الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره السابعه عشر )

تلخيص الدرس السابع عشر
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين...اللَّهمَّ علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا حي يا قيوم...اللَّهمَّ معلم إبراهيم علمنا، ومفهم سليمان فهمنا، اللَّهمَّ ارزقنا علمًا نافعًا، وعملاً صالحًا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
الوسائل الشرعية التي تحمي وتقي المسلم من الوقوع في الشِّرك.
ـ الهدف من دراسة هذا الموضوع أن يعرف الموحد الذرائع التي تقيه من الوقوع في الشِّرك خاصة في نفسه، وفي دعوته إلى الله -عز وجل-، وفي دعوته إلى توحيد الله -تبارك وتعالى-. فيتعرف الوسائل الشرعية التي تحمي المسلم وتقيه من الوقوع في الشِّرك. فكما أنه واجب على الدعاة إلى التَّوحيد أن يقرروا ويأصلوا التَّوحيد في نفوس الناس، واجب عليهم أيضًا أن يعنوا بتصحيح التَّوحيد، بتصحيح الألفاظ والأقوال، والأعمال، والممارسات، والتصرفات، والاعتقادات التي تخل بالعقيدة والتوحيد في جميع أنواعه.
أنواع الوسائل الشرعية التي تقي المسلم من الوقوع في الشِّرك:
ـ منها ما يتعلق باعتقادات القلوب، ومنها ما يتعلق بأقوال اللسان، ومنها ما يتعلق بأعمال الجوارح، وهذه الوسائل تدخل في باب سد الذرائع المضفية إلى الشِّرك، و قاعدة سد الذرائع من القواعد الشرعية الكبرى التي تدخل في باب الاعتقاد، وتدخل في باب الفقه.
ـ هذا الموضوع يدخل في باب حماية حمى التَّوحيد، وكذلك في باب حماية جناب التَّوحيد. فالوسائل الشرعية التي تقي المسلم من الوقوع في الشِّرك منها ما مر معنا في حمى التَّوحيد وفي مظاهر الشِّرك، لكن الحديث هنا عن توظيف هذه المظاهر كوسيلة شرعية للحماية من الوقوع في الشِّرك.
أولًا: ما يتعلق باعتقادات القلوب
الوسيلة الأولى ....الحذر والتحذير من عبادة الله -عز وجل- عند القبور عمومًا، وقبور الصالحين خصوصًا. الحذر والتحذيرمن عبادة الله، أما كونه يعبد أصحاب القبور، فهذا من الشِّرك، وأمر مفروغ منه، لكن هنا الأمر المنهي عنه وهو: أن يدعو الله، أو أن يصلي، أو أن يتقرب بأي قربة في مكان يتقرب فيه لغير الله.
ـ الحذر من عبادة الله عند قبور الصالحين:
لأن الغلو في قبور الصالحين بأي صورة كانت هذا الغلو، سواءً من جهة قصد التَّبرُّك، أو غير ذلك، يصير هذه القبور أوثانا تُعبد من دون الله بأنواع العبادة، وأنواع الدعاء المعروفة.
2ـ عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى الشِّرك المضاد للتوحيد، ويؤدي أيضًا إلى عبادة هؤلاء الأموات من دون الله -تبارك وتعالى-، ولو بعد زمن، كما مر معنا كيف أن الشيطان تدرج للبشرية في صورة التَّبرُّك بالصالحين، الإكرام، الإجلال للصالحين، وضع الصور للصالحين، وضع التماثيل إلى غير ذلك، فتدرج بهم إلى أن أوقعهم في الشِّرك الأكبر عياذًا بالله.
 شواهد الحذر والتحذير من الغلو في قبور الصالحين
(1)ـ  حديث عائشة -رضي الله عنها- أن أم سلمة -رضي الله عنها-، وكانت ممن هاجر إلى الحبشة، ذكرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، هذا هو الشاهد، أي أنها تعجبت من وجود الصور في هذه الكنيسة، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أولئكِ» الخطاب هنا لأم سلمة، وجاء في بعض الروايات: «أولئكَ إذا مات فيهم الرجل الصالح» أو «العبد الصالح» يعني شك الراوي، وهذا فيه: جواز رواية الحديث بالمعنى، وفيه: تحري اللفظ النبوي، فشك الراوي، هل قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الرجل الصالح» أو: «العبد الصالح»، ولا فرق، «بنوا على قبره مسجدًا» إذن هذا هو المحذور، وهذا ما فعله النصارى فأوقعهم في الشِّرك، أنهم بنوا المساجد على قبور الصالحين، فمن فعل ذلك من هذه الأمة فقد تشبه بهؤلاء المشركين. «وصوروا» وهذه فتنة أخرى، لم يكتفوا ببناء المسجد على القبر، ووضع القباب على قبر الميت، بل صوروا فيه تلك الصور، ثم وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «أولئكِ شِرار الخلق عند الله» فذمهم من وجهين:
الوجه الأول: اتخاذهم أو بناؤهم على المساجد قبورا.فإذا مات فيهم الرجل الصالح، صنعوا به هذا الفعل، فبنوا على قبره مسجدًا.
الوجه الثاني: وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء الذين فعلوا ذلك بأنهم شِرار الخلق عند الله.وهذا فيه تحذير، وفيه زجر لمن تشبه بهؤلاء النصارى.

وجه الاستدلال بالحديث ...
فيه بيان أن عبادة الله -عز وجل- عند القبر وسيلة إلى الشرك المنافي للتوحيد، والمضاد للتوحيد بالكلية.
2ـ فيه دلالة واضحة على المنع من عبادة الله -عز وجل- عند قبور الصالحين، وكذلك اتخاذها مساجد؛ لأن ذلك من فعل النصارى، هذا الوجه الأول، وهذا فيه ذم. و الوجه الثانى: أن من فعله فهو من شِرار الخلق، وهذا هو الوجه الثاني في ذم فعل هؤلاء، فهذا الحديث فيه التحذير من بناء المساجد على القبور، ومعلوم أن من بنى المسجد على القبور، فيلزم من بناء المسجد الصلاة، هل هو يصلي لله أو يصلي لصاحب القبر؟ يصلي لله، لكن هذا الفعل مذموم، فهو عَبد الله عند قبور الصالحين، قد يقول الذي يفعل هذه الأفعال: أنا لا أعبد صاحب القبر، إنما بنيت المسجد من باب الإكرام، والإجلال والاحترام، بدل ما يكون هذا الصالح مع قبور عموم الناس، وفي الصحراء تحرقه الشمس، فأنا أكرم الصالحين، وأعظم الصالحين، ومن إكرامهم أن أجعلهم في المساجد التي اعتادوا أن يمضوا أغلب أوقاتهم فيها، مدخل من مداخل الشيطان، نقول: هذا من تلبيس الشيطان، ومن شَركه وشِركه، فيزين لهؤلاء هذه الأفعال الشركية بهذه الحيل التي يوقعهم بها في الشِّرك، ولهذا وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم من شِرار الخلق، حتى لو كان القصد حسن، حتى لو كان القصد إكرام الصالحين، وإجلال الصالحين، فهم من شِرار الخلق، فالمقاصد وحدها لا تكفي، لابد من صحة العمل.
(2)ـ عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لما نُزِلَ برسول الله -صلى الله عليه وسلم-" يعني بدأ يحتضر، نزل به الموت، "طفق يطرح خميصة له على وجهه" وهذا يدل على أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري البشر من الشدة، والمرض، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يعاني من النزع، فلهذا "طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها" دل على أنه يعتريه ما يعتري البشر في حالة الاحتضار."فقال وهو كذلك" يعني وهو ينازع الموت، هذا يدل على أهمية التَّوحيد، وشدة التأكيد عليه، وشدة التحذير، فهو -عليه الصلاة والسلام-، وهو يودع هذه الأمة، وهو يعاني من سكرات الموت يحذر أمته من الوقوع في الشِّرك، "فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى»"، وهذا يدل على أن هذا الفعل كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه لا يُلعن إلا من ارتكب كبيرة من الكبائر. «لعنة الله على اليهود والنصارى»، «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وهذا يحتمل احتمالين:
إما أنهم بنوا المساجد على القبور، أو أنهم دفنوا الأموات في المساجد، أو أنهم جعلوا القبور مكانًا للعبادة، يرتادونها للعبادة، المعنى يشمل هذا وهذا...«اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحتمل أكثر من معنى، إما بناء المساجد على القبور، أو دفن القبور في المساجد، أو جعل القبور أماكن للعبادة، فالحديث يشمل هذا وهذا.
ـ تقول عائشة -رضي الله عنها-: "يحذر ما صنعوا"، وهذا هو الشاهد، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول ذلك، وهو في حال النزع إنما قال ذلك تحذيرًا لأمته، قال: "ولولا ذلك" يعني لولا هذا التحذير "أُبرز قبره" يعني هذا الذي جعل الصحابة لا يُبرزون قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل دُفن في غرفته التي مات فيها، في غرفة عائشة، وجُعلت له حيطان بحيث لا يصل إليه أحد، فلو أُبرز قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان في مكان واضح، ما تظنون يفعل الناس؟ ربما اتخذوه مزارًا، وربما فعلوا عنده من الشِّرك، ولهذا من حكمة الله -عز وجل- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دُفن في غرفته، فلا يستطيع الناس الوصول إليه، ولهذا بيَّنت السبب الذي لأجله دُفن النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولم يُبرز قبره كقبور الناس، يوضع في البقيع، يوضع في مكان بارز، خشية أن يُفعل به كما فعلت النصارى بأنبيائهم، فيُعبد من دون الله..."يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتَّخَذَ مسجدًا" هذا هو السبب، والحديث متفق عليه.
ـ "خُشي" رويت هذه الكلمة بروايتين: بالفتح "خَشي" فيعود للنبي -صلى الله عليه وسلم-، يعني أنه دُفن -عليه الصلاة والسلام- في حجرته خشي من إبراز قبره أن يتخذ مسجد، فيكون الذي أمر بدفنه في غرفته هو -عليه الصلاة والسلام-، حذرًا من الوقوع في الشِّرك.
ـ ورويت الكلمة بالضم بضم الخاء "خُشي" فيكون الذي خشي ذلك هم الصحابة -رضي الله عنهم- الكرام، خشوا أنه إذا أُبرز قبره -عليه الصلاة والسلام- أن يُتَّخَذَ مسجدًا. فيدل الحديث على المنع من عبادة الله عند قبور الأنبياء، ومن اتخاذها مساجد؛ لأن هذا يفضي إلى الشِّرك.
هناك شبهة يثيرها القبوريون إذا أنكرت عليهم العبادة عند القبور، يحتجون عليك يقولون: قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، فكيف نرد على مثل هؤلاء؟
الجواب.....أولاً: هل النبي -صلى الله عليه وسلم- قُبِرَ في المسجد؟ هو لم يُقبر في المسجد، أين قُبِرَ؟ في غرفته، ومعلوم أن غرفة عائشة كانت بجوار المسجد، ثم لما احتاج الخلفاء إلى التوسعة اتسع المسجد فأصبح القبر داخل المسجد اضطرارًا، فلم يُبنى المسجد على القبر، ولم يُدفن القبر في المسجد، ولكن ضرورة التوسعة للمسجد النبوي جعلته في هذا المكان، ولذلك جُعلت له جدران ثلاثية بحيث يكون معزول عن المسجد، فهو لم يُدفن -عليه الصلاة والسلام- في المسجد، ولم يُبنى المسجد عليه، وإنما ضرورة التوسعة عبر التاريخ جعلت المسجد يحيط بالقبر اضطرارًا للتوسعة وليس قصدًا لإدخال القبر في المسجد. ولهذا لم يُفعل هذا في القبور الأخرى، وإنما الضرورة التي دعت إلى التوسعة، وضيق المكان جعلت القبر يُحاط بجدران مستقلة، والتوسعة شملت كل المناطق المحيطة ببيوته -عليه الصلاة والسلام-؛ لضيق المكان.
(3)ـ روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- يقول: "سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس" أي بخمس ليالي، لاحظوا هذا كله يدل على أن هذه الأوامر كانت في آخر حياته، وهذا يدل على أنه -عليه الصلاة والسلام- كما بدأ دعوته بالتَّوحيد، انتهت بالتَّوحيد، ابتدأها ثلاثة عشر سنة في مكان يدعو للتَّوحيد، ثم جاءت الشرائع، ومع ذلك أيضًا أثناء نزول الشرائع كان يأتي التأكيد والتأصيل للتَّوحيد والتصحيح للمخالفات، والرد على شبهات المشركين، وبالذات شبهات المنافقين، واليهود، والنصارى، وفي آخر حياته يؤكد على التَّوحيد، ولهذا يقول: "سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس" أي بخمس ليال، وهو يقول في الحديث الطويل: «إن من كان قبلكم» هذا فيه دليل على أن من يفعل هذا، إنما هم اليهود والنصارى والمشركون.«وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا» هذا هو التحذير «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك»، والنهي يفيد التحريم، فيدل على أن اتخاذ القبور مساجد بأي صورة كانت، فإن ذلك من الأمور المحرَّمة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- نهى عن ذلك في آخر حياته..كما أنه في حديث عائشة: "لعن من فعله، وهو في سياق الموت"، وفي حديث جندب: أنه نهى عن ذلك في آخر حياته، قبل موته بخمس ليال، «إني أنهاكم عن ذلك»، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، خشي من وقوع أمته في ما وقع في الأمة، فنهاهم وحذَّرهم بصور مختلفة، في آخر حياته، وهو ينازع سكرات الموت.
(4)ـ روى الإمام أحمد بسند جيد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن من شِرار الناس» وهذا تأكيد لما سبق، أن من فعل ذلك فهم من شرار الخلق.«إن من شِرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد»، كيف يتخذون القبور مساجد؟
الجواب....... اتخاذ القبور يمكن العبادة عنده، يصلون عند قبر الصالحين أو غيرهم، وكذلك الاعتياد عند القبر مما يفضي التوسل إلى صاحب القبر. يعني عبادة الله عند القبور، والاعتياد عند القبور، كل هذه صور فعل العبادات عند قبور الصالحين.
الصورة الثانية: بناء المساجد على القبور، يعني يُبنى المسجد على القبر، وتوضع القبة لأجل العبادة عند هذا القبر.
الصورة الأخرى عكسية، وهو يُدفن الصالحون ويقربون في المساجد أو في ساحاتها لأي غرض كان، بدل ما يُقبر الصالح مع قبور الناس، وعوام الناس في أماكن مستقلة في المقابر، لا، يُؤخذ ويُدفن في ساحات المسجد، في مقدمة المسجد، في فناء المسجد، إلى غير ذلك، فيكون هذا من اتخاذ القبور مساجد، فالحديث يشمل هذا وهذا.
ـ ففيه التحذير من اتخاذ القبور مساجد، يُصلى في ساحاتها، ويتبرك بها، وتقرب لها القرابين، وتقرب لها النذور، والنهي عن ذلك؛ لأن هذا ذريعة إلى الشِّرك، فيصيِّر هذه القبور أوثانًا تُعبد من دون الله، ولو على مدى التاريخ.
ـ فيه التحذير من الشِّرك ووسائله، وما يقرب إليه، مهما كان قصد الفاعل، حتى لو قصد إكرام الصالحين، فإن المقاصد لا تبرر الأفعال الشركية.
ـ من اتخذ قبور الصالحين مساجد للصلاة فيها، فهم من شرار الخلق، لقوله -عليه الصلاة والسلام-، والذين يتخذون القبور مساجد، ووصفهم بأنهم من شرار الخلق، وهذا فيه التحذير من هذه الأفعال.
(5)ـ روى مالك في الموطأ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اللَّهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»، واستجاب الله لدعوته..قال: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ففيه أن الغلو في القبور يجعلها أوثانًا تُعبد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا ربه، قال: «اللَّهمَّ لا تجعل قبري وثنًا»، ويكون القبر وثنًا إذا عُبد صاحب القبر، أو عُبد الله عند صاحب القبر، أو بُني المسجد على القبر، أو دُفن القبر في المسجد، ثم بيَّن ذلك بقوله: «غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ووصف هذه الأفعال في غضب الرب، وهذا فيه إثبات صفة الغضب لله -تبارك وتعالى- على الوجه اللائق به كسائر صفاته -تبارك وتعالى.
(6)ـ روى ابن جرير في تفسيره بسنده، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: 19] قال: "كان يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره" هذا هو الشاهد، لاحظ الأمر كيف تطور؟ هو رجل صالح كان يلت السويق للحجاج، وهو نوع من الطعام، يُكرم الحجاج، لما مات فقدوه، فإكرامًا له وردًّا للمعروف، وردًّا للجميل، فلما مات عكفوا على قبره، لأنهم فقدوا هذا الجود، وهذا الكرم، وهذا الإحسان الذي يفعله للحجاج، فأدخل عليهم الشيطان هذه المكيدة، فمات عكفوا على قبره.
قال: وكذا، قال أبو الجوزاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "كان يلت السويق للحجاج" فآل الأمر إلى أن هذا الرجل الصالح تحول قبره إلى وثن، فأصبح من الأوثان التي تُعبد في الجاهلية، اللات وعزى ومناة.
ـ ففيه أن سبب عبادة اللات هو الغلو في قبور الصالحين، حتى صيَّروا أوثانًا تُعبد على مدى التاريخ. قد يظن الأوائل أن هذا إنما هو من باب الإكرام، لكن الشيطان يكيد للأجيال.
(7)ـ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج" رواه أهل السنن...فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لعن من فعل ذلك، زائرات القبور أي من النساء؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- بعد أن رخَّص للرجال منع النساء من زيارة القبور..قال: "والمتخذين عليها المساجد" هذا هو الشاهد، فمن اتخذ المساجد على القبور لعنهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، والسُّرُج، أي: تُضاء، ولهذا نقول: إضاءة المقابر سواءً بالوسائل الحديثة منهي عنه، لأن هذه الإضاءة قد تؤدي بهم إلى التعظيم، فالأمر قد يكون عند بعض الناس بسيط، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك حماية لجناب التَّوحيد، حتى لا تعظَّم القبور بعد ذلك، ولهذا نقول: فيه تحريم إضاءة المقابر، تبقى المقابر بدون إضاءة.
ـ لو قال الناس يحتاجون إلى دفن الأموات، نقول: ممكن تتخذ وسائل مؤقتة، إضاءات مؤقتة، لكن لا تُجعل المساجد فيها السُّرُج، وفيها الإضاءات التي تحولها في ما بعد إلى أن تصبح كالمساجد، تصبح كالبيوت، تعظَّم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- سدَّ هذه الذريعة الموصلة إلى الشِّرك، كما أنه نهى عن الكتابة على القبور، وتجصيص القبور، كل ذلك حماية لجناب التَّوحيد، ولا يتساهل إنسان، يقول: ما المشكلة في الكتابة؟ ما المشكلة في التجصيص، المشكلة مكائد الشيطان على مدى التاريخ. فهذا اللعن يدل على تحريم الغلو في القبور؛ لأن ذلك يصيِّرها أوثانًا تُعبد من دون الله. هذا ما يتعلق بالغلو في القبور.
ثانيًا: ما يتعلق بأقوال اللسان
 أمثلة تتعلق بالألفاظ الشركية، والحذر من الوقوع فيها، ومن عدم تعظيم الرب في الأقوال، التساهل أحيانًا في بعض الأقوال التي قد تؤدي بالإنسان إلى الوقوع في الشِّرك.
 من الوسائل التي تقي المسلم من الوقوع في الشِّرك:
الوسيلة الأولى: النهي عن كثرة الحلف بالله، لأنه يدل على الاستخفاف باسم الله -سبحانه وتعالى-، وامتهان. ولهذا جاء في الحديث أنه لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة، فمن تعظيم الرب -تبارك وتعالى- أن لا تستهين باليمين، وتكثر من اليمين، فمن كمال التَّوحيد احترام اسم الرب -تبارك وتعالى-، وعدم امتهانه بكثرة الحلف، حتى على الأمور البسيطة التافهة؛ لأن ذلك يدل على الاستخفاف باسم الرب -تبارك وتعالى-، ويدل على عدم التعظيم، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى- في سورة المائدة: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89].
 كيف تحفظ اليمين؟
الجواب....قال أهل العلم: حفظ اليمين
بعدم الكذب فيها، لا تكذب؛ لأن من كذب في يمينه فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، بل من أهل العلم من قال: لو قال القائل: يعلم الله ما فعلت كذا، وهو كاذب، منهم من يقول أن هذه الكلمة تؤدي به للخروج من الملة، هو يقول: يعلم الله، معناه أنه ينسب إلى الله الكذب، لاحظوا الاستخفاف باليمين، الاستخفاف باسم الله يؤدي به إلى هذا الخطأ الكبير.
عدم كثرة الحلف والأيمان على كل شيء، حتى على الأمور التافهة.
3ـ عدم الحنث فيها.
4ـ أن من حلف لك بالله فلتصدقه.
ـ فكل ذلك يدخل في حفظ اليمين، من باب تعظيم اسم الرب -تبارك وتعالى-، وعدم الاستخفاف بالأيمان، والتساهل فيها.
ـ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» متفق عليه...هذا يدل على تساهلهم في الأيمان، قال إبراهيم النخعي أحد التابعين من كبار التابعين: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار" أي كان السلف يربون أطفالهم وصغارهم على حفظ اليمين والعهد، فهذا يدل لك على أهمية التربية منذ الصغر، يحافظ على العهد، يحافظ على اليمين لا يخلف العهد، لا ينقضي العهد، لا يتساهل في اليمين، فيقول: "كانوا يضربوننا" من باب التأديب لهم على تعظيم الأيمان، تعظيم العهود.
فهذا الحديث الذي رواه ابن مسعود والشاهد فيه: «ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمنه، ويمينه شهادته» فيه التحذير من التساهل باليمين، والتساهل بالشهادة؛ لأن هذا فيه استخفاف بالرب -تبارك وتعالى- واسمه.
«تسبق شهادة أحدهم يمنيه، ويمينه شهادته» لضعف إيمانه، وضعفه تعظيمه للرب -تبارك وتعالى-، وضعف توحيدهم، فاستخفوا باسم الله -تبارك وتعالى-، والذي جعلهم يقعون في هذا هو ضعف الإيمان، وضعف اليقين، ضعف التعظيم للرب -تبارك وتعالى-، ولهذا تجد تساهل في الأيمان، والشهادة تحملاً وأداءً، وكذلك ضعف خوفهم من الرب -تبارك وتعالى-، فجعلهم يقعون في هذا الأمر الذي يخل بالتَّوحيد.
الوسيلة الثانية: النهي عن الإقسام على الله، والإقسام على الله يعني أنك تحلف على الله -تبارك وتعالى.
ـ روى مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-«قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان» وهذا فيه تطاول في جناب الرب، «والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله -عز وجل-: من ذا الذي يتألى عليَّ» يتألى: أي يحلف عليَّ ويقسم، والحلف هو الإقسام، «من ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك» فيه وعيد شديد، أن الإقسام على الله على جهة التألي على الله أحبط العمل، وحجَّر رحمة الله.
قال أبو هريرة: "إن القائل رجل عابد" ولاحظ الخوف على من؟ على العبَّاد والإعجاب بالنفس، أن الذي قال هذه الكلمة التي أوبقت وأحبطت عمله رجل عابد...قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" رواه أبو داود، هذه تدل على خطورة التألي على الله، والإقسام على الله، وتحجير رحمة الله -تبارك وتعالى-، والواجب على الإنسان تعظيم الرب، الواجب عدم تقنيط الناس من رحمة الله، الواجب هو التواضع، هو اتهام النفس، أما هذا العابد، أُعجب بنفسه، أُعجب بعمله، زهى بعمله، حتى أقسم على الرب -تبارك وتعالى-، فحجَّر رحمة الله، فعومل بنقيض قصده، فقال الرب -تبارك وتعالى-: «إني قد غفرت له وأحبطت عملك»، وهذا ما يُخشى منه على الصالحين، تجده أحيانًا يكون على عمل صالح، فيزدري الناس، ربما يكون هذا الذي تزدريه قد فاقك في جوانب أخرى من أعمال الخير، قد يكون هذا الازدراء للناس يؤدي بهذا الإنسان إلى إحباط عمله؛ لأنه يُعجب بعمله، قد يؤدي به إلى أنه يتألى على الله -تبارك وتعالى- بعمل فيُعجب بعمله، فيصاب بالإحباط عقوبة له، فهذا كله حماية لجناب التَّوحيد.
وجه الاستدلال في الحديث
 1ـ أن الإقسام على الله إذا كان على وجه الحجر على الله فهو منافٍ للتَّوحيد؛ لما فيه من سوء الأدب على الله -تبارك وتعالى.
2ـ دل الحديث على تحريم الإقسام على الله، على وجه الحجر على الله والإعجاب بالنفس، وذلك نقص في التَّوحيد، ولذلك عوقب هذا الذي أقسم على الله ببطلان عمله عياذًا بالله، ففيه تحريم الإقسام على الله إلا إذا كان على وجه الإحسان بالله، كما من يُقسم بأن الله سينصر دينه، سينصر المؤمنين، على جهة حسن الظن بالله، فهذا ممدوح، لكن على جهة الحجر، بأنه لا يرحم، فإن هذا هو المنهي عنه، أما إذا كان فيه حسن ظن بالله، ثقة بالله، يقسم لينصرن الله عباده المؤمنين، فهذا فيه حسن ظن بالله.
الوسيلة الثالثة: تحريم الاستشفاع بالله على أحد من خلقه، الاستشفاع بالله بمعنى أن تجعل الله -عز وجل- واسطة بينه وبين الخلق، فتستشفع بالله إلى أحد من خلقه، وهذا يقع فيه من يطلب الشفاعة من أصحاب القبور، فإن هذا من الأمور المخلة بالتَّوحيد.
ـ جاء عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه-، قال: "جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، نُهكت الأنفس" يعني يشكو القحط "وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك" إلى الآن ما فيه إشكال، لكن الإشكال قال: "فإنا نستشفع بالله عليك" يعني يجعل الله -عز وجل- واسطة، فعكس القضية، يعني جعل الأعلى شفيعًا عند الأدنى، "فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله" فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سبحان الله!» وهذه تُقال عند التعظيم، سبحان الله أي تنزه الله -تبارك وتعالى- عمَّا لا يليق به، تنزهه عن مشابهة المخلوقين، تنزهه عن النقص في صفات الكمال، فيقال بها عند التعجب، «سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله!» كرر ذلك، وهذا فيه إنكار المنكر، قال: "فما زال يسبح" وهذا يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يغضب في مثل هذه المواطن.
"حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه" عرفوا أنه -عليه الصلاة والسلام- غضب بهذه الكلمة، كل ذلك تعظيمًا لجناب الرب -تبارك وتعالى-، وحماية لجناب التَّوحيد...ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ويحك!» زجر «ويحك! أتدري ما الله؟» هذا فيه التعليم بالسؤال؛ لأن هذا جاهل، «ويحك! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك» أن تستشفع به عند أحد من خلقه، «إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه»، والحديث طويل رواه أبو داود.
فهذا فيه النهي جعل الرب -تبارك وتعالى- واسطة بينه وبين خلقه، فدل على تحريم الاستشفاع بالله على أحد من خلقه كائنًا من كان، حتى لو كان من أعلى مقامات الخلق، حتى لو كان من الأنبياء المرسلين، أو الملائكة؛ لأن ذلك هضم لجناب التَّوحيد، وقدح في توحيد العبد، وفيه تنقُّصٌ للرب -تبارك وتعالى-؛ لأن الشافع يشفع عند من هو أعلى منه، أنت لما تطلب الشفاعة، تطلب الشفاعة من الأدنى إلى الأعلى لا العكس، والله -تعالى- منزَّه عن ذلك؛ لأنه لا أحد أعلى منه -تبارك وتعالى-، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أنكر عليه هذا الإنكار بالتسبيح وكرره، وقال: «ويحك!»؛ لأنه أساء الأدب مع الله -عز وجل- حيث استشفع به إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهذا جهل منه بحق الله -تبارك وتعالى-، وهذا يقع فيه الجهَّال، الجهَّال الذين يعظمون النبي -صلى الله عليه وسلم- فيجعلونه يعلم الغيب، ويفرِّج الكروب، ويغفر الذنوب، ويهدي القلوب، ويتصرف، ثم أن بعضهم لم يكتف بالغلو في النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل غلا في من دونه من الصالحين، بل من غلا في الطالحين، ومن لا يُعرف بالصلاح أصلاً، فهذا كله من الجهل، وفيه تنقص للرب -تبارك وتعالى-، ولهذا أنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الإنكار الشديد، ونزَّه الرب عن هذا التنقص بتسبيحه -تبارك وتعالى.
لكنه لم ينكر عليه الاستشفاع بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، يعني الجانب الآخر أنك تطلب الشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو حي، هذا أمر مشروع، تطلب الدعاء من الرجل الصالح وهو حي، فإن هذا أمر مشروع، ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُنكر عليه الجانب الثاني، الذي هو جائز.
ما يستفاد من الحديث:
1ـ تحريم الاستشفاع بالله على أحد من خلقه، لما في ذلك من تنقص الرب.
2ـ تنزيه الله عز وجل عمَّا لا يليق به، لأنه قال: «سبحان الله! سبحان الله!».
3ـ إنكار المنكر، تعليم الجاهل، علمه بالتدرج وأنكر عليه.
4ـ جواز الاستشفاع بالرسول -صلى الله عليه وسلم- في حال حياته، ولهذا كان الصحابة يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يدعو لهم، كل ذلك جائز ، طلب الدعاء من الحي، أما بعد موته، فلم يفعل أحد من الصحابة ذلك؛ لأن الميت إذا مات انقطع عمله، عموم الموتى، أما في حال الحياة فإنه يجوز.
5ـ التعليم بطريق السؤال؛ لأنه قال: «أتدري ما الله؟» فعلمه عن طريق السؤال؛ لأنه أوقع في رسوخ العلم في النفس.
الوسيلة الرابعة: النهي عن سب الدهر، أي سب الزمان؛ لأن من سب الدهر فقد آذو الله -تبارك وتعالى-، إذا سب الليل والنهار، وسب الرياح، وسب الأماكن والجبال، وسب الدواب، فكأنما سب الخالق بهذه المخلوقات.
جاء في حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «قال الله -تعالى- يؤذيني ابن آدم» يؤذي الرب -تبارك وتعالى- من جهة وصفه بصفات النقص، والله -عز وجل- لا يضره هذا الأذى، لكن الأذى هنا من جهة التنقص في الرب، وإلا لن يضره، «لن تبلغوا ضري فتضروني»..«يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر» أي الزمان، والليل، والنهار «وأنا الدهر»، يعني أنه -تبارك وتعالى- هو الذي يقلِّب الدهر، هذا هو المعنى أنه -عز وجل- هو الذي يقلِّب الليل والنهار، هذه الأزمنة هي جمادات، فالذي يقلِّبها هو الرب -تبارك وتعالى..قال -هنا الشاهد: «أقلِّب الليل والنهار»، ولهذا هذا يدل لك على أن الدهر ليس من أسماء الله، بدليل أن الله -عز وجل- قال: «وأنا الدهر أقلِّب الليل والنهار»، فدل على أن الدهر هو الليل والنهار، فليس هو الرب، وإنما الذي يقلِّب الليل والنهار هو الرب، فمن سب الليل والنهار، فكأنما سب الخالق -عز وجل.
وفي رواية قال -عليه الصلاة والسلام-: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» يعني هو الذي يقلِّب الدهر، فالحديث يفسره بعضه بعضًا. فسب الدهر يكون بصور، في ذمه، في لومه عند المصائب التي تنزل، لكن لو وصف الدهر، فقال: هذا يوم عصيب، هذا يوم شديد، هذا يوم حار، هذا يوم بارد، فلا بأس، لا بأس من جهة الوصف، إذا وصف بالحر، بالبرد، بالشدة، كما قال لوط -عليه السلام-: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: 77]، فإن الوصف لا بأس به، إنما المذموم هو السب والشتم للدهر، أي لليل والنهار، والأزمنة؛ لأنها مخلوقة، ليست هي التي تتصرف في الكون، وإنما الله -تبارك وتعالى- هوالخالق لها، سبها يتضمن الوقوع في الشِّرك؛ لأن السَّاب لها إذا اعتقد أنها هي الفاعل فقد وقع في الشِّرك الأكبر، وإذا لم يعتقد فإذا سبها وهي جمادات، فكأنما سب الخالق لها، وهو الرب -تبارك وتعالى.ثم أن من سب الدهر فقد شارك الدهرية، الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24]، فنسبوا الهلاك إلى الدهر، فمن سب الدهر اعتقاد أنه هو الفاعل، فقد شارك هؤلاء الدهرية في شركهم. فيؤذي الله من حيث أنه يصفه بصفات النقص، يتنقص الرب -تبارك وتعالى- وهو الدهر، أي الذي يصرف الليل والنهار، وما يجري فيهن.
الوسيلة الخامسة:ـ من الوسائل التي تقي المسلم من الوقوع في الشِّرك وهو تابع لما قبله: النهي عن سب الريح، ويقال في سب الرياح ما يقال في سب الدهر سواءً بسواء.
ـ عن أبي بن  كعب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تسبوا الريح» نهي، والنهي يفيد التحريم؛ لأن من سبها فقد سب الله.«فإذا رأيتم» هذا إرشاد للمسلم، «فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللَّهمَّ إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أُمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أُمرت به»، يعني هذا إرشاد للمسلم إذا رأى في الريح من خير أو شر فيسأل الله من خيرها، أما سبها وشتمها ولومها، فهذا سب للرب -تبارك وتعالى-؛ لأنها تجري بأمره -تبارك وتعالى-، فيكون سبها تنقص للرب، وإخلال بتوحيده -تبارك وتعالى-، وتعظيمه، وتنزيهه، وسبها له صور: يكون بالشتم، يكون باللعن، لأجل لحوق ضرر به، ولهذا الرجل الذي لعن الدابة لما عثرت به، النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بألا تصاحبهم لأن صاحبهم ملعون، ما ذنب هذه الدابة عندما يلعنها؟ وهي مسكينة، فيدخل في هذا. ولهذا ينبغي على المسلم أن ينزه لسانه عن هذه الألفاظ التي فيها تنقص للرب -تبارك وتعالى.
الوسيلة السادسة: النهي عن قول السلام على الله، لأن الله هو السلام
ـ جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كنا إذا كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، أي في دعاء التحيات، قلنا: السلام على الله من عباده" يعني أنك تسلم على الله كما تسلم على سائر الخلق، السلام على فلان، وفلان، فساووا الله -تبارك وتعالى- بخلقه في إلقاء السلام عليه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقولوا: السلام على الله» من الناس من يتساهل أحيانًا، بل أحد الطلاب قال لي مرة: سمعت داعيًا يقول: جزاك الله خيرًا يا الله، لاحظ كيف التساهل، هذه من الكلمات التي يقع فيها الناس لجهلهم....فهنا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تقولوا: السلام على الله فإن الله هو السلام» والحديث متفق عليه...فلما كان السلام على الشخص معناه طلب السلامة له، أنت إذا سلمت فمعناه أنك تدعو له بالسلامة، حيًّا كان أو ميتًا، ولذلك في دعائك في التحيات، لما تقول: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" أنت تدعو بالسلامة من كل بلاء، ومن كل شر، من شرور الدنيا والآخرة، فإذا قلت: "السلام على الله" كأنك تطلب السلامة لله -تبارك وتعالى- من الشرور، والله منزَّه عن ذلك، فامتنع أن يقول العبد "السلام على الله" حماية للتَّوحيد، وحذرًا من الوقوع في الشِّرك؛ لأن الله هو الغني السالم من كل شيء، ولهذا من أسمائه "السلام، المؤمن، القدوس"، وهو -تبارك وتعالى- منزَّه عن تنزيهه عن أن تدعو له بالسلام؛ لأنه -عز وجل- منه السلام -تبارك وتعالى.فكل ذلك حماية للتَّوحيد، حتى لو كان في جانب الألفاظ، حتى ولو صدرت من جاهل فيعلَّم.
الوسيلة السابعة: النهي عن قول اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت، أي ما يقول الداعي في دعائه: اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت، أو يقول بعض الناس إذا دعا لك: جزاك الله خيرًا إن شاء الله، ما رأيكم؟ الله يغفر لك إن شاء الله، يأتي مثلاً يدعو لميتك، ويقول: الله يرحمه إن شاء الله، ما رأيكم في هذا؟ نقول: لا تعلق بالمشيئة، فإن الله لا يعجزه شيء، لماذا تعلق دعائك لفلان جزاك الله خيرًا، بارك الله فيك إن شاء الله؟ جزاك الله خيرًا إن شاء الله، رحم الله ميتك إن شاء الله؟ لا تقل ذلك، فإن الله لا يعجزه شيء، بل اجزم، وهكذا في دعائك لنفسك، لا تقل: اللَّهمَّ اغفر لي إن شاء الله، غفر الله له إن شاء الله، لا تقل ذلك، فإن الله لا يعجزه شيء، ولهذا تأملوا في هذا الحديث المتفق عليه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يقل أحدكم: اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت، اللَّهمَّ ارحمني إن شئت» الذي يقول ذلك كأنه يقول: إن شئت اغفر لي، وإن شئت لا تغفر، فقد يُشعر باستغنائه عن الرب -تبارك وتعالى-، أو قد يُشعر بأن الرب قد يقدر وقد لا يقدر تعالى الله عن ذلك، ولهذا عليه أن يعزم المسألة، ويدل على حرصه، ويدل على ثقته بقدرة الله -تبارك وتعالى.أما إذا قال: اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت، كأنه يعلق المغفرة، إذا شئت اغفر، وإذا شئت لا تغفر، أو أنه يتعلق هل يقدر يغفر أو لا يقدر، تعالى الله عن ذلك، فلهذا ينبغي أن يحذر من الاستغناء في الدعاء، ليعزم المسألة، يعني بدون أن يعلقها بالمشيئة، التعليل، فإن الله لا مكره له، على كل شيء قدير، وهو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].
ـ وفي رواية لمسلم: «وليعظم الرغبة» يكون عنده حرص ورغبة وإلحاح، «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه»، الذي يعلق بالمشيئة، كأنه جعل هذا الأمر عظيم، فقال: اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت، فالله لا يتعاظمه شيء.
الشاهد: أنه ينبغي للمسلم أن يحذر من قول: اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت؛ لأن هذا يدل على فتور الرغبة، يدل على قلة الاهتمام، يدل على الاستغناء، وربما يكون أيضًا ضعف اليقين في قدرة الله -تبارك وتعالى- وأيضًا ضعف الرغبة في إلحاح الدعاء، فيشعر بأن الله -تبارك وتعالى- قد يضطره مضطر إلى عدم الاستجابة، أو عدم تحقيق دعوة المدعو، وكل ذلك يضاد التَّوحيد.
الوسيلة الثامنة: النهي عن التسمي بملك الملوك، وقاضي القضاة، وسلطان السلاطين ونحوها؛ لأن هذا فيها تعظيم للمخلوق، ورفعه إلى مقام الرب -تبارك وتعالى.
ـ جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أخنع اسم عند الله» يعني أوضع وأحقر اسم عند الله «رجل تسمى ملك الأملاك» يعني إعطاه هذا الوصف الكبير «لا مالك إلا الله».
قال سفيان: "مثل شاه شاه" يعني ليس هذا خاص بملك الأملاك، بل كل الألقاب الشبيهة، مثل شاه شاه، وهو عند العجم، وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» والحديث متفق عليه.
يدل على أن الإنسان لا يعظِّم المخلوق، ولا يعطيه ألقاب تجعله مساوٍ للرب، فالتسمي بمثل هذه الأسماء فيه تعظيم للمخلوق، ومشاركة له، ويدخل في هذا نظائرها: حاكم الحكام، سلطان السلاطين، سيد السادات، ففيه وجوب احترام أسماء الرب -تبارك وتعالى- والحث على التواضع، واختيار الأسماء المناسبة للمخلوق المطابقة له، ولا ينبغي أن يُرفع إلى مقام الرب -تبارك وتعالى-، وكذا تُحترم أسماء الله، وتُغيَّر أسماء المخلوقين لأجل ذلك.
ـ جاء عن أبي شريح -رضي الله عنه- أنه كان يكنَّى أبا الحكم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله هو الحكم، وإليه الحكم» قال يعني بيَّن السبب، قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، يعني من باب الصلح، فرضي كلا الفريقين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما أحسن هذا»، يعني ما أحسن الإصلاح بين الناس، «فمالك من الولد؟» قال: قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: «فمن أكبرهم؟» يعني الإنسان يُكنَّى بأكبر أبنائه، قال: شُريح، قال: «فأنت أبو شُريح» فغيَّره من كنيته بأبي الحكم، إلى أبي شُريح، فتُغيَّر الأسماء التي فيها تعظيم إلى غير ذلك....مثل بعضهم يقول: أبو الأعلى، الأعلى هو الله، وغير ذلك من الأسماء التي قد يُشعر فيها بتعظيم المخلوق ورفعه عن المقام، ففيه احترام أسماء الرب -تبارك وتعالى- وتغيير الاسم من أجل ذلك، كل ذلك حماية للتَّوحيد، وتحقيقًا لجناب التَّوحيد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق