لا إله إلا الله" وأن الله أكبر من كل شيء، وأعظم من أن يُشرك به، ففيه مشروعية التكبير عند التعجب، تعجب الإنسان تعظيمًا لله -تبارك وتعالى-، ولهذا بوَّب البخاري في كتاب الأدب، بابًا بعنوان "باب التكبير والتسبيح عند التعجب" فقال: «الله أكبر! إنها السنن» السنن يعني الطرق، وهي طرائق معنوية، «إنها السنن»، ولهذا نهى -عليه الصلاة والسلام- عنها بهذا اللفظ «إنها السنن» خرج مخرج الذم والتحذير من اتباع سَنَنَ من كان قبلنا.
10ـ أن سنة أهل الكتاب مذمومة، كسنة المشركين، ولهذا قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» الذين قبلنا اليهود والنصارى، دل على أن سنتهم مذمومة كسنة المشركين، ولهذا كل أمر جاء فيه أنه من أفعال الجاهلية يدل على ذمه.
11ـ النهي عن التشبه بأهل الجاهلية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل هذا الطلب مثل طلب قوم موسى لموسى، ففيه النهي بالجاهلية.
12ـ علم من أعلام النبوة، لقوله: «لتركبن سنن من كان قبلكم»، وفعلاً وقع في هذه الأمة ما وقع في الأمم السابقة، ولهذا عبدت طوائف من هذه الأمة الأوثان كما وقع في الأمم قبلنا، بل قال -عليه الصلاة والسلام-: «لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، لماذا نص على جحر الضب؟ قالوا: لأن جحر الضب هو من أعقد الجحور، يعني  يعمقه إلى أسفل، ولا يجعله مستطيل، يعني حتى لو دخلوا أصعب الجحور لتعبتموهم، دل على أن الأمة تتبع سنن من كان قبلها، ومن ذلك مثل هذه الأفعال الشركية ففيه علم من أعلام النبوة.
13ـ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعذرهم، بل غضب، ورد عليهم بقوله: «الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم»، فغلظ الأمر بهذه الأمور الثلاثة:
أولاً: قوله: «الله أكبر!» تعظيمًا لله.
ثانيًا: قال: «إنها السنن» تحذيرًا لهم.
ثالثًا: قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم».
مع أن لهم من الحسنات، والوعد بالمغفرة ما ليس لغيره، ومع ذلك ما عذرهم لشناعة الأمر، ولعنايته -عليه الصلاة والسلام- بالتَّوحيد، فما عذرهم بهذا الطلب، بل أنكر عليهم.
فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أنكر عليهم، فغيرهم من باب أولى، لا يُقال لا تنفر المسلمين، هؤلاء يريدون الخير، هؤلاء يحبون الصالحين، كما هي دعاوى القبوريين، وإذا أنكرت عليهم، قالوا: أنت لا تحب الصالحين، قل أنا لا أحب الشِّرك، وأعظم رب العالمين، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- ما عذر هؤلاء الصحابة، مع حداثة عهدهم، بل أنكر عليهم وشدد وغلظ.أي أنه لا يُعذر الإنسان في مثل هذا الباب بل ينكر عليه، وغيره من باب أولى.
14ـ جواز الحلف على الفتيى من غير استحلاف، في قوله: «قلتم والذي نفسي بيده» فيجوز الإنسان يحلف من غير استحلاف، خاصة في مسائل الفتيى، فيقول: والله كذا، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- حلف من غير استحلاف، وهو الصادق المصدق، فيحلف لأجل المصلحة والتأكيد.
15ـ الغضب عند التعليم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يغضب إذا انتهكت محارم الله.
ولهذا أحيانًا من الناس من يصف السيرة النبوية من جانب، ويترك الجانب الآخر، فيصف النبي -صلى الله عليه وسلم- من جانب، ويترك الجانب الآخر، نعم هو لا يغضب انتصارًا لنفسه، لكنه يغضب إذا انتهكت حرمات الله، ومع ذلك هؤلاء الذين طلبوا وهم حدثاء عهد بكفر غضب، وقال: «الله أكبر! إنها السنن»، وشبه هذا الطلب بطلب قوم موسى لموسى، ففيه الغضب عند التعليم، يؤخذ من قوله: «الله أكبرّ إنها السنن»، على سبيل الاستنكار والتعظيم لهذا الشيء، ولهذا بوَّب البخاري في الصحيح بابًا بعنوان في كتاب العلم "الغضب عند الموعظة والتعليم إذا رأى ما يُكره" إذا رأى ما يُكره يغضب العالم، ويغضب الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وليس هذا أمر مذموم، بل ممدوح، الذي لا يغضب إذا انتهكت محارم الله، هذا بليد الإحساس، ضعيف الإيمان، ولهذا ترك الغضب عند إنكار المنكر هذا ليس مدحًا، بل هو مذمة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو -عليه الصلاة والسلام- الرءوف الرحيم، وهو الذي يدعو إلى الرفق، لكن في مثل هذه المسائل كان يغضب -عليه الصلاة والسلام- إذا انتهكت محارم الله -تبارك وتعالى. هذا ما يتعلق بهذا الباب، باب التَّبرُّك.
المظهر الثالث: الذبح لغير الله
ـ يدل عليه قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163]، وقوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2
 وجه الاستدلال فيهما
ـ أن الله -عز وجل- جعل النسك وهو الذبح والنحر، النحر يكون للإبل، والذبح يكون للبقر والغنم، جعل الذبح عبادة، فقرنه بالصلاة، وهنا قاعدة عند أهل العلم: أن الشيء إذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك، تعرف أنه عبادة إذا أمر الله به، أو أثنى على فاعليه، أو بيَّن ثوابه وفضله، فإذا جاء الدليل في الأمر به، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أو بيَّن فضله وثوابه، أو مدح وأثنى على الفاعلين له، يدل على أن الأمر عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك، فهذا وجه الاستدلال بهاتين الآيتين، أن الله -عز وجل- أثنى على المؤمنين بهذا الثناء، وقرن النسك وهو الذبح بالصلاة، فدل على أنه عبادة، فحينئذ صرفه لغير الله شرك، هذا وجه الاستدلال بالآيتين.
ـ جاء في الذبح لغير الله بخصوصه ما رواه مسلم من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله»" إذن هذا فيه الوعيد الشديد لمن ذبح لغير الله.
«لعن الله من آوى محدثًا» أي في الدين، ارتكب جرمًا ابتدع فستر عليه فآواه.
«لعن الله من لعن والديه» تسبب في لعنهما، لعن الرجل فالرجل انتقم منه، فلعن والديه.
«لعن الله من غيَّر منار الأرض» يعني الحدود، أو العلامات التي يستدل بها الناس في الطرق، يعني في القديم كانوا يضعون على الجبال علامات يستدل بها الناس حتى لا يتيهوا في الصحراء، في عصرنا ما هذه العلامات؟ اللوحات الإرشادية، فيأتي فيغيرها يطمسها، أو يكون اتجاه المدينة هكذا، يأتي عبثًا فيجعلها هكذا، يضل المسافرين، تكون المسافة مثلاً مائة كيلو، يضع المسافة عشرة كيلو، يضلهم، فغير منارات الأرض، فيكون هذا الفعل من كبائر الذنوب "لعن الله من غيَّر منارات الأرض" سواءً العلامات التي توضع الحدود تميز الأملاك، وضع حدود فيغيرها لأجل أن يزيد في أرض هذا، وينقص في أرض هذا، أو العلامات التي يستدل بها الناس في الطرق في القديم، أو في عصرنا اللوحات الإرشادية، فيغيرها، يطمسها، يحرِّفها، فيكون هذا الفعل من كبائر الذنوب، وفيه من الإفساد بالمارة والمسلمين.
ـ فقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لعن الله من ذبح لغير الله»، هذا يشمل الذبح لغير الله كائنًا من كان، سواء كان للملائكة، سواءً كان للأنبياء، سواءً كان للأولياء، سواءً كان للصالحين، كذلك يشمل كل من ذبح لغير الله تقربًّا له، أيًّا كانت هذه القربى حتى ولو ذكر عليها اسم الله، وسواءً كان المذبوح عظيمًا، أو كان المذبوح حقيرًا، حتى لو كان مما لا يؤكل، ذبح ذبابًا، ذبح خنزيرًا، طلب منه الساحر والكاهن أن يذبح ذباب، أن يذبح خنزير، أن يذبح كلبًا،  يدخل في هذا الوعيد.
الذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: أن يذبح لغير الله تقربًّا وتعظيمًا، وهذا من الشرك الأكبر.
الثاني: أنه يذبح لغير الله فرحًا بقدومه، إكرامًا له، فهذا جائز، لكن ما يكون ذبح تقربًّا إليه بذات الذبح، وإنما يقصد الطعام، ولهذا بعض الناس يقول أتاني فلان ذبحت له، تذبح له، ليس هو المقصود هنا، هذا يدخل في باب إكرام الضيف، والمراد هو القسم الأول.
مثال: قدم رئيس من الرؤساء، فجيء بالأغنام، فذُبحت وهو ينظر ثم عبر وسافر، يكون هذا العمل شرك، لكن قَدِم فذُبحت الذبائح لأجل إكرامه وإطعام الضيوف، هذا من إكرام الضيف، أما أن يسكب الدم وهو ينظر ثم ينصرف، فهذا يكون من الشرك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق