الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره الرابعه )

العقيدة
تلخيص الدرس الرابع
فضائل التَّوحيد، وفوائده، وثمراته، وآثاره على أهله في الدنيا وفي الآخرة.
بعد أن عرف الموحد حقيقة التَّوحيد، ومعنى كلمة التَّوحيد، وعرف أركانها، وشروطها، فإنه من المناسب بعد ذلك أن يعرف فضل هذا التَّوحيد، وما له من الأجر الجزيل، والثواب العظيم، والأثر الحميد، على أهله في الدنيا وفي الآخرة، لأجل الحث والترغيب عليه، ولأجل العناية به، فإن الإنسان الذي لا يعرف قدر الشيء، لا يقدره حق قدره، وهنا تنبيه مهم، إذا قلنا: فضائل التَّوحيد فلا يُفهم من ذلك أن التَّوحيد من الأمور المستحبة؛ لأن من الناس إذا سمع بفضائل الأعمال، ظن أن هذا العمل من المستحبات، وهذا الحقيقة فهم قاصر، فالواجبات فيها من الفضائل، وفيها من الأجور، ما لم يكن في المستحبات، بل إن الفرائض أحب إلى الله من النوافل، ولهذا المتأمل في نصوص الكتاب والسنة، يجد من الفضائل، ويجد من الترغيب، في الواجبات أكثر مما هو في المستحبات والنوافل. فإذا قلنا الفضائل لا يُفهم من ذلك أن التَّوحيد من باب النوافل والمستحبات، بل هو أوجب الواجبات. تنبيها آخر: إذا قلنا فضائل  التَّوحيد، فالمراد بالتَّوحيد هنا الذي نتحدث عن فضائله وعن ثمراته هو توحيد العبادة المتضمن لباقية أنواع التوحيد.فإذا قلنا التوحيد نعني به توحيد الإلوهية الذي يسمى بتوحيد العبادة لأن هذا هو التوحيد الذي من أجله خلق الله الخلق ومن أجله أرسل الرسل، ومن أجله أنزل الكتب، وهذا النوع هو الذي يتضمن باقية أنواع التوحيد الأخرى.والفضائل كثيرة ونشير إلى أهمها .
الهدف من ذكر هذه الفضائل.
أولاً: التعرف على فضائل التوحيد وأثاره الحميدة على أهله في الدنيا وفي الآخرة،
ثانيًا: التعرف على طبقات الموحدين،
ثالثًا: التعرف على درجات تحقيق التوحيد
رابعًا: التعرف على فضل من حقق كمال التوحيد.
الأدلة على فضل التوحيد وعلى فؤائده وثمراته من كتاب الله -عز وجل
1- يقول الله -تبارك وتعالى- في سورة الأنعام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] هذه الآية جاءت في سياق محاجة إبراهيم لقومه، وإبراهيم عليه السلام هو إمام الموحدين، وحتى يتضح لك المعنى بالدقة اقرأ سياق الآيات قبلها، يقول الله -تبارك وتعالى- قبل هذه الآية في سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 74، 75] إلى أن قال الله -تبارك وتعالى- ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ إذن هي جاءت في سياق المحاجة بين إمام الموحدين وبين قومه المشركين، ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 80، 82].هذا هو السؤال المطروح  بين إبراهيم وبين قومه، فكان الجواب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 83] أي هؤلاء هم الأحق بالأمن، إذن هذه الآية جاءت في سياق محاجة إبراهيم لقومه في بيان التوحيد.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي أنهم حققوا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، حققوا الإيمان بقلوبهم، ونطقوا ذلك بألسنتهم، وعملوا بجوارحهم، وأخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئًا.هذه المعاني هي التوحيد... الذين آمنوا أي حققوا التوحيد ثم قال -عز وجل-: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ والظلم المراد به هنا هو الشرك، لم يخلطوا إيمانهم بالشرك.
وسمي الشرك ظلما .....والشرك هو أعظم أنواع الظلم ...لأنه وضع للعبادة في غير موضعها، وصرف الله لغير مستحقها......
أنواع الظلم:
1ـ ظلم الإنسان لنفسه بالشرك
2ـ ظلم الإنسان لنفسه بالذنوب والمعاصي التي دون الشرك
3ـ ظلم الإنسان لغيره
والمراد بالظلم هنا ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ أي بشرك، النتيجة والثمرة هي ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ أي لهم الأمن الذي هو طمأنينة القلب وطمأنينة النفس وزوال الخوف في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الآية عامة ﴿وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ والهداية: هي التوفيق في السير على الصراط المستقيم، فهم مهتدون ...موفقون ثابتون على صراط الله المستقيم، والهداية نعمة وتوفيق من الله -عز وجل- ولهذا المسلم في كل ركعة في صلاته يقول ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6] والمعنى دلنا وأرشدنا ووفقنا وثبتنا، فأعظم نعمة ينعم الله -عز وجل- بها على العبد أن يهديه صراطه المستقيم، يدله ويرشده ويوفقه ويثبته.....ففي هذه الآية دليل على فضل التوحيد، وجه الدلالة على ذلك.....يشمل الأمن بجميع صوره، الأمن البدني، الأمن الحسي، الأمن الفكري، ليس عنده اضطراب ولا تشتت، وكذلك التوحيد من أسباب تحقيق الأمن ولهذا المجتمعات والدول التي تسعى إلى استباب الأمن وتحقيق الأمن عليها أن تحقق التوحيد؛ ويتحقق لها الأمن بتوفيق الله تعالى، ثم كذلك الاهتداء.
لما نزلت هذه الآية شقت على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لأنهم أحرص شيء على الخير، وأحذر الخلق من سائر الذنوب والمعاصي، يقول ابن مسعود رضي الله عنه لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 83] شق ذلك على المسلمين، فهموا أنه لا يحصل أمن ولا اهتداء إلا لمن سلم من جميع الذنوب، فهموا أن المراد بالظلم هنا جميع أجناس الذنوب وأن من لا يسلم منها لا أمن له ولا اهتداء وهذا الشرط صعب، قال شق ذلك على المسلمين -أي على الصحابة رضوان الله عليهم- لحرصهم ولأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إذا سمعوا الآيات وسمعوا الأحاديث أو سألوا أو تعلموا لا يسألون لأجل العلم وإنما لأجل العمل والانتفاع، ولما نزلت الآية شق ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله: أينا لم يظلم نفسه -أي كل واحد يقع في ظلم النفس من سيئات ومن ظلم الغير- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس كما تقولون» أي ليس هذا هو المعنى المتبادر إلى أذهانكم إنما هو الشرك، أي الذي لا يحصل معه أمن ولا اهتداء البتة هذا هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه وهذا من باب تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن أيضًا بالسنة ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]....فالنبي عليه الصلاة والسلام بين لهم  الإشكال الذي ورد عليهم، لما فهموا أن ظلم الإنسان لنفسه لا يحصل له أمن ولا اهتداء، قال ليس هذا هو المراد الذي لا أمن له البتة ولا اهتداء له البتة هو من وقع في الشرك الأكبر....ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله موضح المعنى -لأن هذا في الحقيقة مفهوم دقيق ومهم ضلت فيه بعض الفرق-: "والذي شق عليهم أنهم ظنوا أن الظلم المشروط عدمه هو ظلم العبد نفسه" هكذا فهم الصحابة في أول الأمر، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله، لا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبث إيمانه بهذا الظلم، فإن من لم يلبث إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء كما كان من أهل الاصطفاء في قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32]. أي من سلم من الشرك الأكبر فله أمنا واهتداء بحسب ما معه من التوحيد، والظلم هنا عام ..﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 83] الآية عامة، فمن سلم من الشرك الأكبر حدثه له من الأمن والاهتداء بقدر ما معه من التوحيد، ومن سلم من الظلم بجميع صوره أي أنه حقق التوحيد تحقيقا كاملاً؛ حدثه له الاهتداء التام والأمن التام، فإن قلت النبي عليه الصلاة والسلام بين في الحديث أن المراد بالظلم هو الشرك، نقول هذا جواب للإشكال الذي ورد على الصحابة رضي الله عنهم، حيث فهم أن لا أمن ولا اهتداء إلا لمن سلم من جميع أجناس الذنوب، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي لا أمن له البته ولا اهتداء له البته هذا هو المشرك الشرك الأكبر، أما ما دون ذلك فيحصل له من الأمن والاهتداء بقدر ما معه من التوحيد.
أقسام الأمن الذي هو ثمرة التوحيد.
القسم الأول: أمن تام، مطلق، كامل، وهذا يكون لمن حقق التوحيد تحقيقا كاملاً، فمن حقق التوحيد تحقيقا كاملاً تامًا، فسلم من الشرك الأكبر وسلم من الشرك الأصغر، وسلم من كبائر الذنوب حدثه له الأمن التام والاهتداء التام.
القسم الثاني: من حقق أصل التوحيد سلم من الشرك الأكبر لكنه قد يقع في الشرك الأصغر وقد يغترف بعض الذنوب والمعاصي، فهو مازال في دائرة التوحيد ..مازال مسلم، أي يكون له أمن ناقص بحسب ما معه من التوحيد، فحينئذ هذا الموحد الذي يغترف بعض الذنوب والمعاصي لكنه مازال في دائرة التوحيد لم يخرج من الإسلام فله من الأمن بقدر ما معه من التوحيد، فحيئنذ يكون هذا الأمن الذي هو ثمرة التوحيد إما تام وإما ناقص بحسب ما تمام التوحيد وكماله أو بحسب نقصانه، وهكذا يقال في الاهتداء.
الاهتداء نوعان:
الأول:اهتداء تام، كامل، مطلق....وهذا لمن حقق التوحيد كاملاً، فجاء بالتوحيد كاملاً
الثانى: اهتداء ناقص...... وهذا يكون لمن حقق التوحيد ناقصًا، أي هذا اهتداء مقيد، له من الهداية بقدر ما معه من التوحيد
ما الفرق بين الأمن المطلق ومطلق الأمن -أي ما الفرق بين الأمن بإطلاق وبين الأمن المقيد؟ وكذلك ما الفرق بين الاهتداء المطلق وبين الاهتداء المقيد؟
الجواب: أن الأمن المطلق نريد به الأمن الكامل والتام، وهذا يحصل لمن حقق التوحيد كاملاً.
ومطلق الأمن المراد أصل الأمن وهذا يحصل لمن حقق الحد الأدنى من التوحيد الذي به يبقى في دائرة الإسلام وبه يأمن من عدم الخلود في النار. وهكذا الاهتداء، الاهتداء المطلق أي الكامل التام، والاهتداء المقيد أو نسميه مطلق الاهتداء أي أصله الذي يكون مع كل موحد.
 من الفرق الإسلامية الذين يرون أن مطلق الظلم لا يحصل معه أمن ولا اهتداء البته...أي بمجرد وجود الظلم حتى ولو كان كبائر أو كان شرك أصغر، فلا يحصل معه أمن البته ولا اهتداء بالبتة، وهؤلاء هم الخوارج
الخوارج الوعيدين، هذا الفهم الذي فهموا النبي عليه الصلاة والسلام أن يظن أن من وقع في جنس من أجناس الذنوب فظلم نفسه بكبيرة أو بنحوها أنه لا أمن له ولا اهتداء له، هذا هو الذي نفاه النبي عليه الصلاة والسلام، عكسهم .... الذين يرون أن من سلم من الشرك الأكبر فله أمن تام واهتداء تام حتى لو فعل ما فعل من كبائر الذنوب، ولو سرق ولو زنا ولو قتل فإن ذلك لا يضره، هؤلاء عكس الخوارج وهم المرجئة بشتى أصنافهم -أقصد بهم الغلاة عندهم- فعند أن الإيمان لا يضر معه ذنب ولا شك أن هذا تفريق وهذا تفريق وأهل الحق وسط كما دلت عليه نصوص الشرع.
كيف يأمن هذا العاصي وهو متوعد بدخول النار؟ كيف يأمن صاحب الكبيرة مثلاً من عقوبة الآخرة وهو متوعد بدخول النار؟ فأين الأمن لهذا المرتكب الكبيرة؟
الجواب: أنه أمن من عدم الخلود في النار لا من عدم دخولها، يقولون أن هذا الأمن ناقص ,فهذا المرتكب الكبيرة ينفعه هذا التوحيد  ، وجه النفع أنه يأمن من عدم الخلود في النار لا من عدم دخولها، بمعنى أنه قد يدخل النار أو متوعد لكن هذا التوحيد ينفعه في عدم الخلود لا في عدم الدخول.
الدليل الثاني من أدلة فضائل التوحيد:
حديث مخرج في الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» ..هذا الحديث فيه شرط وفعل شرط وجواب شرط، أداة الشرط: "من" وفعل الشرط " شهد" والجواب "أدخله الله الجنة"
يتحقق الجواب.. أي يتحقق دخول الجنة إذا حقق الشرط، فيتحقق الجواب وهذا فيه فضل التوحيد إذا تحقق الشرط وهو "شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وشهد أن محمد عبده ورسوله" فهو عبد لا يعبد من دون الله ورسول لا يكذب، وشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم روح منه وشهد أن الجنة حق وشهد أن النار حق" التَّوحيد هنا... شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
كذلك من التَّوحيد أن تعتقد في الأنبياء أنهم رسلهم، لا يُعبدون من دون الله، ولا مع الله، ولذلك قال: وأن محمدًا عبده ورسوله، فهو عبد، لا يُعبد من دون الله، ورسول لا يُكذَّب، وكذلك يُقال في عيسى، عبد الله ورسوله، رد على الغلاة والجفاة، عبد الله، رد على من غلو في عيسى، وهم النصارى، ورسوله رد على اليهود، الذين كذبوه واتهموه، وهكذا يُقال في محمد -صلى الله عليه وسلم-، هو عبد لا يُعبد، لا يُحلف به من دون الله، ولا يستغاث به من دون الله، ولا يُطلب منه المدد، ولا تفريج الكروب، ولا مغفرة الذنوب، ولا يعلم الغيب إلا ما علمه الله، فهو عبد، وقد وصفه الله بالعبودية في أعلى مقامات التشريف ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1]، التَّوحيد هنا في عقيدة المسلم الموحد في الأنبياء والمرسلين والصالحين عمومًا.وكذلك إيمانه بالآخرة، وإيمانه بالجنة والنار، وهذه حقيقة التَّوحيد، هذه الشروط هي حقيقة التَّوحيد، والنتيجة والثمرة لهذه العقيدة «أدخله الله الجنة»، فدل هذا الحديث على فضل التَّوحيد، وأنه من أعظم الأسباب في دخول الجنة.
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»...معنى  «أدخله الله الجنة» أي ثمرة التَّوحيد، «على ما كان من العمل» هذا يحتمل معنيين:
المعنى الأول: أن يكون أدخله الله الجنة بسبب التَّوحيد، ثم تكون منزلته في الجنة بحسب ما معه من الأعمال، إذن الأعمال لها أثر ﴿أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 43]، فيكون التَّوحيد هو سبب في دخول الجنة، ثم الأعمال تكون بها منزلته في الجنة بحسب ما معه من العمل، فيكون أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، أي بسبب التَّوحيد، ثم تكون المنزلة في الجنة بحسب العمل قلَّ أو كثر؛ لأن الجنة درجات.
الاحتمال الثاني: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» حتى لو كان معه من الأعمال ما معه، ما دام أن معه التَّوحيد، فإنه يدخل الجنة حتى لو كان معه ذنوب ومعاصي، دون التَّوحيد، فيكون التَّوحيد سبب في دخول الجنة، وهذه من فضائلها، حتى لو كان معه ذنوب ومعاصي دون الشرك.
حينئذ يكون المراد بالعمل هنا هل المراد به العمل الصالح؟ أم العمل السيئ؟ هذا يحتمل، حسب الاحتمال، إن كان الاحتمال الأول فيكون المراد بالعمل الصالح، فالتوحيد سبب في دخول الجنة ثم المنزلة بحسب العمل الذي معه قلَّ أو كثر.والاحتمال الثاني ربما يكون العمل غير الصالح، بمعنى أنه أدخله الله الجنة بسبب التَّوحيد، على ما كان من العمل، حتى لو كان معه من الأعمال ما معه؛ لأن التَّوحيد يكفِّر الله به الذنوب.
فدل هذا الحديث دلالة واضحة وظاهرة على فضل التَّوحيد، وأنه من أسباب دخول الجنة، بل هو أعظم الأسباب في دخول الجنة، حتى ولو كان مع الموحد ما معه من الأعمال.
الفوائد في هذا الحديث
 1ـ دليل على سعة فضل الله -عز وجل-، وإحسانه؛ لأن الله -عز وجل- يدخل الموحد الجنة بفضله، ورحمته، وإحسانه، ولو كان ما معه من العمل.
2ـ دليل على وجوب تجنب الإفراط أو التفريط في حق الأنبياء والصالحين، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله»، وهذا الحقيقة أمر مهم سنحتاجه -إن شاء الله- في أبواب التَّوحيد وسبب الانحراف عن عقيدة التَّوحيد، وأن ذلك بسبب الغلو في الصالحين، ومنهم الغلو في الأنبياء والمرسلين.
هنا قاعدة مهمة تتعلق بهذا التَّوحيد، وتتعلق بهذا الحديث ، وهى: أن الموحد يدخل الجنة بفضل الله على أحد أربعة تقادير.أو احتمالات أربعة:
الاحتمال الأول: أن يلقى الله سالمًا من جميع الذنوب، يلقى الموحد ربه -عز وجل- وقد حقق التَّوحيد تحقيقًا، كاملاً، تامًا، خالصًا، سالمًا من جميع الذنوب، سالمًا من الشرك بجميع صوره، سالمًا من كبائر الذنوب، فحينئذ يدخل الجنة من أول وهلة ابتداءً، بفضل الله -تعالى- ورحمته.
التقدير الثاني: أن يلقى الموحد ربه، وهو مُصِرٌ على كبيرة من كبائر الذنوب دون الشرك، لكن ترجح كفة الحسنات، فحينئذ يدخل الجنة من أول وهلة بفضل الله؛ لأن الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 6، 7] ، لكن قد يُقال: ما مصير السيئات التي معه؟ يعني ما مصير السيئات المرجوحة؟ هل تُغفر؟ أو أنها تبطل ما قابلها من الحسنات؟ هذا محتمل، والعلم عند الله، ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "طريق الهجرتين" قولين لأهل العلم في هذه المسألة، في حكم هذه السيئات المرجوحة، وأن من أهل العلم من قال أنها تغفر برجحان كفة الحسنات، ومنهم من قال بأنها تبطل ما قابلها من الحسنات، فيبقى الثواب على الراجح فقط، والعلم عند الله -تبارك وتعالى. المهم أن من رجحت حسناته على سيئاته من الموحدين، دخل الجنة من أول وهلة.....أوأن تتساوى الحسنات والسيئات، فحينئذ يعفو الله -عز وجل- عنه، ويدخل الجنة بفضل الله، وهؤلاء هم أهل الأعراف الذين تتساوى حسناتهم وسيئاتهم.
التقدير الثالث: أن ترجح كفة السيئات على كفة الحسنات، فمصيره أنه تحت مشيئة الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، فمن رجحت سيئاته على حسناته، فإنه يدخل تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وأدخله الجنة من أول وهلة.
التقدير الرابع: أن يُجازى على تلك السيئات، لكنه لا يُخلَّد في النار، بل يكون مصيره إلى الجنة مآلى.
وهذا قول من يرى أن الشرك الأصغر لا يدخل تحت المشيئة، بل أنه يدخل تحت الموازنة، فإن رجحت كفة الحسنات دخل الجنة، وإن رجحت كفة السيئات، وكانت السيئات من الشرك الأصغر، فإنه يدخل في العموم عند بعض أهل العلم، فيعذب في النار، لكنه لا يُخلَّد بل يكون مصيره إلى الجنة.
وعلى كل تقدير، فمصير الموحد الجنة، إما ابتداءً، أو مآلاً، إما أن يدخل من أول وهلة، إذا جاء سالمًا من جميع أجناس الذنوب والمعاصي، أو يدخلها برجحان كفة الحسنات، أو بتساوي الحسنات والسيئات، أو ترجح السيئات فيعفو الله عنه، فيدخل الجنة من أول وهلة ابتداءً، وإما أن ترجح كفة السيئات فيعذب ثم يكون مآله ومصيره إلى الجنة فحينئذ نفعه التَّوحيد...إما ابتداءً في دخول الجنة، أو مآلاً فسلم من عدم الخلود في النار، أعاذنا الله وإياكم منه.
وكذلك مما يدل ويؤكد هذا المعنى ما جاء في صحيح مسلم، أن أبا ذر -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نائم، عليه ثوب أبيض، قال: ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، قال: فجلست إليه، فقال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة»، هذا فيه بيان فضل التَّوحيد «من قال لا إله إلا الله»، هذا هو التَّوحيد، «ثم مات» يعني أنه خُتِمَ له بالتوحيد، لم يرتد عن دينه، ولم يُختم له بخاتمة سوء، بل مات وهو على التَّوحيد، النتيجة  «إلا دخل الجنة»، «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة» نوع الدخول هنا.هل هو دخول من أول وهلة. ابتداء؟ أو دخول مآل؟ يحتمل بحسب تحقيق التَّوحيد، إن حقق التَّوحيد، حقق لا إله إلا الله كاملة، بشروطها، وأركانها، ولوازمها، ومقتضياتها، فيكون الدخول من أول وهلة.
إن حقق لا إله إلا الله لكن أخل بشيء من لوازمها، ببعض مقتضياتها، فيكون الدخول مآلاً لا ابتداءً.
أبو ذر أورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الإشكال، قال: قلت يا رسول الله: وإن زنا؟ وإن سرق، يعني هل الموحد يدخل الجنة حتى وإن زنا وإن سرق؟ فقال: النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وإن زنا وإن سرق»، فأعادها أبو ذر للمرة الثانية من باب التأكيد، وإن زنا وإن سرق؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وإن زنا وإن سرق» ثلاثًا أي أن أبا ذر -رضي الله عنه- كرر هذا السؤال، وهذا الإيراد على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يجيبه ثلاث مرات بأنه يدخل الجنة وإن زنا وإن سرق.ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر»، فخرج أبو ذر -رضي الله عنه- وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.والحديث لا إشكال فيه، إيراد أبو ذر -رضي الله عنه- كأنه يقول: يا رسول الله، هذا المسلم الذي زنا وإن سرق، يدخل الجنة، حتى لو كان وإن زنا وإن سرق، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وإن زنا، وإن سرق»، فحيئذ يكون المراد دخل الجنة احتمال إما ابتداءً، وإما مآلاً، فلا يعارض أحاديث الوعيد، يعني لا تعارض بينه وبينه أحاديث الوعيد؛ لأن أحاديث الوعيد لا يفهم منها الخلود، كما فهمت الخوارج، فليفهم منها أن مرتكب الكبيرة متعرض للوعيد، وهذا عقابه إن عاقبه الله، وهذا الحديث من أحاديث الترغيب في فضل التَّوحيد، وأن الموحد مصيره الجنة، حتى لو فعل ما فعل من الكبائروهذا رد على الوعيدية، الخوارج، الذين يكفرون مرتكب الكبيرة، فنقول: أن مرتكب الكبيرة ما دام أنه موحد فمصيره إلى الجنة. ولا يُفهم منه -كما فهمت المرجئة- أن الزنا والسرقة لا تضر مع الإيمان، هم فهموا عكس ذلك، فنقول بجمع الأحاديث الأخرى في بيان فضل التَّوحيد وأن مصير الموحد الجنة، إما ابتداءً، وإما مآلاً.
ومما يدل على فضل التَّوحيد: أنه يحرم صاحبه على النار، جاء في الصحيحين من حديث عتبان بن مالك المشهور، الطويل، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، حرم على النار ... نوع التحريم هنا؟ «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» أيضًا على الاحتمالين:
الأول: أن يحرم على النار ابتداءً، فلا يدخل النار البتة، وهذا لمن حقق التَّوحيد كاملاً، فمن حقق التَّوحيد كاملاً، حقق لا إله إلا الله، بشروطها، ولوازمها، ومقتضياتها، فإنه يحرم على النار بفضل الله، فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله.ويسمى تحريم دخول
الثانى: إن جاء بـ"لا إله إلا الله" لكن أخل بشيء من لوازمها ومقتضياتها، فارتكب بعض الذنوب التي دون الشرك، وظلم العباد، فحينئذ لا إله إلا الله تنفعه في عدم الخلود، لا في عدم الدخول.ويسمى تحريم خلود
السبب في تفسيرهذا الحديث بهذا التفسيرهو الأحاديث الأخرى، كأحاديث الشفاعة «أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان»، وأيضًا كحديث المفلس، الذي جاء بصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، ومع ذلك آخر الأمر مصيره إلى النار، هذا لا يعني أنه قد كفر، وإنما يعني أنه متعرض للوعيد، فمسلك الحق هو الجمع بين هذه الأحاديث.
الدليل من الحديث على فضل التَّوحيد ... من قال لا إله إلا الله حقق التَّوحيد، فالله يحرم عليه النار.إما تحريم دخول للنار البتة، وإما تحريم خلود، فمن جاء بالتوحيد كاملاً، حرمه الله على النار ابتداءً، ومن جاء بأصله حرمه الله على النار خلودًا لا ابتداءً.
الدليل الرابع على فضل التَّوحيد:
أن كلمة التَّوحيد: لا إله إلا الله، تميل بالسماوات والأراضين وعامرهن، ودل على ذلك ما رواه ابن حبان والحاكم وصححه من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «قال موسى -عليه السلام-: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع، وعامرهن غيري، والأراضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله».
دلالة الحديث على فضل التَّوحيد..... أن كلمة التَّوحيد مالت بالسماوات والأراضين ومن فيهن، مما يدل على ثقلها في الميزان، ففيه بيان فضل كلمة التَّوحيد، وأنه لا يعدلها شيء في الفضل.
في قول موسى -عليه السلام-، وهو كليم الرحمن، وهو من أولي العزم من الرسل، قال: «يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به»، فيه دليل على أن كلمة التَّوحيد "لا إله إلا الله" ذكر ودعاء، «أذكرك» أي: أثني عليك، وأحمدك به، ومن أعظم الذكر: لا إله إلا الله....«وأدعوك به» أي: أتوسل به إليك إذا دعوتك أيضًا أعظم وسيلة تتوسل بها إلى الله لا إله إلا الله، التَّوحيد، فقال الله -عز وجل-: «قل: لا إله إلا الله، قال موسى: يا رب كل عبادك يقولون هذا»، هذا ليس من باب التهوين من شأنها, وإنما موسى -عليه السلام- أراد أمرًا يختص به، ولهذا قال: «كل عبادك يقولون هذا» يعني كأنه يريد شيئًا يختص به دون جميع العباد، فقال: «كل عبادك يقولون ذلك، فقال الله -عز وجل-: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأراضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله»، مما يدل على فضل كلمة التَّوحيد.
و مما يؤكد هذا المعنى، ما جاء في الترمذي، وحسنه ابن حبان، والحاكم، وصححه في حديث صاحب البطاقة المشهور، الحديث المشهور، الذي يصاح برجل من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- على رءوس الخلائق يوم القيامة، فتنشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئًا؟ سجلات من الذنوب، فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة، فيهاب الرجل، يعني ما يذكر شيئًا، فيقال: بلى، إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك، قال: فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ يعني كأنه يقلل من شأنها، ماذا تفعل مع تلك السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، وهذه بطاقة فيها كلمة التَّوحيد "لا إله إلا الله" مما يدل على ثقلها في الميزان،وهذا ما يدل على فضل التَّوحيد على أهله.
من فضائل التَّوحيد أنه من أعظم مكفرات الذنوب، ولو عظمت، ولو بلغت عنان السماء، جاء في الترمذي وحسنه، عن أنس -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة» هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية، بل هو آخرها، الحديث الثاني والأربعون.ففيه أيضًا بيان فضل التَّوحيد وكثرت ثوابه، وأنه يكفر الذنوب مهما كثرت، ولو بلغت ما بلغت، فالتوحيد كما أن له من الفضائل والأجور العظيمة، فمن أعظم فضائله أيضًا أنه يكفر السيئات، وكذلك سائر الأعمال الصالحة، كما أن الله -عز وجل- يرفع بها الدرجات، كذلك يكفر بها السيئات.
ففي الوضوء، كما أن الله -عز وجل- يرفع به الدرجات، كذلك يحط به الخطايا.
الصلوات الخمس، كذلك فيها من الفضل العظيم، وكذلك يكفر الله بها السيئات.
الزكاة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بهَا﴾ [التوبة: 103].
الصيام، أيضًا فيه رفعة الدرجات، وتكفير السيئات.
الحج كذلك فيه رفعة الدرجات والأجور، والحج المبرور ليس له جزاءً إلا الجنة، وكذلك فيه: «من حج ولم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
وهكذا التَّوحيد، وهو أعظم الطاعات والعبادات، كما فيه من الأجور والثواب العظيم الجزيل، كذلك هو من أعظم مكفرات الذنوب، ولهذا يكفر الله به الخطايا مهما بلغت.
التَّوحيد في الحديث...«ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا».«يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا» أي ذنوب دون الشرك، «ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا». كلمة شيئًا، نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، لا تشرك الشرك الأكبر، ولا الأصغر، فدل على حقيقة التَّوحيد، وعلى فضل التَّوحيد.
يقول ابن رجب -رحمه الله- في "جامع العلوم والحكم" وقد شرح هذا الحديث شرحًا نفيسًا: "التَّوحيد هو السبب الأعظم -أي في تكفير الذنوب- قال: فمن فقده، فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] قال: فمن جاء مع التَّوحيد بقراب الأرض -أي ملؤها أو ما يقارب ملؤها خطايا- لقيه الله بقرابها مغفرة،  فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كانت عاقبته ألا يُخلَّد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة" هذا يدلك على فضل التَّوحيد، إما يدخل الجنة ابتداءً أو يدخل مآلاً.
قال بعض السلف-: "الموحد لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار"، هذا من فضل التَّوحيد، حتى لو دخل النار، فإنه لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار، قال: "لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يبقى في النار كما يبقى الكفار، فإن كمل توحيد العبد، وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها، بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية".
أي لا يدخلها ابتداءً، وهذا في حق من كمل التَّوحيد بقلبه، ولسانه، وجوارحه، فإن أتى بالأصل، وأخل باللوازم، فإنه معرَّض للوعيد، لكن هذا الأصل ينفعه في عدم الخلود، لا في عدم الدخول.
وهنا قاعدة مهمة،  في الأحاديث السابقة، التنبيه إلى شرط مهم، وهو: أن كلمة التَّوحيد لابد فيها من تحقق الشروط، يقولها بلسانه، وبقلبه، ويعمل بجوارحه، صادقًا، مخلصًا، سالمًا من الشرك، فالإطلاق الذي في حديث عبادة: «إن الله حرم على النار» مقيد بالإخلاص «يبتغي بذلك وجه الله»، وكذلك مقيد بترك الشرك، كما في حديث أنس «لقيتني لا تشرك بي شيئًا»، وبه يتبين أن هذا الفضل للتَّوحيد مقيَّد بتحقيق شروط التَّوحيد وصحة التَّوحيد، وبه يتبين خطأ المغرورين، ممن يظنون أن هذه الكلمات تنفع دون تحقيق هذه الشروط.

 نستخلص من هذه الأدلة:
 1ـ أن التوحيد الخالص يثمر الأمن التام في الدنيا وفي الآخرة، يحقق للفرد والمجتمع والدول استتباب الأمن، فمن أراد الطمأنينة والأمن في نفسه وفي مجتمعه وفي أمته ودولته، فليحقق التوحيد، وكذلك هو سبب الأمن في الآخرة، الأمن بجميع صوره وأشكاله، سواء النفسي، أو البدني، أو الفكري، وجميع صور الأمن.
فبتمام التوحيد يستكمل العبد الأمن التام، وبنقصانه ينقص الأمن، وبعدمه يزول.
أن التوحيد يثمر لصاحبه الاهتداء التام الكامل في الدنيا وفي الآخرة، والمسلم  في كل ركعة يقول﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 69].فالتوحيد سبب الهداية والاهتداء، بكماله يكمل الاهتداء، وبنقصانه ينقص الاهتداء.
من مات على التوحيد الخالص دخل الجنة قطعا، بفضل الله ورحمته، ونقول قطعا بخبر الله عز وجل، وخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وهذا من جهة الوصف، لا من جهة الأعيان، فمن حقق التوحيد الخالص قطعنا جزما، لأن الله عز وجل ذكر ذلك في كتابه، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]، فيدخلها على ما كان من العمل، صالحا كان أو سيئا، ما دام أن معه التوحيد سيدخل الجنة قطعا، فإما أن يدخل الجنة ابتداء في الحال، أو يدخلها مآلا، المهم أن الموحد مصيره الجنة بفضل الله.
أن التوحيد الخالص يحرم صاحبه على النار، إما تحريم دخول، فلا يدخل النار البتة، لمن جاء بالتوحيد تاما، أو تحريم خلود إذا كان معه الأصل، وعلى ذلك على هذا المعنى يحمل حديث: «إن الله حرم علي النار من قال لا إله إلا الله»، إما تحريم دخول ابتداء، أو تحريم خلود.فمن كان في قلبه من التوحيد أدنى مثقال حبة خردل منه منعه من الخلود، كما جاء في الصحيحين: «أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان»، إلى أن قال: «أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله»، فنفعه التوحيد، نفعه في عدم الخلود في النار.
كلمة التوحيد تميل بالسموات والأراضين وعامرهن.
أن التوحيد يغفر الله به الذنوب ويكفر به السيئات، ولو عظمت، ولو بلغت عنان السماء، فهو أعظم الحسنات التي يكفر الله بها السيئات، وكما قال عز وجل: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، وأعظم حسنة تذهب السيئات: التوحيد...فمع ما رتب الله عليه من الثواب الجزيل، والأجر العظيم، كذلك يكفر الله الخطايا والسيئات، وهكذا الطاعات فيها هذان الأمران، رفعة الدرجات، وتكفير السيئات، والتوحيد أعظم الحسنات.
أسعد الناس بشفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، كما جاء في صحيح البخاري.
من فضائل التوحيد أنه يسهل على العبد فعل الخيرات، فإذا كمل وتم كان صاحبه أسرع الناس إلى الخير، إذا ضعف ضعف إقباله على الخير، وهكذا إذا تم التوحيد كان صاحبه أبعد الناس عن المنكرات والفواحش، كذلك يسليه عند المصائب، بإيمانه بقضاء الله وقدره، إيمانه بحكمة الله عز وجل، وأنه عز وجل ليس بظلام للعبيد، وأنه تبارك وتعالى لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ما أمر عز وجل فكله خير ومصلحة، إما مصلحة محضة، أو مصلحة راجحة، وما نهى الله عن شيء إلا كله مفسدة، إما مفسدة محضة أو راجحة، فيؤمن الموحد بأن الله عز وجل حكيم، حكيم في أمره، حكيم في نهيه، حكيم في قضائه وقدره، فيسليه عند المصائب.
فالموحد المخلص لله في توحيده تخف عليه الطاعات، لما يرجو من الثواب عند ربه عز وجل، ويحسن الظن بربه عز وجل، كذلك يهون عليه ترك المعاصي وما تهواه نفسه لما يخشى من سخط الله عز وجل وعذابه وعقابه.
8ــ التوحيد إذا كمل في قلب الموحد حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان.
9ــ التوحيد يخفف عن العبد المكاره، ويهون عليه الآلام، فبحسب كمال التوحيد في القلب، يتلقى العبد المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة، ولهذا التوحيد من أسباب علاج كثير من الأمراض النفسية، والقلق،والخوف.
10ــ التوحيد سبب لانشراح الصدر والنفس، فهو أعظم سبب لسعادة العبد.

11ــ التوحيد من فضائله أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم، ومن خوفهم، ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي، العز الحقيقي أن يكون رجاء الإنسان بالله، وطمعه بالله، لا يعلق نفسه بالمخلوقين الضعفاء، والشرف أن يكون العبد معلقا رجاءه بالله عز وجل، وطمعه بالله عز وجل، فيكون مع الله متعبدا لا يرجو سواه، ولا يخشى إلا إياه، وبذلك يتم فلاحه، ويتحقق نجاحه، وسر ذلك هو التوحيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق