الأحد، 5 يناير 2014

العقيده ( المحاضره الخامسه )

العقيدة
تلخيص الدرس الخامس
الدكتور سهل العتيبي
الموت آية من آيات الله، الدالة على عظمته عز وجل، وعلى حكمته عز وجل في قضائه وقدره، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وهوآية من آيات الله الدالة على عظمته عز وجل، في شرعه وأمره ونهيه وإكرامه للمسلم، حيا وميتا، وهو آية من آيات الله الدالة على تآلف المسلمين وتراحمهم، وتعاطفهم، وعلى الوفاء بينهم، فهو آية من آيات الله التي تظهر عظمة هذا الدين وتظهر محاسن هذا الدين والتآلف بين المؤمنين.
اسأل الله عز وجل أن يختم لنا ولكم ولإخواننا المشاهدين والمشاهدات بالتوحيد الخالص وعلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة»، وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، يعني من رأيتم عليه علامات الوفاة والاحتضار، فلقنوه بكلمة التوحيد، رجاء أن يختم له على هذه الكلمة.
لا إله إلا الله  كلمة التوحيد، التي من قالها خالصا من قلبه كان أسعد الناس بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
لا إله إلا الله  كلمة التوحيد، التي لو وضعت في كفة والسموات والأراضون وعامرهن في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله.
لا إله إلا الله كلمة التوحيد،إذا قالها المسلم بعد أن يتوضأ ويسبغ الوضوء، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
لا إله إلا الله كلمة التوحيد، التي ينادي بها المؤذنون كل يوم، خمسا وعشرين مرة، من أعلى منارات المساجد، في الأذان والإقامة، ومن تابع المؤذن ثم قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة كما رواه مسلم.
كلمة التوحيد لا إله إلا الله، عليها يحيى الموحد والمسلم المؤمن، وعليها يموت, فاستكثروا دائما من قول لا إله إلا الله، تفلحوا.وربوا أبناءكم على هذه الكلمة، فهي ذكر ودعاء.
فضل من حقق التوحيد
وهو خصوص بعد عموم، فمن أعظم فضائل التوحيد أن من حققه على جهة الكمال والتمام دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب،نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم وإخواننا المشاهدين والمشاهدات ممن يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وذلك بفضل الله عز وجل ورحمته.لا يحاسب ولا يعذب، لا في القبر، ولا في المحشر، ولا في النار، وهذا الفضل العظيم لمن حقق التوحيد على جهة الكمال والتمام، ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث حصين بن عبد الرحمن قال كنت عند سعيد بن جبير –من كبار التابعين رحمه الله من تلامذة ابن عباس رضي الله عنهما- يقول كنت عنده أي في مجلس، فقال سعيد بن جبر –العالم الجليل التابعي الكبير- أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة، يعني سقط البارحة في الليل، قال حصين: قلت أنا، أي شاهدته في آخر الليل، ثم استدرك، وهذا أيضًا فيه لفتة لحرص السلف على سلامة التوحيد والمعتقد، ثم قال حصين: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، لا قال هذا القول حتى لا يتهم بالرياء .لأنه لما شاهد الكوكب الذي سقط البارحة في آخر الليل، يفهم منه أنه كان قائما يصلي، فهذا فيه احتراز السلف وحرصهم في البعد عن الرياء، وهذا فيه أيضًا تحقيق التوحيد، بأن الإنسان يبتعد عن المراءاة سواء بالتصريح أو بالتلميح، لأن من الناس أحيانا من لا يرائي تصريحا، ولكنه يرائي تلميحا. فقال حصين: أما إني لم أكن في صلاة، يعني لا تفهمون أني لما رأيت الكوكب الذي سقط أني كنت أصلي، والغالب أن من كان مستيقظا آخر الليل خاصة في ذاك الصدر أنه كان يصلي، لكن الذي جعله لم ينم أنه لدع، لدغته حية أو عقرب من ذوات السموم.
فقال سعيد: فماذا صنعت، لما قال لدغت.
قال حصين: ارتقيت.والرقية من أنفع العلاج لذوات السموم..
قال سعيد: فما حملك على ذلك. يعني ما الذي حملك على أنك طلبت الرقية.
قلت: حديث حدثناه الشعبي. يعني هذا الذي جعله يطلب الرقية.
قال: وما حدثكم الشعبي؟ وهذا فيه نوع من المدارسة، فمجالس السلف هي مجالس علم، حتى لو كانت في سؤاله عن أحداث وأخبار، وهكذا ينبغي لطالب العلم في المجالس أي خبر يأتي، يحاول أن يفيد الناس بالموقف الشرعي.
قال: وما حدثكم الشعبي؟
قال: قلت: حدثنا عن بريدة بن حصيب أنه قال لا رقية إلا من عين أو حمى، يعني لا رقية أنفع، فالرقية أنفع ما تكون في الإصابة بالعين أو الحمى يعني ذوات السموم، لدغ الحيات أو العقارب.
قال سعيد: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
الفائدة التي نستفيدها من هذا الحديث.العمل بالدليل، بما تعمله، ثم أيضًا إذا عمل بالدليل لا تلومه لأن معه الدليل قد عمل به، مع أن سعيد يفهم منه أنه خلاف هذا الرأي، لكنه ماذا أقره وأثنى عليه، فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، يعني اعتمد على الدليل، وهذا فيه أيضًا الأدب بين طلاب العلم، الأدب في مسائل الخلاف، وما يتعلق الأولويات والفضائل.
ثم قال سعيد مستدركا: ولكن، يعني ما أفضل من هذا، ولكن حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا يدل على أن سعيد من تلامذة ابن عباس، ولكن حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرضت علي الأمم» هذا العرض يحتمل أن يكون في الإسراء، ويحتمل أن يكون في المنام، ورؤيا الأنبياء حق, قال: «عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان»، والرهط ما بين الثلاثة إلى التسعة فقط، النبي يأتي يوم القيامة والذين استجابوا له من أمته عدد قليل، بل النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان، والفائدة التي تستفيدها «فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد».يستفاد منه أن لا يغتر الإنسان بالكثرة وأن اتباع الحق قد يكونون قليلين .وأيضًا لا ييأس، يعني لا ييأس الداعية يقول أني دعوت في بلدي ما استجاب لي إلا القليل، أقول لا تثريب عليك، النبي وهو النبي، يأتي ومعه رجل ومعه رجلان، ومعه رهط، بل يأتي النبي وليس معه أحد، لا يلام ولا يقال أنه قصر في دعوته لأن الهداية ليست بيده، الهداية بيد الله، فلا تيأس أيها الداعية ويا طالب العلم، إذا بذلت العلم، ولم يستجب أحد، فإن الله ما كتب القبول لكل أحد، والهداية بيد الله، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. ثم قال: «إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل هذا موسى وقومه»، فيه من الفوائد فضيلة موسى وقومه الذين استجابوا له، فيه دليل على فضل موسى كليم الرحمن، وعلى كثرة من اتبع موسى، لكن أفضل من ذلك: قيل له: «ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب»، هذا يدل على أن هذه الأمة أفضل من أمة موسى، من جهتين، من جهة الكم والكيف.
من جهة الكم أنهم سواد عظيم، قد سد الأفق.
من جهة الكيف فضل هذه الأمة أن معهم سبعون ألف يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب
الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ليس فقط سبعون ألف، وإنما من باب التكثير
ولهذا جاء في بعض الروايات وإن كان في بعضها ضعف، في بعضها مع كل ألف سبعون ألف، وفي بعضها مع كل واحد سبعون ألف، لكن فيها ضعف، وإنما العبرة هنا بالوصف، ولهذا من أهل العلم من قالوا بأن العدد هنا لا مفهوم له، وإنما هو من باب التكثير، وفضل الله واسع.هذا هو الشاهد في الحديث، أن هؤلاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب،من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب؟ هذا الفضل شد انتباه الصحابة رضي الله عنهم، فأخذوا يبحثون في هذا الفضل العظيم، وهذا من البحث الجائز، البحث في مثل هذه المسائل فيما دل عليه الدليل جائز.
فقال: نهض النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذافائدة من فوائد التعليم، بل أسلوب من أساليب التعليم، والفائدة التي تفوق ما توصل إليه المختصون في طرق التدريس في هذا العصر هوالتحفيز، فجعلهم يبحثون، فهنا شد انتباههم.
فقال: نهض النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، خاضوا لحرصهم على الخير، لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أحرص الناس على الخير،فهم يبحثون لأجل العمل والاقتداء، فخاص الناس في أولئك، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا احتمال.
وقال بعضهم لعل هؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا عذاب ولا حساب هم الصحابة رضي الله عنهم، وقال آخرون: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، لكن كلها اجتهاد، واستنباط.
فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، أي ببحثهم فيمن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، فوصفهم النبى صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات الأربعة. قال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون».
الفرق بين الرقية وبين الاسترقاء
الذي لا يفعلونه هنا طلب الرقية لأنفسهم. فطلب الرقية مكروه، هؤلاء السبعون ألف لا يطلبون الرقية من أحد..لكمال توكلهم وتعلق قلوبهم بالله، فلا يطلبون الرقية من أحد، فمن أهل العلم من قال هذا فيمن يخاف المرض، فيطلب من الناس الرقية، وأما إذا كان هو مريض فيرى الرخصة له، ومنهم من يرى أنه لا يطلب، لأنه يتعلق بسبب غير قطعي، بخلاف مثلا ذهابك للطبيب، أو نحو ذلك، هذا سبب حسي، أما كون فلان رقيته مؤثرة والآخر غير مؤثرة، فلكمال تعلق قلوبهم بالله لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، أما إذا أنت رقيت نفسك أو رقيت على أبنائك وأهل بيتك، أو زرت مريضا فتبرعت ورقيت عليه فهذا إحسان منك.
وإنما خلاف الأولى أن تطلب الرقية، ولهذا ينبغي للزائر للمريض ألا يلجئه لطلب الرقية، إذا كان طالب علم ويحسن الرقية وزار مريضا، فينبغي له ألا يلجئه لطلب الرقية، بل هو يبادر من باب الإحسان ونفع المريض وهذا الحقيقة أنفع ما يقدمه الزائر للمريض إذا كان يحسن الرقية ويحسن القراءة، أن يبادر هو بالرقية والقراءة عليه.
المهم أن هؤلاء لكمال تعلق قلوبهم بالله لا يسترقون، لأن قلوبهم قد تعلت بالله عز وجل.
«ولا يكتوون» والكي جائز، لكن تركه أفضل، فهؤلاء أيضًا لا يكتوون لكمال تعلق قلوبهم بالله تبارك وتعالى.
«ولا يتطيرون» والتطير المقصود به هو التشاؤم، سواء كان بالأزمنة أو بالأمكنة أو بالأشخاص فأيضا هم لا يتشاءمون، لكمال تعلق قلوبهم بالله، وإيمانهم بقضاء الله وقدره.
«وعلى ربهم يتوكلون» يعتمدون عليه، ويثقون به، ويأخذن بالأسباب المشروعة، فهذه صفات الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، جعلنا الله وإياكم وإخواننا المشاهدين والمشاهدات منهم.
بعد ذلك قام أحد الصحابة ألهمه الله لهذا الفضل، فقام عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت منهم»، وهذا علم من أعلام النبوة، فنحن نقطع بناء على هذا أن عكاشة من السبعين ألف. وما عدا ذلك لا نعلم، فهذا من باب الشهادة بالعين، لشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، فنقطع بأن من السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب الصحابي الجليل عكاشة بن محصن، وهذا من فضائل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ثم قام رجل آخر، هل هو صحابي أو هو من المنافقين الله أعلم، لكن نحن نأخذ الناس بظواهرهم، فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم؟ لماذا الراوي لم يذكر اسمه؟ لا حاجة لذكر اسمه، ومن باب الستر عليه، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم الكلمة التي أصبحت حكمة يتداولها الناس، ماذا قال؟ «سبقك بها عكاشة»، وهكذا يقال لكل من سبقه غيره إلى الخير، سبقك بها عكاشة.
هذا الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم وأروع الأجوبة، كيف تستنبط منه الخلق العظيم من النبي صلى الله عليه وسلم؟ لم يعطه جوابا يجرح قلبه، وإنما بأسلوب لطيف ومفهم مقنع . وهكذا ينبغي للمسلم وطالب العلم والداعية في تعامله مع الناس أن يستعمل مثل هذه الأخلاق، فراعى مشاعر الناس، لم يقل أنت لست منهم، بل استعمل هذا الخلق العظيم الراقي، الذي ينبغي أن يكون عليه كل مسلم، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، وقد وصفه ربه تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].فأجابه بهذا الجواب الذي فيه مراعاة مشاعر الناس، قال: «سبقك بها عكاشة»...هذا الحديث يدل على أن من حقق التوحيد تحقيقا كاملا له هذا الفضل العظيم، وهو دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب، وتحقيق التوحيد يكون بتصفيته وتخليصه وتهذيبه، ويكون على درجتين، درجة واجبة، ودرجة مستحبة.
الدرجة الواجبة ... فهي تصفية التوحيد وتخليصه من جميع صور الشرك الأكبر والأصغر، ومن جميع البدع والمعاصي بأنواعها، القولية والفعلية والاعتقادية، التي تنافي التوحيد بالكلية، تنافي أصل التوحيد أو تنافي كماله الواجب.بمعنى أنه يفعل كل ما أمره الله به من الواجبات ويترك كل ما نهاه الله عنه من المحرمات، فهذه درجة واجبة.
أعلى منها، يعني ممكن نقسمها بهذا التقسيم البياني، بأن تحقيق التوحيد إما يكون درجة كمال واجب أو درجة كمال مستحب، أعلى منها درجة الكمال المستحب
درجة الكمال المستحب ... وهي درجة المقربين السابقين من أهل التوحيد، وهي ألا يكون في القلب شيء من التعلق أو القصد لغير الله، ولهذا الذي لا يطلب الرقية قلبه لا يتعلق بغير الله، بل قلبه معلق بالله، لا يتشاءم لا يتطير لا يقع في هذه الأشياء، لأن قلبه تعلق بالله. يعني أن يكون القلب متوجها إلى الله بكليته، ليس فيه التفات إلى غير الله بأي صورة كانت، نطقه لله وفعله وعمله لله، بل وحركة قلبه لله ولهذا عبر عنها بعض أهل العلم بأنها أي هذه الدرجة ترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس....ترك ما لا بأس به، مثل ..الرقية مثلا، أو الأمور المشتبه، لأن الأمر المشتبه لا يقطع بحكمه، و هذا يسميه أهل العلم باب الورع، باب الاحتياط، اتقاء الشبهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ولهذا يعبرون عن هذه المرتبة بأنها ترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، سواء فيما يتعلق بأعمال القلوب أو أعمال اللسان أو أعمال الجوارح.
فمن حقق التوحيد على هذا الوجه، يعني ترك ما لا بأس، حذرا أي من الأمور المشتبهة التي يخشى أن تكون وسيلة للمحرمات، أو يخشى أن تكون محرمات في ذاتها، من حققها فقد حقق التوحيد على جهة الكمال والتمام فحصل له الأمن التام والاهتداء التام، وهذه المرتبة التي يتنافس فيها المتنافسون، وما ثم إلا عفو الله ومغفرته ورحمته عز وجل.
وهذه مرتبة ثالثة، من أتى شيئا من المعاصي والذنوب، ومات ولم يتب منها، فإنه قد أخل بالمتربة الواجبة، ومن أتى شيئا من البدع فإنه لم يحقق التوحيد الواجب.
مراتب التوحيد  ثلاثة أقسام، وكذلك مراتب الإيمان ثلاث مراتب، الدين كما في حديث جبريل المشهور، قسمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاث مراتب، إسلام، ثم إيمان، ثم إحسان.

مراتب التوحيد
المرتبة الأولى... وهي أصل التوحيد التي تكون مع كل مسلم، أتى بأركان الإسلام الخمسة، هذه تسمى أصل التوحيد، تنفعه في إجراء أحكام الإسلام عليه، وفي معاملته في الدنيا معاملة المسلمين، وفي معاملته حال الموت معاملة أحكام موتى المسلمين، وتنفعه هذه الدرجة في الآخرة في عدم الخلود في النار، هذه الأصل، هذه مرتبة الأصل التي مع كل مسلم.
المرتبة الثانية....أعلى منها.. أعلى من الاولى وهى مرتبة المقتصدين، وهي درجة الكمال الواجب، يعني أنه فعل جميع الأوامر، وترك جميع المحرمات، لكن ليس عنده زيادة في النوافل والمستحبات، وليس عنده حرص على ترك المكروهات والمشتبهات، إنما هو مسلم كل الواجبات يأتي بها، وكل المحرمات يتركها، أما أنه يبذل مزيد في النوافل سواء في الصلاة أو في الصيام، أو في الحج، أو في الزكاة، أو في أفعال الخير الأخرى، فهو حقق المرتبة الكمال، وهذه مرتبة الإيمان.
المرتبة الثالثة .... وهي أعلى من الثانية وهى درجة المقربين السابقين، أتوا بالواجبات وزادوا على ذلك المستحبات، سواء فيما يتعلق بأعمال القلوب أو أقوال اللسان، أو أعمال الجوارح، وتركوا المحرمات، وزادوا على ذلك تركوا المكروهات والمشتبهات والتوسع في فضول المباحات، التي قد تمرض القلب وقد تضعفه.
فالتحقيق هنا أمر زائد، يعني لما نقول التحقيق يعني الذين دخلوا الجنة بلا حساب ولا عذاب، زادوا على مرتبة الكمال الواجب إلى درجة الكمال المستحب.
نستطيع أن نضع هذا الرسم البياني يوضح لك مراتب التوحيد كمراتب الإسلام: الأصل ثم الكمال الواجب ثم الكمال المستحب.
 درجة الإسلام: الأصل، ثم درجة الإيمان، ثم درجة الإحسان، يدل على هذه المراتب للتوحيد والإيمان والدين، وهي كذلك مراتب الدين وهي مراتب الإيمان، ودرجات التوحيد يدل عليها قول الله تبارك وتعالى في سورة فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32]، هؤلاء كلهم ممن اصطفاهم الله يعني من المسلمين، لكن المسلمين في إسلامهم وإيمانهم ليسوا سواء، يتفاوتون، فمنهم ظالم لنفسه، يعني أنه مقصر في بعض الواجبات، مرتكب لبعض المحرمات، هو نعم مسلم يصلي يصوم يزكي يحج، لكنه عاق قاطع للرحم، يرتكب بعض الكبائر، فهو ظالم لنفسه، فهذه مرتبة.
﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾، يعني يفعل الواجبات فقط، ويترك المحرمات فقط، الصلوات الخمس فقط، أما أنه يأتي بالنوافل القبلية والبعدية وقيام الليل، وسنة الضحى، وما زاد على ذلك الأعمال، وكذلك الصيام يزيد وينقص ليس عنده ذلك.
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾، وهؤلاء الذين حققوا كمال التوحيد، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32].
تلخيص الوحدة الأولى من المقرر
أولا: أهمية التوحيد، وكذلك مكانة التوحيد من الدين والإيمان، فمن أجله خلق الله الخلق، ومن أجله أرسل الله الرسل، ومن أجله أنزل الكتب، وقضى الله وأمر به.
ثانيًا: مفهوم التوحيد، وأنه إفراد الله بالعبادة، أو إفراد الله بما يختص به، أو إفراده بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
وعرفنا أنواع التوحيد والعلاقة بين هذه الأنواع.
ثالثًا: تعرفنا على معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وأنها تعني لا معبود بحق إلا الله، وعرفنا شروطها التي لابد منها، كما أن الصلاة لها شروط، والزكاة لها شروط، والحج له شروط، كذلك كلمة التوحيد لها شروط، لا تنفع إلا إذا توفرت الشروط، وعرفنا أركانها.
رابعًا: عرفنا فضل التوحيد عموما، وما يكفره من الذنوب، أي مع ما فيه من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، أيضًا يكفر الله به الذنوب والخطايا.
خامسًا:  تعرفنا على فضل من حقق كمال التوحيد، وأن من حقق هذه المرتبة، وهذا فضل زائد، دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، نسأل الله الكريم من فضله.
س  ما الأدلة على أهمية التوحيد؟
في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]}.
الشاهد فيها ﴿اعْبُدُوا﴾ والعبادة هي إفراد الله بالتوحيد، وكذلك أول نهي في كتاب الله عز وجل فى الآية التي بعدها.. ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22]، النهي عن ضده وهو الشرك.
وكذلك مما يدل على أهمية التوحيد؟
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]}
وجه الاستدلال ...﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هذا يتعلق بالتوحيد واجتناب الطاغوت يتعلق بالشرك. وأن دعوة جميع الأنبياء كانت التوحيد، وأنه ما من أمة إلا وقد بعث الله فيها رسول، وهذه الآية أيضًا مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وكل رسول يقول لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره..ففي سورة الأعراف وفي سورة هود، وفي كثير من السور التي جاء بها ذكر قصص الأنبياء كل رسول يدعو قومه إلى التوحيد.
لما نقول بأن الأنبياء دعوا إلى التوحيد، هل يعني ذلك أنهم لم يدعو إلى غيره من الفضائل؟
 الجواب أنهم دعوا إلى الفضائل الأخرى، دعوا إلى بر الوالدين وصلة الرحم ومكارم الأخلاق وحسن المعاملة، لكن أهم أمر عنوا به هو التوحيد، ولما نقول الأنبياء نهوا عن الشرك، هل يعني ذلك أنهم لم ينهوا عن الفواحش والمنكرات الأخرى من الظلم والاعتداء والكذب، بل نهوا عنه، ولكن أعظم شيء بدأوا به ونهوا عنه هو الشرك ضد التوحيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق