تلخيص الدرس الثانى عشر
بسم
الله الرحمن الرحيم...الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله،
الداعي إلى رضوانه، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثرهم
بإحسان إلى يوم الدين.
مظاهر الشرك الأكبر والأصغر، المظاهر الاعتقادية
والقولية والعملية
ـ
يتحتم على الموحد أن يعرف مظاهر الشرك وصور الشرك بنوعيه، لأجل أن يحذرها وأن يجتنبها، والتوحيد يتضح بمعرفة معناه
ومفهومه وتحقيق أنواعه، ويتضح كذلك بمعرفة أضداده وما ينقصه وما ينقضه.
ـ
الشرك له مظاهر وصور كثيرة، منها يما يتعلق باعتقادات القلوب، ومنها ما يتعلق
بأقوال اللسان، ومنها ما يتعلق بأعمال الجوارح..
مظاهر الشرك
المظهر الأول :لبس
الحلق والخيوط ونحوها، إما لرفع البلاء أو لدفعه.
فمن
مظاهر الشرك التي تقع في الأمة بسبب الجهل وبسبب ضعف الإيمان واليقين، وبسبب ضعف
التعلق بالله، لبس الحلق والخيوط ونحوها، إما لرفع البلاء أو لدفعه.
والحلق......هي
كل شيء مستدير، تكون أطواق توضع على العضد أو على الأيدي أو نحو ذلك تكون من الصفر
وهو النحاس، أو من الحديد، أو من الفضة، أو من أي معدن كان، وكان المشركون يضعونها
على عضودهم يزعمون أنها تحفظهم من الشرور والآفات ومن الحسد والعين وشرور الجن.
الخيوط ......وهي
ما يخاط به، فإذا كان المشركون كل زمان يعتقدون أن هذه الخيوط التي يضعونها في
أيديهم أو في رقابهم على أطفالهم أو على دوابهم، أو على سياراتهم، أو في بيوتهم،
يزعمون أنها تدفع الأمراض، أو ترفع الأمراض.
ـ
نماذج وصور من هذه الخيوط وهذه الحلق الموجودة، أحيانا قد تجدها تباع في بعض أسواق
المسلمين، ويسوق لها ونحو ذلك، يعني أن هذه المظاهر ليست خاصة بالحلق، وليست خاصة
بالخيوط، بل يدخل فيها التمائم ويدخل فيها الخرز، ويدخل فيها الأحذية، ويدخل فيها
أقمشة، قد تعلق على السيارات، تعلق على البيوت، كل ذلك لأجل دفع الشرور أو رفعها،
وكل ذلك من مظاهر الشرك.
ـ
وهذه أيضًا صور ونماذج من التمائم التي قد تشاهدونها أحيانا على بعض الجهال، أو قد
تشاهدون أحيانا في بعض أسواق المسلمين، فتكون بهذه الصور ونحوها وأشكالها كثيرة،
كذلك هذه تلاحظون هذه العين الزرقاء يزعمون أنها تدفع شرور الجن
ـ
أيضًا هذه صور ونماذج لها، أحيانا قد توجد في الأسواق ويتلقفها الجهال يضعونها على
رقابهم، كل هذه من التمائم، والأمور الشركية.
قال أهل العلم: يدخل في هذا اعتقادا أنها ترفع
البلاء، أو أنها تدفعه، والفرق بينهما، أن
الدفع يكون قبل الوقوع، والرفع بعد الوقوع، يعني أنه يلبس هذه
الأشياء، خوفا من العين، خوفا من الحسد، خوفا من الشرور والأمراض والفقر وأذية
الجان، أو يضعها بعد وقوع المرض، ولا شك أن الرفع أعظم إثما وذنبا لأنه يتعلق بهذه
الأشياء، ويعتقد أنها تدفع قدر الله، وهي ليست كذلك..فكل هذا من مظاهر الشرك، سواء
لبسها وهو مريض، أو لبسها خوفا من المرض، فكل ذلك من مظاهر الشرك، وأيا كان القصد.
الجامع لهذه الأشياء بصورها المختلفة وأنواعها وأشكالها الجامع لها أنها
فيها تعلق بغير الله، تعلق بأشياء لا يقدر على دفعها إلا الله تبارك وتعالى، وذلك
لا شك أنه ينافي التوحيد بالكلية، أو ينافي كمال التوحيد الواجب، لأن الشافي
والكافي من كل شيء هو الله سبحانه وتعالى، وطلب الشفاء يكون من الله تبارك وتعالى
لا بهذه الخيوط وهذه الشعوذات وهذه الحلق ونحوها، فكل ذلك هضم لجناب التوحيد.
الغالب
من بعض جهال المسلمين يعتقد أن النافع والضار هو الله تبارك وتعالى، لكنه يظن
ويعتقد أن هذه الأشياء أسباب كالعلاج الحسي ترفع البلاء أو تدفعه، فحينئذ يكون قد
جعل الشيء سببا وهو ليس بسبب، فيكون ذلك من الشرك الأصغر.
1ـ لا يجعل الشيء سببا وهو ليس بسبب لا من
جهة الشرع ولا من جهة الحس الظاهر، فإذا جعل الشيء سببا وهو ليس بسبب بدليل شرعي
أو بدليل حسي واضح جلي وليس أوهام، فحينئذ يكون ذلك منهي عنه.
2ـ لا يعتقد العبد أن الأسباب هي مؤثرة
بذاتها، بل يعتمد على مسببها وهو الله تبارك وتعالى.
3ـ أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت
فإنها مرتبطة بقدر الله تبارك وتعالى، لا خروج عن قضاء الله وقدره، فالله تبارك
وتعالى يتصرف فيها كيف يشاء، فإن شاء أبقى سببيتها، وإن شاء غيرها كيفما شاء، لئلا
يعتمد العبد على الأسباب اعتمادا كليا.
هذه قاعدة عامة،
وعليه
فإن هذه الخروز والخيوط ونحوها ليست بسبب، بل الشرع عنها صراحة وكذلك من جهة الحس
ليست أسبابًا حقيقة، قد يتعلق الإنسان بأسباب وهمية.
الأدلة الدالة على أن الخيوط والحلق ونحوها مما يعلق على الأطفال
أو على السيارات، أو على البيوت أو الدواب لرفع البلاء أو دفعه، مما يدل على أنها
من الشرك.
الدليل الأول
ـ
يقول الله تبارك وتعالى في سورة الزمر في الآية الثامنة والثلاثون، يقول الله
تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، هذا فيه دليل على أن المشركين عبدة الأصنام يقرون بالربوبية،
فيقرون بربوبية الله تبارك وتعالى، وهذا الإقرار بالربوبية وحده لا يكفي، ولهذا
تفسير التوحيد بتوحيد الربوبية فقط، هذا من الجهل، كيف وهؤلاء المشركون يقرون بأن
الله تبارك وتعالى هو خالق السموات والأرض، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، إذن في العبادة، في ألوهية العبودية..﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ
كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، إذن هم يزعمون
أنها تدفع الضر، تدفع الشر، تدفع الفقر، تدفع البلاء، ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾، يعني هل يرفعن البلاء، أو يدفعنه، هل ينفعن أو يضرن، ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ
عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[الزمر: 38].
فهذه الآية ظاهرة الدلالة في أن التعلق بغير الله في جلب النفع
والضر أنه من الشرك.
يقول
الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ﴾ [الزمر: 38]، الدعاء هنا، يشمل نوعي الدعاء ،إما دعاء
المسألة والطلب، أو دعاء العبادة والثناء، وكل ذلك يفعله
المشركون عند أصنامهم، إما يقربون لهم القرابين، وهذا نوع من أنواع الدعاء، وهو
دعاء العبادة، أو يطلبون منهم المدد وكشف الكروب وهذا أيضًا نوع من أنواع الدعاء
وهو دعاء المسألة...وفي قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾
[الزمر: 38]، والكشف يشمل الدفع والرفع، دفع البلاء قبل الوقوع، أو يشمل رفعه بعد
الوقوع.
في الآية من الفوائد ... مشروعية
مناظرة المشركين لإبطال شركهم، لأن الله عز وجل قال لنبيه ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، ففيه مشروعية
مناظرة المشركين وهذا من الدعوة إلى التوحيد.
وجه الاستدلال بالآية:
ـ
أن لبس الخيوط والحلق ونحو ذلك لدفع البلاء أو رفعه كل ذلك من الشرك،ووجه
الاستدلال أنه إذا كانت هذه الأصنام لا تكشف الضر ولا تمنع الرحمة بطلب دعائهم
وعبادتهم من دون الله، فكيف بما هو دون ذلك، كيف بخيوط وحلق ونحو ذلك وهي ليست
أسباب، فيقاس على هذه الأصنام ما ليس بسبب شرعي أو حسي، فيعتبر كل ذلك من الشرك،
فالتعلق به إشراك بالله تبارك وتعالى.
قد يقول قائل ... الآية
جاءت في الشرك الأكبر، فكيف يستدل بها على الشرك الأصغر؟
الجواب ......
1ـ
أن إيراد الآيات التي في الشرك الأكبر من جهة
المعنى، فالمعنى الموجود عند هؤلاء الذين عبدوا الأصنام، هو موجود
في الخيوط وهو التعلق بغير الله، فنقول المعنى الذي قصده هؤلاء عباد الأصنام من
أصنامهم وهو جلب النفع
ودفع
الضر، هو موجود فيمن علقوا الخيوط والحلق ونحو ذلك.
فالسلف كانوا يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الشرك
الأصغر بجامع العلة بينهما، فالعلة واحدة.
2ـ أن هذه الآية وإن كانت في الشرك الأكبر،
لكن المعنى الذي دارت عليه وهو التعلق بما يضر وينفع، هذا موجود في الشرك الأصغر.
3ـ أن التمائم والخيوط قد تنتقل بحسب
الاعتقاد إلى الشرك الأكبر، فالاستدلال بالآية ظاهر بأن التعلق بغير الله كله من
الشرك.
الدليل الثاني
ـ
عن عمران بن الحصين رضي الله عنه، أو رضي الله عنهما، هو وأبوه صحابيان، عمران بن
حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، والصفر هوالنحاس،
وضعها على يده، وقيل إن الراوي أن هذا الرجل، رأى رجلا، الرجل مبهم، قيل إن الرجل
هو عمران رضي الله عنه، كما جاء في رواية الإمام أحمد، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: «ما هذه»،
هل هو استفهام استنكار أو استفهام استفسار؟
ـ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أنه استنكار،
ففهمها الرجل أنها استفهام، ويحتمل أنها استفهام، وعلى أي حال ففيه من الفوائد أنه
قبل إنكار المنكر لابد من معرفة الحال، وهذه من البصيرة.. فقبل إنكار المنكر
تستفصل عن الحال، وإن كان لبسها لاعتقاد أو لغير اعتقاد فهو ينكر، لكن الحكم
يختلف، فقال الرجل: من الواهنة، فقال عليه الصلاة والسلام: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك إن مت وهي عليك ما أفلحت
أبدا»، الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي..فقوله
عليه الصلاة والسلام «ما هذه» كما تقدم، يحتمل
أنه استفسر منه، ويحتمل أنه أنكر عليه، فظن الرجل أن يستفهم، فقال من الواهنة، والواهنة أي من الحمى نوع من أنواع المرض
يوهن الجسم، إما أنه لبسها خوفا منها، أو أنها لبسها لرفع هذا المرض الذي نزل به...ففيه
أيضًا إنكار المنكر، وفيه استفصال المفتي، وكذلك اعتبار المقاصد؛ لأن الحكم سيختلف مع بيان القصد، قد يكون الرجل وضعها للزينة، فينتقل الحكم إلى النهي عن
التشبه، وقد يكون الرجل وضعها للاعتقاد، فينتقل الحكم إلى الشرك.
ـ
قوله من الواهنة، أي بسببها، أي لبسها بسبب الواهنة، إما خوفا من المرض أن يصيبه،
أو بعض أن وقع المرض فيظن أن هذه الحلقة من الصفر أنها ترفع البلاء.
ـ
قوله: «انزعها» النزع يكون الجذب بقوة، هنا
النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليه باللسان، لأن الرجل استجاب، وإلا النبي صلى
الله عليه وسلم له السلطة، أن يزيل المنكر بيده، لكن إذا كان المنكر يزول باللسان
فإنه يحصل المقصود..قال: «فإنها لا تزيدك إلا وهنا»، كيف أن الواهنة لا تزيده إلا وهنا؟
الجواب...«لا تزيده
إلا وهنا».. فقضاء الله عز وجل وقدره سيقع حتما، فكونه اعتمد في رفع هذا
المرض وهذا الوهن لا يرفعه هذا اللبس
أنت
تقول إن الأمر بيد الله، لا أثر لها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزيدك إلا وهنا»، يعني أن من لبسها عومل بنقيض
قصده، فهو يطلب منها الشفاء فزادت المرض، لأن الوهن هو ضعف يكون في الجسم، فتعلقه
بها، تزيده مرضا، بماذا تزيده مرضا، لأنه تعلق بغير الله تبارك وتعالى، فزاده ذلك
ضعفا في إيمانه، وضعفا في يقينه، فزاد ذلك في مرضه وضعفه، وعوقب بنقيض قصده.
وجه الاستدلال بالحديث:
ـ
فيه دليل على منع لبس الحلق لدفع البلاء أو رفعه لأن ذلك من الشرك المنافي، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: «فإنك إن مت وهي
عليك ما أفلحت أبدا»، وهذا وعيد شديد بنفي الفلاح عنه.وإذا كان الصحابي لا
يعذر، فكيف بمن هو دونه، وفي هذا دليل على أن الإنسان لا يعذر بجهله، بل ينكر عليه
حتى لو كان جاهلا بالحكم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابي، والخطاب
هنا موجها لصحابي، يقول له: «فإنك إن مت وهي عليك»
وهو من الصحابة، «ما أفلحت أبدا»، فكيف بمن هو
دونهم، فيكون من باب أولى، ولهذا جاء في رواية الإمام أحمد أن الرجل المبهم في
الحديث هو راوي الحديث عمران، حيث قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي
عضدي من صفر، يعني أنه جهلا منه كما كانوا يفعلون في الجاهلية، يظن أنها من أسباب
العلاج.
فأنكر
النبي عليه الصلاة والسلام هذا الإنكار الشديد، وهو إنكار لكل من يلبس هذه الحلق
أو يتعلق بها.
الدليل الثالث
ـ عن عروة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا أي للنبي عليه الصلاة
والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «من تعلق تميمية فلا
أتم الله له»، لاحظ هنا عومل بنقيض قصده، كما تقدم، «ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له»، في رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، والحديث رواه الإمام أحمد
والحاكم.
ـ
قوله صلى الله عليه وسلم: «من تعلق» هذا يشمل التعلق المعنوي والتعلق الحسي
التعلق المعنوي: وهو تعلق القلب، لأن من الناس
من يقع في الشرك باعتقاده وإن لم يفعل...قد يقع الإنسان في الشرك بالاعتقاد، وإن
لم يفعل، كمن يعتقد أن المشركين على حق، وأن اليهود على حق، وأن من يذهبون للسحرة
على حق، هو لم يذهب، فيقع في الشرك .. يقع باعتقاده بالشرك وإن لم يفعل ذلك....فالشرك
يكون بالاعتقاد، الاعتقادات بالقلوب، فهو تعلق تعلقا بقلبه، فيشمل من تعلق التعلق
المعنوي بقلبه، أو التعلق الحسي: يعني علق هذه التمائم على صدره، أو على
أطفاله، أو على سيارته، أو في بيته، أو على دوابه، فيدخل كل ذلك في تعلق القلب
بغير الله تبارك وتعالى.
هذه
صورة لسيارة قد علق صاحبها هذه الخيوط والخرق بزعمه أن هذه هي التي وسائل
السلامة.انظروا الجهل، لا من جهة الحس، ولا من جهة الشرع، يعني هل هذه وسائل
السلامة عند العقلاء، ولا من جهة الشرع، هذا كله بسبب الجهل والتعلق بغير الله
تبارك وتعالى.
1ـ
يقال التمائم ليست خاصة بالأطفال، بل يدخل في ذلك التعليق على البيوت، على
السيارات، على الدواب، ونحو ذلك، فكل ذلك يدخل في التمائم...سواء علقها على الصدر،
أو علقها على الأيدي، أو كانت من جلود الذئاب مثلا، أو كانت عيون زرقاء، أو كانت
حبال، أو كانت جزمات ونعال بالية، كل ذلك تدخل في التمائم.
2ـ
بعض الناس قد يفعل هذه الأشياء ولا يستحضر هذا القصد، يعني تجد أحيانا من بعض
الشباب يعلق مثل هذه الخيوط على يده، لا يعرف ما السبب، تجد بعض النساء تذهب إلى
محلات الزينة والذهب تأخذ العين الزرقاء، على أنها للزينة فقط، وهي لا تعرف أن هذه
تميمة، وهكذا تجد بعض الناس، تدخل بيته وتجد جزمة وضعا تحفة، أين الجمال في
الجزمة، أحيانا تجدها جزمة كبيرة عند المدخل، وربما تدخل أحيانا في البيت تجد تحفة
من الجزمات، أين الجمال في الجزمة، أو ميدالية أحيانا، قد تكون الميدالية التي يضع
فيها المفاتيح تجدها جزمات، أو تلاحظون أحيانا السيارات يعلقها جزمات أو نحو ذلك،
كل ذلك يزعم أن هذه الجزمات تدفع الحوادث، فكل ذلك يدخل في التمائم.
إن
قال أنا لا أقصد شيئا منها، فنقول هذا يدخل في باب التشبه بالمشركين، والنبي عليه
الصلاة والسلام يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم»،
إذن تزال أيا كان القصد، يعني هذه الجزمات التي وضعتها في البيت تحف، تزال، لأنها
تشبه بالمشركين، وإن كان لا يقصد هذا، وربما أنه لم ينتبه لها، فينكر عليه وتزال
حماية لجناب التوحيد.
التمائم لا تخلوا من ثلاث أحكام على جهة التفصيل.
الحكم الأول: أن يعتقد أن هذه التمائم مؤثرة
بذاتها، تنفع وتضر، فهذا من الشرك الأكبر.
الحكم الثاني: أن يعتقد أنها أسباب يدفع الله
بها البلاء، فتكون من الشرك الأصغر.
الحكم الثالث: لا يعتقد فيها هذا الاعتقاد،
وإنما يفعلها تشبها، للزينة مثلا والجمال فتدخل في باب التشبه المنهي عنه.
تجد
بعض الناس أحيانا قد يعلق المصحف على أطفاله، قد يعلق المصحف في سيارته، قد يعلق
آيات في البيت، يقصد بها دفع الشرور، وربما قصد بها البركة؟
الجواب ......
1ـ
المتأمل للنصوص يجد العموم دون تفصيل،
كل النصوص التي جاءت في النهي عن التمائم ليس فيها استثناء لما كان من القرآن،
فعموم النصوص التي جاءت في النهي عن التمائم وكون التمائم من الشرك عامة، دون
تفصيل ...
2ـ
إذا قيل باستثناء التمائم إذا كانت من القرآن، التبس الأمر التميمة الشركية
بالتميمة إذا كانت من القرآن، بل إن كل من علق التمائم كما هو واقع، إذا أنكرت
عليه يدعي أنها من القرآن، وعندما تقوم بفحصها تجد الطلاسم وتجد الخرافات،
والاستعانة بالشياطين والاستعانة بالجن، وهو يزعم أنها من القرآن، فنقول سدا لهذه
الذريعة فإن التمائم تمنع حتى ولو كانت من القرآن.
3ـ
أن الجهال إذا علقوا التمائم من القرآن، فإن قلوبهم ستتعلق بغير القرآن، وقد
يستدرجهم الشيطان لما هو أعظم، فسدا للذريعة تمنع التميمة حتى ولو كانت من القرآن.
4ـ
أن التمائم إذا علقت من القرآن سيكون القرآن عرضة للامتهان، سيمتهنه الأطفال،
سيدخل به دورات المياه إلى غير ذلك، والقرآن ينزه عن هذا.
وهل
كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، هل كان الصحابة يفعلون ذلك، هل كان النبي
صلى الله عليه وسلم يعلق القرآن على الحسن والحسين؟ وهل فعله الصحابة؟
لم
يفعله أحدا منهم، فحينئذ نقول: بأن التمائم ينهى عنها حتى ولو كانت من القرآن،
لعدم وجود دليل يخصص التميمة إذا كانت من القرآن.
ـ
هذه بعض المفاسد المترتبة على التميمة حتى ولو كانت من القرآن، طبعا هذه صور
لتمائم من القرآن لاحظوا المصحف يوضع على شكل قلادة، على شكل تميمة، توضع أحيانا
في السيارات، لدرء الحوادث، توضع على الأطفال، ونقول القرآن ما أنزل لهذا، الشفاء
فيه يكون بتلاوته، يكون بالنفث به على المريض، وليس بهذه الطريقة الشركية التي لا
أصل لها في الشرع.
ـ
وضع الأدعية في السيارات أو في البيوت، إن وضعها لأجل الذكرى ولأجل أن يحفظها، فإن
هذا لا بأس به، وكذلك وضع المصحف في السيارة، لأجل أنه يراجع فيه، هل يدخل في
المحظور؟ لأنه وضع المصحف معه، أو تجد مصحف معه يحمله معه في جيبه، لغرض أنه يحفظ
ويراجع، ليس لغرض أنه يقيه الشرور أو يقيه العين والحسد، فإن هذا المقصد لا بأس
به، أما إن وضعها لأجل دفع الضرر ودفع الشرور، فإن ذلك يدخل في المنهي عنه.
ـ
قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث، حديث عروة قوله: «من
تعلق تميمة فلا أتم الله له» كما تقدم، دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم
بنقيض قصده، لأن من علق التمائم يعتقد أنها تمم الأمر، ولهذه سموا التميمة من جهة
اعتقاد أن فيها تميم للأمر، دفع الشرور، ورفع الشرور إن وقعت.ولهذا الناس خاصة
عندنا هنا يسمون العقيقة التميمة، يسمون العقائق للأطفال إذا ولدوا يسمونها تميمة
من أنهم يرجون فيها تمام الأمر، والعقيقة هي مشروعة، لكن التميمة هنا يزعمون أنها تتمم
الأمر، فيعتقدون فيها هذا الاعتقاد، ولهذا دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم
بقوله: «فلا أتم الله له»، يعني أنه دعا عليه
بنقيض قصده، وهذه قاعدة مهمة تفيد في الرد على كل من يتعلقون بالتمائم ونحوها
بزعمهم أنها تنفع أحيانا، وهذا لا شك أنه زعم من أوهام الشيطان، فيقال كل أمر نهى
الشرع عنه، فإنه لا ينفع أصلا وغالبا.
وإن
زعم من زعم أنه ينفع، لأن الشياطين قد تزين لبعض الناس، وتزين لهم ذلك، ونقول حتى
لو زينت لهم الشياطين أنها تنفع، فإن الشرع قد نهى عن ذلك وسلامة التوحيد أهم مطلب
يعنى به المسلم.
ـ
قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن تعلق ودعة» الودع هو نوع من الصدف، يضعونه على الصدوريزعمون
أن هذه الأصداف التي تؤخد من البحر أنها تمنع من الإصابة من العين والآفات، أو
ترفع الآفات إذا وقعت، لاحظ صدفة ما تأثيرها، ويزعمون أن هذه الأصداف، ويضعونها
أحيانا على شكل ميداليات، أو يعلقونها في الرقاب، يزعمون أنها تدفع الشرور، وقوله:
الودع، أخذت من الدعة وهي السكينة والطمأنينة، يعني يحصل بسببها السكينة
والطمأنينة، فدعى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بنقيض قصده، «فلا ودع الله له»، يعني لا جعله في دعة وسكون وراحة
وطمأنينة، بل ضد ذلك القلق والاضطراب، وذلك من تعلق بهذه الأشياء الوضيعة فالنتيجة
سيصاب بالأمراض والوهن والقلق...هنا دعاؤه عليه الصلاة والسلام دليل على أن هذه
الأمور من الشرك، لكن هذا الدعاء على سبيل العموم والوصف، وليس على سبيل العين،
بمعنى أنه لا يجوز لك إذا رأيت إنسان أن تدعو عليه بعينه، لكن تبين له، تقول إن
النبي صلى الله عليه وسلم قال في التميمة كذا، وقال في الودعة كذا، فهو دعاء من
باب الأوصاف، لا من باب الأعيان.
وجه الاستدلال بالحديث
فيه دلالة على تحريم تعليق التمائم والودع لأن
ذلك من الشرك، لما فيه من تعلق القلب بغير الله تعالى، ولما فيه من الاعتماد على
غير الله تبارك وتعالى فيكون ذلك من صور ومظاهر الشرك.
الدليل الرابع
ـ
روى ابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أنه رأى رجلا في يده خيط من
الحمى، يعني وضع هذا الخيط يزعم أنه ينفع في دفع الحمى أو رفعها، وهو المرض
المعروف، فقطعه حذيفة، وهذا بحسب الحال، أن الإنسان ينكر المنكر بيده إذا كان له
الصلاحية، فربما أن هذا الرجل لحذيفة رضي الله عنه عليه سلطة، فقطعه حذيفة ثم
استدل بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم
باللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
[يوسف: 106]، فقطع حذيفة له دليل على أن هذا من المنكر، وأن المنكر يجب إنكاره
وقطعه لمن له القدرة على ذلك، مع مراعاة مراتب الإنكار التي جاءت في الأحاديث
الأخرى...ثم استدل حذيفة بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم باللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾.
السلف
يستدلون بالآيات التي جاءت في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، لأن العلة واحدة،
العلة الجامعة بينهما واحدة...فهذا الأثر في دليل على أن هذا الصحابي الجليل جعل
لبس الخيط لدفع المرض شركا، يجب إنكاره، ففيه اعتبار لبس الخيط لدفع المرض أو رفعه
من الشرك الذي يجب إنكاره، كما فعل هذا الصحابي الجليل.
يستفاد من الأثر
ـ
إنكار لبس الخيوط لهذا الغرض ووجوب إنكار المنكر فيمن يقدر على إزالته بيده، وصحة
الاستدلال بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر لعموم العلة وأيضًا فيه
أن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، كما
قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم
باللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
[يوسف: 106].الإيمان هنا إيمان ربوبية، ويدخل
فيه أيضًا الشرك بجميع صوره الأخرى.
الدليل الخامس
ـ
عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في
بعض أسفاره، فأرسل رسولا أي النبي صلى الله عليه وسلم، «ألا
يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة»، يعني شك الراوي، والوتر معروف الذي كان يستعمل في الحرب،
كانوا إذا بلي يضعونه على رقاب الجمال لدفع الشرور، ودفع العين، «إلا قطعت» والحديث متفق عليه...فقوله فأرسل رسولا،
يؤخذ منه إرسال الرسل لإنكار المنكرات، بل توظيف من يقوم بإنكار المنكرات وخاصة
فيما يتعلق بجناب التوحيد، وفيه أيضًا تبليغ الناس ما يصون عقيدتهم، وأيضًا فيه
تعليم الناس خاصة فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد.
ـ
قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبقين في رقبة بعير»،
ذكر البعير هنا لأنه هو المشتهر، وإلا هذه القلائد عامة، سواء على الجمال أو على
الأطفال أو على السيارات، أو سائر الدواب، أو البيوت، وإنما ذكر ذلك لأنه مشتهر
عندهم، وأيضًا كلمة رقبة ليس الحكم خاص بالرقبة، بل في أي موضع من مواضع الجسد،
وكذلك في أي نوع كان فإنه يدخل في هذا المنهي.
الدليل السادس
ـ
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، رواه الإمام أحمد
وأبي داود، فهذا نص صريح في أن الرقى والتمائم والتولة من الشرك كما تقدم بحسب
الاعتقاد من أي أنواع الشرك.
ـ
الحديث له قصة، روى أبي داود عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن زوجها عبد الله
بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن
الرقى والتمائم والتولة شرك»، قالت زينب: قلت لم تقول هذا والله لقد كانت
عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني فإذا رقاني سكنت، لاحظ هنا، وهذا
أيضًا ما يدعيه بعض الناس، يقول كيف تنكرون وأنا أجد فيها شيئا من الفوائد، فامرأة
ابن مسعود تقول: كيف تقول وأنا كانت عيني تقذف أي الدمع فتذهب إلى راق يهودي
يرقيني ومعلوم أن اليهود إذا رقاها لن يرقيها بالقرآن، وبما هو جائز، بل سيرقيها
بما هو شرك...فقال عبد الله بن مسعود انظروا هذا الفهم وفيه رد على من يتعلق بهذه
الأشياء أو يزعم أن فيها نفع، قال ابن مسعود: إنما ذلك عمل الشيطان، هكذا الذين
يذهبون إلى السحرة والمشعوذين وإن وجودوا شيئا من المنافع، هذا من تلبيس إبليس،
ومن استدراجه...قال ابن مسعود: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها
أي اليهودي كف عنها....استدراج ، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: «اذهب البأس رب الناس، اشف أنت
الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما»...فبين لها البديل الذي
يتوافق مع التوحيد، ويبعدها عن الشرك.
ـ
قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى» الرقى جمع
رقية، وهي أدعية وألفاظ تقال أو تتلى ثم ينفث بها على المريض، منها ما يكون له أثر
عضوي، مثل مداواة السموم، ومنها ما يكون له أثر على الأرواح من تلبس الجان ونحو
ذلك...
هذه الرقى منها ما هو مشروع جائز، إذا كانت من القرآن أو من السنة
أو من الدعاء المباح، وفيها استعانة بالله، فإن هذا جائز وقد
رقى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رقي.
ومنها ما هو شرك ممنوع،
إذا كانت فيها استعانة بالشياطين، استعانة بغير الله،
تعلق بغير الله تبارك وتعالى فإنها تدخل في هذا النوع، وتلاحظون في الأسواق التي
يسميها بعض الناس بالعزائم، تجد فيها خطوط مربعات، وطلاسم وأسماء للجن، وأشياء غير
مفهومة.
الرقى لا تجوز إلا إذا كانت من القرآن أو من السنة ، فإن كانت غير
ذلك فإنها تكون من الشرك.
ـ
قوله: «والتولة» التولة فهو شيء يصنعونه يزعمون
أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته، وهو نوع من أنوا ع السحر. وطبعا من
يفعل هذا الساحر، هذه يسمونه العطف، وضده الصرف، أن يفرق بين المرء وزوجه، والعطف
يفعله الساحر بزعمه أنه يحبب المرأة إلى زوجها، أو الزوج إلى امرأته.
الجواب ....أن هذه دبلة الخطوبة التي انتشرت
بين الناس، فيها تفصيل.
أولا:
إن كانت هذه الدبلة من الذهب، فهي حرام بالنسبة للرجل، لأن الرجل يحرم عليه لبس
الذهب، فإن كانت هذه الدبلة دبلة الخطوبة من الذهب فهي حرام بالنسبة للرجل.
ثانيا: إن كانوا يعتقدون فيها النفع فهذا من
الشرك، يعتقد أنها تنفع تدفع الشرور ونحو ذلك، فهذا من الشرك.
وإن
لم يعتقد فيها ذلك، وإنما يفعلها هكذا من باب العادة، فنقول إن هذه العادة جاءت
للمسلمين من الكفار، وليست معروفة لدى المسلمين، فتدخل في باب التشبه المنهي عنه،
وغالب من يصنعونها يعتقدون فيها التحبيب بين المرأة وزوجها، يعتقدون فيها هذا
الاعتقاد، ولهذا تجد أنه عند الخلاف يقوم بنزعها، فإذا نزعها ورماها معناها أن
الخطوبة انتهت، فيعتقدون فيها هذا الاعتقاد، فتكون محذورة من هذا الوجه، وإن لم
يعتقد فيها أنها تنفع وتضر بذاتها.
ـطبعا
هذه صور لبعض التولة، تلاحظون طلاسم غير معروفة، كتابات، لكن تلاحظون فيها يجلب
فلانة بنت فلان ففيها استعانة بالجن، فتجد المرأة تذهب للكاهن أو الساحر لكي يتعلق
زوجها بها، فيعمل لها هذه التميمة وهذه التولة وكل ذلك من الشرك، وبعضها طلاسم غير
مفهومة، لأن فيها استعانة بالشياطين..فهذا وجه كون هذه التمائم والتولة من الشرك
لما فيها من الاستعانة بالشياطين، وهي حروف وطلاسم غير معروفة، وربما تكون أسماء
للجن.
الدليل السابع
ـ عن عبد الله بن عكيم مرفوعا أي للنبي صلى
الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «من تعلق شيئا
وكل إليه»، رواه الإمام أحمد والترمذي...وهذه
قاعدة عامة «من تعلق» يشمل
التعلق الحسي والمعنوي، تعلق القلب وتعلق الفعل، «من
تعلق شيئا» نكرة في سياق الشرط، فتفيد
العموم، فمن تعلق بالله وحده، وعلق رجاءه بالله فإنه ركن إلى
العظيم القادر على كل شيء، وكفاه الله من كل شيء، ﴿ومن
يتوكل على الله فهو حسبه﴾ []، أي كافيه، ومن تعلق بغير الله وكل إليه، فإذا
تعلق بهذه التمائم وهذا الودع وهذه الخروز، وهذه الأحذية، وهذه الخيوط وكل إليها،
وقد وكل إلى ضعف، فما ظنك بمن وكل إلى خرقة أو جزمة أو خرزة أو حذوة حصان أو غير
ذلك فقد خسر الخسران المبين، هذا من سفه العقول.
ـويعتبر
هذا الحديث، حديث عبد الله بن عكيم قاعدة عامة، «من
تعلق شيئا وكل إليه»، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم دعا «من تعلق بتميمة فلا أتم الله»، «ومن تعلق ودعة فلا
ودع الله له»، وقال للرجل الذي علق التميمة من الواهنة، «لا تزيدك إلا وهنا»، فمن تعلق شيئا وكل إليه.
خلاصة ما سبق
1ـ
أن تعليق الخيوط والحلق ونحوها لرفع البلاء أو دفعه، كل ذلك من الشرك بحسب
الاعتقاد، إما من الشرك الأكبر، أو من الشرك الأصغر.
2ـ
إن لم يقصد فيها أي اعتقاد، فإنها تدخل في باب التشبه المنهي عنه، فينهى عنه لهذا
الغرض.
3ـ
أن الصحابة رضي الله عنهم .... كالتي في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر بجامع
العلة بينهما، لأن العلة الموجودة الشرك الأكبر هي موجودة في الشرك الأصغر وهو
التعلق بغير الله تبارك وتعالى.
4ـ
أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، لما جاء في هذه النصوص، فإنك إن مت وهي عليك ما
أفلحت..تحت المشيئة.
أن من تعلق بهذه الأشياء ومات وهي عليه ما أفلح
أبدا، لأنه شرط النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الوعيد بقوله: «فإنك إن مت» فإذن هذا الوعيد فيمن مات على الشرك
عياذا بالله، أما من تاب تاب الله عليه..فمن وفقه الله للتوبة، وتخلص من هذه
الشركيات، فقد أنعم الله عليه، ومن تاب تاب الله عليه.
5ـ
كل أصناف الشرك الأصغر قد تكون من الأكبر بحسب اعتقاد فاعلها
6ـ
من أثبت سببا لم يجعله الله سببا لا شرعا ولا قدرا ولا حسا فهو مشرك الشرك الأصغر،
وهذه قاعدة.
7ـ
أن الرقى منها ما هو جائز مشروع إذا كانت من القرآن أو من السنة أو من الدعاء
المباح، مع تعلق القلب بالله، ومنها ما هو ممنوع إذا كان استعانة بالشياطين أو
الجن وتعلق بغير الله تبارك وتعالى.
8ـ
التمائم كلها من الشرك، حتى ولو كانت من القرآن للأسباب التي ذكرناها سابقا، وكل
ما نهى الشرع عنه فإنه لا ينفع، ولو زعم من زعم وتوهم من توهم، زينت له الشياطين
أن فيها نفع، فما دام الشرع قد نهى عنه، فإنه لا ينفع الإنسان بل يضر
9ـ
أن التعلق بغير الله تبارك وتعالى ينافي التوحيد بالكلية، أو ينافي كمال التوحيد،
أما من تعلق بالله أو أخذ بالأسباب التي شرعها الله عز وجل، فإن هذا جائز ومشروع،
ولهذا التعلق بغير الله إما أن يكون شركًا أكبر، أو يكون شركًا أصغر، أو يكون جائزًا إذا تعلق
بالأسباب التي شرعها الله مع اعتقاد أنها أسباب لا تنفع بذاتها، بل إن شاء الله
نفعت، وإن شاء لم تنفع، فإن ذلك التعلق وهو تعلق بالأسباب على هذا الوجه، مع
اعتقاد أن المسبب هو الله تبارك وتعالى، هو جائز، وهو من باب الأخذ بالأسباب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق