الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره الرابعه عشر )


تلخيص الدرس الرابع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
       تابع مظاهر الشرك
المظهر الثالث ..... الذبح لغير الله.
الشواهد التى تدل على أن  صرف الذبح لغير الله شرك
(1)ـ  قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163]
(2)ـ قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الكوثر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
وجه الاستدلال في الآيتين
ـ أن الذبح لغير الله شرك ...كيف دلت الآيتان على أن الذبح لغير الله شرك؟
الجواب........دلت الآية في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ النسك هو الذبح، فيجب أن يكون الذبح لله -عز وجل-، فيكون الذبح لغير الله شركًا، لأن الله -عز وجل- قد أمر به، وقلنا بأن الله -تبارك وتعالى- إذا أمر بالشيء أو بيَّن فضله، أو مدح القائمين به، دل على أنه عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك، هذه القاعدة ينبغي استحضارها.
ـ الآيتان دلت على أن الذبح لابد أن يكون لله -تبارك وتعالى-، حيث مدح الله -عز وجل- من تقرب إليه بالنسك، وأمر بالذبح له، فإذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك، بل هو من الشرك الأكبر؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قرنه بالصلاة، فكما أن من صلى لغير الله فقد أشرك، فكذلك من ذبح لغير الله فقد أشرك بالله الشرك الأكبر.
(3)ـ جاء في صحيح مسلم، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، قال: "حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله»، وهذا يدل على الوعيد الشديد لمن ذبح لغير الله.«لعن الله لمن آوى محدثاً»، وهذا المحدث سواءً أحدث في الدين، يعني ابتدع، فيتستر عليه، ويحميه من إقامة الحدود عليه، أو من الإنكار عليه، فيتستر عليه لأجل أن ينشر بدعته، أو كان هذا المحدث ارتكب حداً من الحدود، فتستر عليه؛ لأجل ألا يُقام عليه الحد، فيدخل في هذا الوعيد الشديد.«ولعن الله من لعن والديه»، هل يُعقل أن الرجل يلعن والديه؟ وقد استغرب الصحابة من ذلك، فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك يكون بالتسبب، يسب الرجل فيسب أباه وأمه، فيكون قد تسبب في لعن والديه عياذاً بالله. «لعن الله من غيَّر منار الأرض»
 والمراد بالمنار: العلامات التي يُهتدى بها في الطرقات، وكانوا في القديم يضعون علامات يهتدي بها المارة، وتهتدي بها القوافل حتى لا تتيه فتهلك في الصحراء، فيأتي من يغيرها فيضل السالك لهذه الطرق، وقلنا بأن اللوحات الإرشادية في عصرنا التي تبين اتجاهات المدن، والمسافات بين المدن، يأتي من يغيرها، أو يغير الاتجاه، يغير المسافات، فيدخل في هذا الوعيد؛ لأنه يضر بالمسافرين والمارة، وقد يوقعهم في المشقة نتيجة العبث بهذه المنارات التي تدل الناس وترشد الناس إلى مسالكهم وطرقهم. وكذلك يدخل فيها من يغير المنارات التي تفصل بين الحدود، فيقدم ويؤخر، فتختلط الحدود، وتحصل المنازعات، فمن فعل ذلك فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب.
الشاهد في الحديث: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله من ذبح لغير الله»، فدل على أن الذبح يجب صرفه لله، فمن صرفه لغير الله -تبارك وتعالى- فقد أشرك بالله -تبارك وتعالى.والذبح لغير الله يشمل جميع صور الذبح، سواءً ذبح للأنبياء، أو ذبح للملائكة، أو ذبح للأولياء، أو ذبح للجن، أو ذبح بناءً على طلب السحرة والكهنة والمشعوذين، أو ذبح للأصنام، إلى غير ذلك، ويشمل كذلك سواءً كان هذا المذبوح كان عظيماً كقَرَّب الإبل، قرَّب الغنم، أو كان حقيراً، حتى لو قرَّب ذبابًا أو نحو ذلك، فإنه يدخل في هذا الوعيد الشديد.
الذبح من جهة العموم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يذبح لغير الله تقربًا وتعظيمًا، يذبح لعظيم تقربًا إليه، يذبح لقبر إلى غير ذلك، يذبح لولي، فإن هذا من الشرك الأكبر.
القسم الثاني: أن يذبح لغير الله فرحًا بقدومه، كقدوم رئيس، أو وزير، أو سلطان، يقدم إلى بلد، فيأتي بالقرابين والخراف، فيذبحونها عند قدومه، وهذا قد يوجد في بعض البلدان، يفعلون هذا لأجل تعظيم هذا الرجل، فنقول: إن ذُبحت هذه الذبائح والقرابين لأجل التعظيم له، بحيث يُسكب الدم، ثم يمر ويعبر، ولا يأكل منها شيئًا، فيكون هذا من الذبح لغير الله، فيدخل في باب الشرك، لكن لو ذُبحت لأجل الإطعام، فإن هذا لا بأس به، ولهذا تجد من الناس في الضيافة يقول: أتاني فلان فذبحت له، أو تذبح له، هو لا يقصد هنا الذبح له تعظيمًا له بسفك الدم، وإنما يقصد بالذبح هنا من باب الإكرام والضيافة، والفرق بينهما: أن من ذبح إكرامًا وضيافة، هو لا يأتي بالذبائح أمامه لأجل أن يشاهد الدم وهو يُسفك، وإنما يذبحها لأجل الإطعام، وإطعام المرافقين ونحو ذلك، بخلاف من يذبحها تعظيمًا له، فإنه يُسفك الدم أمامه، ثم تجد أنه يسافر، ولا يأكل من هذه الأطعمة، وإنما شاهد سفك الدم، فإنه يدخل في هذا الوعيد الشديد، أي في باب الشرك.
ولها صور كثيرة تدخل في هذا الباب، لكن الفرق بينها من جهة المقصد.
ـ يدخل في القسم الأول وهو الذبح لغير الله، سواءً ذكر عليه اسم الله، أو لم يذكر عليه اسم الله، لو قال: أنا ذكرت على الذبيحة اسم الله، كما لو طلب الساحر والكاهن من المريض أن يذبح ذبيحة بمواصفات معينة، وهذا يحصل، تجد أن الساحر أو الكاهن أو المشعوذ، يطلب من المريض أن يذبح ديكًا، أو يذبح خروفًا بلون معين، وفي مكان محدد، فيأتي هو فيذكر اسم الله ويذبح هذا الطير، فنقول: هذا الذبح لغير الله، حتى ولو ذكر عليه اسم الله، فيكون قد أهلَّ به لغير الله -تبارك وتعالى-، حتى ولو ذكر عليه اسم الله، أو ذكر عليه اسم الله واسم غيره.
ـ بعض السحرة يأمره ألا يتجه به إلى القبلة، وألا يذكر عليه اسم الله، فيكون هذا الذبح أيضًا من صور الشرك، يفعله بعض الناس أحيانًا إذا نزل منزلاً، يأتي بالخراف، فيذبحها على عتبة الباب؛ حتى يسيل الدم، وكان أهل الجاهلية يفعلون هذا تقربًا للجن، حتى لا تؤذيهم، فنقول: هذا من أفعال أهل الجاهلية، لكن لو ذبح لأجل إكرام الضيوف، واستقبال الضيوف، فإنه لا يدخل في هذا المحذور، وإنما المحذور أن تؤتى بالذبائح فتُذبح على عتبة المنزل، أو تُذبح أحيانًا عند ما يصل البناء إلى مستوى معين، يأتي بالخراف، ثم ينثر الدم، فإن هذا من أفعال أهل الجاهلية، يذبحونه للجن بناءً على طلب الكهَّان، السحرة، والمشعوذين.
الأقسام الشركية في باب الذبح أربعة أقسام:ـ
القسم الأول: أن يذبحها لغير الله، ويذكر عليها اسم غير الله، كاسم الولي، أو اسم الساحر والكاهن ونحو ذلك، فهذا لا شك بأنه من الشرك الأكبر أيًّا كانت هذه الذبيحة، ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم غير الله.
القسم الثاني: ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم الله، ذبح هذا الطير، أو هذا الخروف بناءً على طلب الساحر والكاهن في مكان محدد، وقال: بسم الله، حتى ولو وجهها للقبلة، ثم ذهب وتركها، فيكون هذا أيضًا من الشرك.
القسم الثالث: ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم الله، واسم غيره، لو ذبحها بناءً على طلب الساحر والكاهن والمشعوذ، ثم ذكر اسم الله، واسم الولي، أو اسم الجني، أو اسم الساحر والكاهن، فيكون أيضًا من الذبح الشركي.
القسم الرابع: ذبحها لله، وذكر عليها اسم غير الله، قد يُقال بأن هذا لا يقع، لكن هو من باب التقسيم، لو ذبح ذبيحته لله، لكن ذكر عليها اسم غير الله، فيكون قد أهلَّ بها لغير الله، حتى ولو كانت لله -تبارك وتعالى-؛ لأن الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173]، وقال: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] فإنه يدخل في ذلك القصد، ويدخل في ذلك التسمية.
وعليه فينبغي في باب الذبح أن تتنبه إلى أمرين مهمين، يدور عليهما الحكم:
الأمر الأول: القصد بهذه الذبيحة، هل هي لله؟ أم لغيره؟
الأمر الثاني: التسمية، فالقصد بأن يذبح متقربًا، لمن يريد أن يتقرب إليه، يعني يُنظر في القصد من هذه الذبيحة التي ذبحها على عتبة الباب، ذبحها في الوادي، ذبحها بناءً على طلب الساحر، بناءً على طلب الكاهن، بناءً على طلب المشعوذ، ذبحها عند قبر الولي، فيُنظر في القصد من هذه الذبيحة، حتى لو ذكر عليها اسم الله.
الثاني: أن يُنظر في التسمية، بغض النظر عن القصد، هل ذكر اسم الله، واسم غيره، أو ذكر اسم الله، أو ذكر اسم غير الله على هذه الذبيحة.
فعليه: فإن الذبح بهذين الاعتبارين، باعتبار القصد والتسمية، ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: أن يذبح باسم الله لله، وهذا هو المشروع الذي هو من حقيقة التَّوحيد، كما مر معنا في الآيات السابقة ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
     سؤال: متى يتقرب العبد بذات الذبح؟ متى يكون ذات الذبح قربة وطاعة؟
الجواب..... إذا كان مأمور، إذا أمره الله -عز وجل- أو ورد الأمر بها في نص مثل العقيقة.فهو يتقرب بذات الذبح،لا بذات اللحم.
 ثانيا: الأضحية، فهو يتقرب بذات الذبح لله، ومثل: الفدية في باب الحج، ومثل الهدي، هدي التمتع والقران.
فالمسلم يتقرب إلى الله -تبارك وتعالى- بسفك الدم قربة لله، وما عدا ذلك، فإنه لا يتقرب بذات الذبح، يعني في إكرام الضيف، هل أنت تتقرب بذات الذبح؟ لا يتقرب بذات الذبح، وإنما هو يتقرب إلى الله بإكرام الضيف، بأي صورة كان هذا الإكرام، ولا يتقرب إليه بذات الذبح إلا في هذه الصور، وما عداه، فإنه لا يتقرب بذات الذبح لله -تبارك وتعالى.
القسم الثاني: أن يذبح باسم الله، لكن لغير الله، يذكر اسم الله على هذه الذبيحة التي القصد منها لغير الله، كاتقاء شر الجن، بناءً على طلب الساحر والكاهن، فهذا شرك في العبادة، ومن هذا القسم: أن يذبح أيضًا باسم الله وباسم غيره لغير الله، فإنه يلحق بهذا القسم.
القسم الثالث: يذبح باسم الله، لكن لغير الله، وهذا شرك في الاستعانة، وشرك في العبادة، يعني يكون أشد من الأول، الأول ذبح لغير الله باسم الله، وهذا القسم: ذبح لغير الله، وذكر عليها اسم غير الله، كأن يقول الساحر والكاهن: اذبح الذبيحة في المكان الفلاني، ولا توجهها للقبلة، ولا تسمِّ، فيكون اشترك فيه شرك العبادة، وشرك الاستعانة.
القسم الرابع: أن يذبح بغير اسم الله، ويجعل الذبيحة لله، وهذا شرك في الربوبية، ومن هذا القسم: أن يذبح باسم الله، وباسم غير الله -تبارك وتعالى-، ويجعل الذبيحة لله، فإنه يدخل في هذا النوع، ويدخل في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].
ويدخل في الشياطين: شياطين الإنس من السحرة، والكهنة، والمشعوذين، ومن الخرافيين، من أرباب الصوفية، ومن غيرهم، ممن يدعون أولياءهم إلى الشرك بالله -تبارك وتعالى.
(4)ـ ما رواه الإمام أحمد في مسنده، عن طارق بن شهاب -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «دخل الجنة رجل في ذباب» أي بسبب ذباب، «ودخل النار رجل في ذباب»، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ يعني هذا في الأمم الذين قبلها...قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرِّب له شيئًا»، يعني أحيانًا الإنسان يُبتلى بمعبودات أهل الأوثان، فتجد أحيانًا من بعض المسلمين للأسف يجاملهم، بل بعضهم أحيانًا يقوم بزيارة إلى بعض هذه مثل هذه الأماكن التي أصلاً لا يجوز أن تُزار، فيجد الناس يطوفون بالصنم، فيطوف معهم، تجد أنهم يتضرعون يتضرع، يركعون ويركع، يفعل هذا عن جهل، أو يفعل ذلك عن مداهنة، وللأسف هذا قد يقع من بعض المسلمين إذا ذهب إلى أماكن الأوثان ومعبوات المشركين، قد يفعل ذلك مجاملة لهم.فمر هذان الرجلان على قوم لهم صنم، لا يجوز أحدٌ حتى يقرِّب له شيئًا، فقال أحدهما: قرِّب، قال: ليس عندي شيء أقربه، يعني أبى أن يخضع لهم ولأوثانهم، قالوا له: قرِّب ولو ذبابًا، فقرَّب ذبابًا، يعني احتقر الذباب، أصلاً الذباب حقير، فهنا وقع في الشرك حتى ولو كان المذبوح حقيراً؛ لأن العبرة بالمقصود، العبرة بعمل القلب، لا بكثرة الأعمال الظاهرة، فخلوا سبيله، يعني أنه استجاب لهم، وداراهم، وداهنهم، فقرَّب لصنمهم ذبابًا، فدخل النار بسبب الشرك، مع أن الإنسان لا يُعذر، ربما هذا كان في مَن سبق، أنه لا يُعذر بالجهل، ولا يُعذر بالإكراه، لكن في شريعتنا لو أكره الإنسان ويخاف، فإنه يُعذر، كما قال الله -تبارك وتعالى- لعمَّار: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]...فقالوا للآخر: قرِّب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله، يعني أبى، فضربوا عنقه، فدخل الجنة.....
الشاهد           أن هذا الرجل من بني إسرائيل قرَّب شيئًا حقيراً للصنم، فدخل بسببه النار، فدل على أن الذبح لغير الله حتى ولو كان هذا المذبوح أمر حقير، فإنه لا يجوز، بل هو من الشرك والكفر.
هنا سؤال: ما الفرق بين الذبح لغير الله، وبين الذبح لله، في مكان يُذبح فيه لغير الله؟
يعني هذا ذبح لصاحب القبر، والآخر جاء بأضحيته، فذبحها لله في مكان يُذبح فيه لغير الله.
الجواب...... الذبح لغير الله من الشرك الأكبر.... والذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله من الشرك الأصغر.
لماذا من الشرك الأصغر؟ ولم يكن من الأكبر؟
الجواب...... باعتبار قصده...فالأول: قصد، والثاني:هو لم يقصد الذبح للأصنام، ولا لغير الله، لكن ذبحه لله في مكان يُذبح فيه لغير الله أصبح وسيلة للشرك، ومرَّ معنا أن الوسائل -وسائل الشرك- تكون من الشرك الأصغر، فجاءت النصوص بحماية حمى التَّوحيد، وجناب التَّوحيد، وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك.
فالذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله هو وسيلة إلى الشرك، شاهده: ما جاء عن ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- قال: "نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوان" بمكان، نذر أن يذبح في هذا المكان، "فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال -عليه الصلاة والسلام-: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» لماذا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا السؤال؟ حتى لا يذبح هذا الرجل لله في مكان يُذبح فيه لغير الله، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟»، قال الرجل: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟»، وهذا فيه استفتاء المفتي من المستفتي قبل الجواب والتثبت، فقال الرجل: لا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أوفِ بنذرك»، بمعنى: أنه يجوز للإنسان أن يوفي بنذره إذا انتفى المحذور.«فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا في ما لا يملك ابن آدم»، وقوله:  لا وفاء لنذر في معصية الله» هذا سيأتي -إن شاء الله- في الباب الذي يليه، في باب النذر لغير الله.
الشاهد           أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استفسر من الرجل حتى لا يذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله؛ لأن هذا من وسائل الشرك.
المظهرالرابع...... النذر لغير الله.
يقال فيه ما يقال في الذبح سواءً بسواء، يقال في النذر لغير الله، ما يقال في الذبح لغير الله سواءً بسواء.
يدل على أن النذر لغير الله من الشرك قول الله -تبارك وتعالى- في وصف المؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان : 7] وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270].
وجه الدلالة في الآية....... أن الله -عز وجل- أخبر وأثبت في هذه الآيات أن النذر عبادة. فإذا ثبت أنه عبادة فصرفها لغير الله شرك.
كما ذكرنا في القاعدة السابقة، إذا أمر الله بالشيء، بيَّن ثوابه، مدح العاملين به، كما مدح هنا الذين يوفون بالنذر، فدل على أنه عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك، وقد أجمع المسلمون على ذلك، كما ذكر ذلك البغوي في شرح السنة، على أن من نذر لغير الله، كمن صلى لغير الله قد أشرك بالله الشرك الأكبر.
مثاله: مثال النذر، قد يقول الإنسان كيف ينذر الإنسان لغير الله؟ نقول: مثاله كأن يقول لفلان: عليَّ نذر، أو لصاحب القبر عليَّ نذر، أو للشيخ الفلاني، للولي الفلاني، وما أشبه ذلك، سواءً كان هذا نذرًا عاماً مطلقاً، يعني بدون مقابل، كأن ينذر أن يقرِّب قرباناً لصاحب القبر للولي بدون مقابل، أو كان معلق، يعني مقابل، إن شُفِيَ مريضي قرَّبت للولي، قرَّبت لصاحب القبر، فعلق النذر بالشفاء، إن مثلاً عالج هذا الساحر المريض فاستخرج السحر منه فعلت كذا وكذا، فقد نذر لغير الله، فيدخل في الشرك، من أي أنواع الشرك؟ من الشرك الأكبر كما قلنا في الذبح لغير الله -تبارك وتعالى.
النذر ما هو؟
هو أن الإنسان يوجب على نفسه عبادة لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع، يلزم نفسه بعبادة لم تكن واجبة عليه، ولهذا جاءت النصوص بالنهي عن الدخول في النذر، وأنه لا يغير من قدر الله شيء، وإنما يستخرج الله به من مال البخيل، الإنسان يعبد الله ابتداءً لا على سبيل المقاضاة، ولا يكلف نفسه ما يستطيع، ولهذا من الناس أحيانًا يكلف نفسه بالنذر، ثم يعجز عن الوفاء، فعليه أن يعبد الله ابتداءً لا على سبيل المقاضاة والمجازاة، إن شفيت مريضي، إن وفقتني، إن فعلت كذا، تعبد لك كذا، فإن هذا مكروه، بل أنه يسأل الله التوفيق، ويسأل الله الإعانة، ويأخذ بالأسباب المشروعة، وما كتبه الله سيكون بحكمته - تبارك وتعالى-، ولهذا: الدخول فيه مكروه، والوفاء به واجب إذا كان نذر طاعة، ويُباح إذا كان مباح، ويحرم إذا كان معصية، ويكون شرك إذا نذر لغير الله.
      سؤال... ما الفرق بين نذر المعصية؟ وبين النذر لغير الله؟
الجواب.... النذر لغير الله شرك، ينذر للولي، لصاحب القبر، للكاهن، للساحر. أما نذر المعصية فهو كبيرة من الكبائر..مثاله واحد ينذر أن يفعل معصية، ينذر مثلاً لله أن يشرب الخمر، أو يشرب التدخين، أو أن لا يسلم على والده، أو لا يزور أمه، أو لا يزور قريبه،هذه معصية، مثله الحلف بالله على شيء مُحَرَّم، كذب، والحلف بغير الله شرك، يحلف بالنبي، يحلف بالولي، الحلف بالله على شيء مُحَرَّم مثل نذر المعصية، والحلف بغير الله مثل النذر بغير الله. وممكن من خلال هذا الجدول يتضح الفرق بينهما.





جدول يوضح الفرق بين النذر لغير الله وبين نذر المعصية


النذرلغيرالله

النذر لمعصية

ليس لله أصلاً، هو ينذر لمخلوق كالنذر لصاحب قبر



ينذر لله، ولكن على معصية من معاصيه، ينذر لا يزور أقاربه، لا يصل رحمه، لا يدخل بيت أبيه، لا يدخل بيت أمه

شرك


كبيرة من كبائر الذنوب

هذا النذر لا ينعقد، لو نذر أن يذبح لصاحب القبر، نذر إن شُفِيَ مريضه أن يذبح للساحر والكاهن، وصاحب القبر، فلا ينعقد، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه، كما يقال في الحلف بغير الله، ليس عليه كفارة، وإنما عليه التوبة والاستغفار



 من أهل العلم من قال بأنه لا ينعقد أصلاً، وعليه فإنه لا كفارة فيه... بل عليه التوبة والاستغفار.
ومن أهل العلم من قال بأنه ينعقد ويحرم الوفاء به، وتجب عليه الكفارة، يعني نذر ألا يزور قريبه، نقول: بأن الوفاء بهذا النذر حرام، يجب أن تزورهم، وعليك أن تكفِّر كفارة يمين.
ـ يدل عليه ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»،
وجه الاستدلال ...دل على أن النذر يكون طاعة، ويكون معصية، إذا ثبت أنه طاعة فصرفه لغير الله شرك، «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، إذا هو طاعة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالوفاء به، فإذا ثبت أنه طاعة فصرفه لغير الله شرك كما تقدم في القاعدة.
المظهرالخامس .... الاستعاذة بغير الله.
ـ يدل على أن الاستعاذة بغير الله شرك، قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الجن عن مسلم ومؤمن  الجن، أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]، الواو هنا "وأنه" عطف على قول مؤمن الجن في أول السورة، قال -عز وجل-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1] ، الجن تعجبت من عظمة هذا القرآن. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: 2] لاحظ كلمة "أحداً" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فمؤمن الجن آمنوا بالله -عز وجل- وبينوا أنهم لن يشركوا بربهم أحد.﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً ولَا وَلَدًا﴾ [الجن: 3]، ثم بينوا حال بعض الجن، قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: 4] إذن هؤلاء سفهاء الجن، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الجن: 5] يعني استعظموا أن تقول الإنس والجن كذبًا على الله، ثم الشاهد: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: 6، 7]، فالشاهد قوله: "يعوذون" الاستعاذة بغير الله شرك؛ لأن مؤمني الجن قالوا: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: 2]، ثم ذكروا على وجه الاستنكار أشياء تجري من الإنس في الجاهلية، من جملة هذه الأشياء التي تعجبوا منها ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ كانوا يستيعذون إذا نزلوا منزلاً بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، وربما قربوا القرابين، ربما إذا نزلوا منزلاً ذبحوا للجن، فدلت الآية على ذم أولئك، وإنما ذموا لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله -تبارك وتعالى-، فكانت الاستعاذة بغير الله شرك على لسان الجن، وذكر الله ذلك في كتابه.....
﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ هل الإنس زادوا الجن رهقًا وطغيانًا أو العكس؟ أم الجن زادوا الإنس رهقاً وطغياناً؟
الجواب...الآية تحتمل هذا وهذا، أن الإنس زادوا الإنس خوفًا وقلقًا، يعني عوملوا بنقيض القصد، كما مر معنا في التمائم، فيعامل الإنسان بنقيض قصده، فزادوهم خوفًا واضطرابًا في القلب، أوجبوا لهم الإرهاق والرهق في الأبدان والأرواح، وهذه معاملة لهم بنقيض قصدهم، وعقوبة لهم، وهذا الجن تستضعفه وتتسلط عليه، فإذا استجاب لهم، وبدأ يقرِّب للسحرة والكهنة، ويقرِّب للجن، هل يزيدونه ضعفاً وخوفًا؟ والجواب: نعم، إن لم يوقعوه في الشرك.
من فوائد الآية
 أن الاستعاذة بغير الله تورث الخوف والضعف والوجل والرهق، ويُفهم من الآية: أن الاستعاذة بالله تورث قوة وأمنًا.ولهذا: من تعلَّق بشيء وُكِلَ إليه كما هي القاعدة، فمن تعلَّق بالله وُكِلَ إلى القوي القادر.
    تنبيه مهم:
1ـ الذبح لغير الله شرك، ويدخل في الشرك العملي.
2ـ النذر لغير الله شرك، ويدخل في الشرك القولي.
 3ـ الاستعاذة بغير الله فهي شرك اعتقادي، وقولي
وهكذا نواقض الإيمان، ونواقض التَّوحيد منها الاعتقادي، ومنها القولي، ومنها العملي، ومنها الشرك.
ـ عن خولة بنت حكيم -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» رواه مسلم.
الحديث فيه من الفوائد
1ـ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرشد إلى الاستعاذة النافعة المشروعة، استعاذة بأسماء الله -تبارك وتعالى- وآياته، بدلاً من الاستعاذة الشركية التي كان يفعلها المشركون في الجاهلية إذا نزلوا منزلاً، نزلوا بيتاً، فقربوا القرابين لرؤساء الجن، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالهدي، وجاء بالخير، واستبدلهم بالاستعاذة بالله -تبارك وتعالى-، والاستعاذة بكلمات الله -تبارك وتعالى-، وهذا يدل على أن كلمة الله ومنها القرآن، أنها من صفاته، ليست مخلوقة، فأرشدهم إلى الاستعاذة بكلمات الله التامة من شر كل ذي شر، ففيه البديل عن الاستعاذة الشركية بغير الله -تبارك وتعالى.
2ـ أن هذا الدعاء مع اختصاره من أنفع الأدعية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لم يضره شيء حتى يرتحل»، فحري بالمسلم إذا كان مثلاً في سفر فنزل مكان إذا كان في نزهة، فنزل مكان، إذا نزل بيتاً، فيعتصم بكلمات الله التامة، من شر كل مخلوق فيه شر «لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك»، فحري بالمسلم أن يُعنى بذلك، تجد من الناس يكون في غفلة، ينزل في أي مكان، وتجده نتيجة غفلته لا يستعيذ ولا يعوذ أبناءه، فربما يؤذى من شياطين الإنس والجن فيكون ذلك بسبب إهماله وتفريطه، فحري بالمسلم أن يتحصن بذكر الله، وكذلك يحصن أبناءه وأهله بذكر الله، فذكر الله حصن حصين.
قد استدل أهل العلم بهذا الحديث على أن القرآن ليس بمخلوق؛ لأنه تجوز الاستعاذة به، ومعلوم أن الاستعاذة بمخلوق شرك، الاستعاذة بالمخلوق شرك، فدل على أن القرآن ليس بمخلوق؛ لأنه يجوز للمسلم أن يستعيذ به كما قاله أئمة أهل السنة كالإمام أحمد وغيره، فلو كانت كلمات الله مخلوقة ما جاز الاستعاذة بها على لسان الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فوجه الدلالة في الحديث هو إجماع أهل السنة على أن الاستعاذة بالمخلوق شرك، بدليل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الاستعاذة بكلمات الله التامة، دل على أنها ليست بمخلوق.
الاستعاذة .....هي طلب الالتجاء، طلب الاعتصام، طلب التحرز إلى من يعصمك من شر كل ذي شر.
حقيقتها .....الهرب من شيء تخافه، إلى من يعصمك منه.
هذه الاستعاذة، هي مأخوذة من استعاذ يعني مادة استفعل، ومادة استفعل، تعني الطلب غالباً، ولهذا يُقال: استعاذ، استغاث، استجار، استنصر، إلى غير ذلك من هذه المادة التي تعني الطلب.
الاستعاذة لها ثلاثة أركان
الأول: المستعيذ، وهو العبد.
الثاني: المستعاذ به، وهو اللفظ الذي يستعيذ به، كاستعاذتك بكلمات الله التامات، وهو الله -تبارك وتعالى.
الثالث: المستعاذ منه، وهو من شر كل ذي شر.
لماذا كانت الاستعاذة بغير الله شرك؟
لأن الله -عز وجل- قد أمر بالاستعاذة به، فإذا أمر دل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، كما قال -تبارك وتعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: 200] فأمر الله بها، فدل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36]، فأمر الله بها، فإذا أمر الله بها دل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، هذا من وجه.
من وجه آخر: أن الاستعاذة هي تعلق القلب، فإذا علَّق قلبه بغير الله -تبارك وتعالى- فقد أشرك بالله -تبارك وتعالى- بغير الله، إذا قال: الاستعاذة بغير الله يقصدون بالغير العموم، أيًّا كان هذا الغير، سواءً كان من الجن، أو كان من الملائكة، أو كان من الأولياء، أو كان أشجار، وأحجار، سحرة كهنة، فتشمل جميع المستعاذ به، من غير الله -تبارك وتعالى.
من أي الأنواع الاستعاذة؟
تنقسم إلى ثلاثة أقسام ... يقال فيها ما يقال في الاستعانة والاستغاثة، هي من باب واحد:
القسم الأول: تكون شرك أكبر، وهو أن يستعيذ بغير الله في ما لا يقدر عليه إلا الله، مثل الاستعاذة بأصحاب القبور، يطلب منهم المدد، يطلب منهم تفريج الكروب، يطلب منهم مغفرة الذنوب، يطلب منهم هداية القلوب، فإن هذه من الشرك الأكبر.
 سؤال: هل يشترط التلفظ؟ يعني هل يشترط في الاستعاذة أن يتلفظ؟ أو يكفي الاعتقاد القلبي؟
الجواب... يكفي الاعتقاد، يعني لا يشترط أن يتلفظ باسم صاحب القبر، أو باسم الولي، أو غير ذلك، بل يكفي الاعتقاد، وإن لم يتلفظ، فالذين يأتون لأصحاب القبور، يدعون الأموات، يهتفون بأسمائهم، يا علي، يا حسين، يا عبد القادر، يا فلان، يا فلان، هو يستعين ويستغيث ويستعيذ بغير الله، سواءً هتف باسمه، أو أنه ذهب وتضرع عند قبره، وركع، وسجد، وتمسح معتقدًا أنه سيعيذه من الشرور، فإنه يدخل في الاستعاذة الشركية.
القسم الثاني: تكون من الشرك الأصغر، مثل لو قال: أعوذ بالله وبك، في ما يقدر عليه المخلوق الحي الحاضر، يعني قرن المخلوق بالخالق، والمخلوق يقدر، أما إذا كان المخلوق يقدر، فهي من الشرك الأكبر، لكن لو كان يقدر، فقرن المخلوق بالخالق، يعني أشرك في اللفظ، مثل ما شاء الله وشئت، ومثل الحلف بغير الله، كما لو حلف بالنبي، فإن هذا يدخل في الشرك الأصغر؛ لأنه جعل المخلوق مساويًا للخالق، وغالباً هذا يحصل من جُهَّال المسلمين من جهة المساواة بالألفاظ.أما لو اعتقد أن المخلوق مساويًا للخالق من كل وجه، فيكون هذا من باب الشرك الأكبر.
القسم الثالث: تكون الاستعاذة جائزة، وهي في ما لو استعاذ بالمخلوق الحي، القادر، الحاضر، في ما يقدر عليه، فإن هذا من الأمور الجائزة، كأن تقول لفلان: أعوذ بالله ثم بك، أعوذ بالله من شرك، أعذني من شر أطفالك، أعذني من شر مثلاً بهائمك، فإنها تؤذيني، تأكل زرعي، فهو استعاذ بمخلوق في شيء يقدر عليه المخلوق، تقول له: اكفني شر أبنائك يا أخي آذوني، فتكون هذه الاستعاذة جائزة؛ لأنك تستعيذ بالمخلوق وهو حاضر، وهو يسمعك، وهو حي في شيء يقدر عليه، فتكون جائزة.
   قاعدة مهمة: قد يدّعي من يستغيثون ويستعيذون ويستعينون بالأموات وبالجن وبالسحرة والكهنة أنهم يحصل لهم المقصود، يقول مثلاً: هذا مريض يعاني من المرض، فذهبنا للكاهن والساحر، فطلب أن نذبح له ديكًا، ففعلنا ذلك، فشُفي، فهل حصول هذا يدل على الجواز؟ والجواب: لا يدل، ليس هذا بدليل على أن هذه الأفعال الشركية جائزة؛ لأن هذا قد يزين له الشيطان، كما أن السحرة والكهنة، قد يصدقون أحيانًا ..يصدق في كلمة، ويكذب عليها مائة كلمة، فكون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر، أو جلب نفع لا يدل على جواز هذا العمل الشركي، كالاستعاذة بالجن، فلا يدل على جواز ذلك، بل العبرة بما دل عليه الشرع، وهذه قاعدة ينبغي التنبه لها، فكل من استعاذ بغير الله، استغاث بغير الله، استغاث بالجن، وقرَّب لهم القرابين، فحصل له المقصود، لا يدل ذلك على الجواز؛ لأن الجواز يكون بدليل الشرع، لا بأفعال السحرة والكهنة والمشعوذين والمشركين.


المظهر السادس...أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غير الله.
 ويقال في الاستغاثة ما يقال في الاستعاذة سواءً بسواء، الاستغاثة هي طلب الغوث، والغوث يحصل لمن حصل في الشدة والكربة، يخشى معه المضرة الشديدة أو الهلاك، فيقال: إغاثة، يعني يطلب النجدة، فيكون هو في شدة وكربة، كالغريق، كما ذكر الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15].
مثال للاستغاثة الشركية: كمن يكون في كربة وشدة من مرض، أو يخشى الهلاك في البحر، فيدعو غير الله، ينادي الأموات، تجد أنه في البحر يخشى من الموت، ويخشى من الأمواج، فيهتف باسم الولي، يا علي، يا حسين، يا عبد القادر، يا فلان، فهو استغاث بغير الله، بل هذا شركه أقبح من شرك المشركين الأوائل، المشركون الأوائل إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين، يعبدون الأصنام في الرخاء، في الشدائد يعبدون الله، يعرفون أن الأصنام لا تنفع ولا تفيد في الشدائد، بينما هؤلاء في الرخاء والشدائد بل في الشدائد أشد، إذا وقع أحدهم في كربة، حتى ولو كان يطوف ببيت الله، تجده يهتف بأسماء الأموات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ما وجه كون الاستغاثة بغير الله شرك؟ الجواب..لأن الاستغاثة بالله عبادة، وصرفها لغير الله شرك، كما قال -تبارك وتعالى-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9]، فأثنى الله عليهم باستغاثتهم بالله -تبارك وتعالى-، فدل على أنها عبادة، وصرفها لغير الله شرك، كما تقدم في القاعدة.
ما الفرق بين الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة؟
الجواب ...  أن الاستغاثة: تكون في من وقع في شدة وكربة، يخشى الهلاك، كالغرق، كأن يكون في البحر، تتلاطم به الأمواج، فهذه يُقال لها استغاثة.
أما الاستعانة: فهي طلب العون، يطلب من يعينه على رفع المتاع، يطلب من يعينه على إصلاح سيارته، يطلب من يعينه على قضاء حوائجه، فتسمى استعانة.
وأما الاستعاذة: فهي طلب الاعتصام وكفاية الشر.
والحكم فيها واحد، إما شرك أكبر، إذا استعان واستغاث واستعان بغير الله في ما لا يقدر عليه إلا الله.
 وشرك أصغر إذا قرن غير الله بالله في اللفظ فقط دون الاعتقاد، وجائزة، إذا استعاذ واستعان واستغاث بالمخلوق الحي القادر في ما يقدر عليه المخلوق....يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ ولَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 106، 107].
ففي الآيتين دليل على استحقاق الله -تبارك وتعالى- للاستغاثة، وصرفها لغير الله -تبارك وتعالى- شرك.فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، والاستعانة تدخل في دعاء العبادة، والخطاب هنا موجه للنبي -عليه الصلاة والسلام-، فإذا كان أصلح الناس لو فعله إرضاءً لغيره صار من الظالمين، فكيف بمن هو دونه -صلى الله عليه وسلم-؟ ..﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هذا عام، أيًّا كان هذا المستغاث به من دون الله، وسواء كان استغاث به استقلالاً أو مع الله...أيضًا الآية التي بعدها هي نفس الدليل ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]، ففيها رد على المشركين الذين يتعلقون بهذه المعبودات لطلب الرزق، فالرزق طلبه لا ينبغي إلا أن يكون من الله -تبارك وتعالى-، كما أن الجنة لا تطلب من الله...وهكذا هذه الآية أيضًا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: 5] هذا واحد ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: 5] ثانية ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف: 6] هذا ثالثة ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 6]، فانقطعت جميع العلائق التي يتعلقها هؤلاء بهذه المعبودات.
ـ أيضًا الآية مرَّت معنا: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيكْشِفُ السُّوءَ وَيجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 62] وقد أقر المشركون بهذا، فإنه لا يستغاث في الشدائد إلا بالله -تبارك وتعالى-، فدل على أن الاستغاثة بغير الله شرك.
ـ الحديث الذي رواه الطبراني بإسناده: "أنه كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا المنافق، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله»، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أنكر على من استغاث بغير الله، ففيه حماية المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لحمى التَّوحيد، والتأدب مع الله -تبارك وتعالى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق